الناظور : قراءة في كتاب (رسائل من نزيل عرس بآيث سعيذ) للكاتب محمد بودشيش

عندما اقترح علي الكاتب محمد بودشيش قراءة كتابه (رسائل من نزيل عرس بآيت سعيذ) الصادر عن مكتبة الطالب بوجدة سنة 2012 ،لم أتردد لحظة واحدة،لأنني متيقن أن كتابته ستكون متميزة لاعتبارات كثيرة،فهو ابن منطقة آيث سعيذ،ومتمثل للثقافة الأمازيغية الريفية ومنفتح على الثقافة العربية والغربية على حد سواء،ولا غرو فقد هاجر إلى فرنسا،وحصل على دبلوم في اللغة والحضارة الفرنسية من باريس في الثمانينات من القرن الماضي. أسوق هذه المعطيات لأنني بصدد الحديث عن تجربة في الكتابة تختلف كل الاختلاف عن التجارب التي ألفها القراء على اختلاف أنواعهم ومشاربهم؛تجربة تولي كامل عنايتها للموروث الثقافي والحضاري المستمد من البيئة الأمازيغية الريفية ،وتحديدا من بيئة أمجاو بآيت سعيذ.،ولا يخفى على المتتبع الحصيف ما لهذه البيئة من أهمية في تشكيل المخيال الأمازيغي الريفي،وتأثيث الذاكرة المشتركة لأبناء منطقة الريف الأبية،ومن ثمة فإن هذه الأضمومة الرسائلية تتوفر على حظ وافر من الإمتاع والمؤانسة. إن الأمر لا يتعلق برسائل إخوانية كما يتبدى من العنوان،وإنما يتعلق برسائل أدبية وفنية من الطراز الرفيع تعيدنا عودا على بدء إلى بهاءشعرية اللغة التي تحتفي بالثقافة الشعبية الأمازيغية بشكل بديع وأنيق. إن مقصدية الكاتب في هذا العمل الرسائلي تكمن أساسا في وضع الأنوية الصلبة لجنس أدبي جديد في الثقافة الأمازيغية،بؤطره السرد والوصف،ويمزج بين الثقافة الشعبية الأمازيغية والثقافات الوافدة على الحضارة الأمازيغية الريفية بشكل يجعل العمل الأدبي منسجما ،ومتسقا،ومتناغما ،إلى حد كبير،سواء على مستوى الشكل أو المضمون. ولعل ما ساعد الكاتب على المزج بين اللغة العربية واللغة الأمازيغية الريفية هو معرفته الدقيقة بتقنيات السرد الحديثة ،مستغلا الإمكانات التي تتيحه له اللغة الواصفة وما تزخر به من محسنات بلاغية وبديعية ،لملمت شذرات نصية ذات صلة وثيقة بطقوس وعادات العرس الأمازيغي الريفي بمنطقة آيث سعيذ،وقد أسعفه حسه النقدي المرهف على تأويل الأيقونات،والعلامات اللغوية،والجسدية ، التي يطفح بها هذا المتن الرسائلي من ألفه إلى يائه. إن الكاتب محمد بودشيش يحاور ساردا عليما يتمتع بكفايات عالية في التقاط مشاهد دقيقة لها ارتباط وثيق بطقوس العرس الأمازيغي،وعاداته،ومراحله المتتابعة والمتلاحقة،كاشفا في الوقت نفسه عن العجيب والغريب،والطريف،والممتع ،والمؤنس؛إنه يغوص عميقا في منعرجات الثقافة الشعبية الأمازيغية الريفية،ويخلق ألفة قل نظيرها بين الألفاظ العربية الأصيلة والألفاظ الأمازيغية الريفية الموغلة في القدم والدالة على رسوخ الثقافة الأمازيغية الريفية،وتجذرها في كيان الإنسان وحضارته. وعلى الرغم من أن الحكايات التي ساقها في معرض حديثه عن العرس الأمازيغي قد نقلها من سياق ريفي أمازيغي ألى سياق عربي عبر الترجمة إلا أن ذلك لم يفقدها قيمتها الأدبية،والفنية،والجمالية الأمازيغية،بل ظلت تنضخ بدلالات ومعان عميقة عبرت عن المشترك الإنساني. لقد نجح الكاتب على لسان السارد العليم أن يشرك القارئ المفترض في أجواء العرس في منطقة ريفية نائية،ويسافر به إلى أماكن مختلفة،وفي أزمنة متباينة لرصد كل الأيقونات،والعلامات ،بهدف تأويل طقوس العرس،وما يتصل بها من عادات وتقاليد،تمت بصلة إلى موروث ثقافي هائل يستمد مرجعيته من الثقافة الإسلامية،ومن الثقافة الشعبية بأساطيرها ،ورموزها ،وعجائبها ،وغرائبها. لقد اعتنت هذه الرسائل الأدبية بشعرية اللغة وسيميائية الأشكال ،والزخرفة،،وأسست لمشترك إنساني ،وهي مفيدة من هذه الناحية للأجيال الصاعدة للتعرف على الجذور التاريخية والثقافية والحضارية لمنطقة آيت سعيذ ،وما تحفل بها من طقوس وعادات،وثقافات،تؤسس لهوية مشتركة.
بقلم الناقد امحمد امحور

