ظاهرة الرقاة…شعوذة ونصب واغتصابات

بقدر التطور العلمي والتكنولوجي الذي غزا الحياة العامة، بقدر الجهل الذي مازال يعشش في عقول العديد من الأشخاص، بإيمانهم بالخرافات والشعوذة والجهل التي ترتكب تحت يافطة “الرقية الشرعية”، من أناس يجيدون النصب بجميع الطرق ووصل صيتهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي وخارج الوطن لاستعراض قدراتهم “الخارقة” في علاج المس بالجن وإبطال السحر أو الحسد أو غيرهما.
“الرقية الشرعية” التي غزت المدن والبوادي بالمغرب تستمد شرعيتها من السنة النبوية، باعتبارها نوعا من العلاج الروحي، غير أن ذلك العلاج الروحي تحول في الآونة الأخيرة إلى مجال للاغتناء السريع وممارسة الفواحش باسم الدين وما الفضائح التي تظهر بين الفينة والأخرى إلا دليل قاطع على ما يقترفه هؤلاء الرقاة باسم الدين للنصب على الضحايا ، هؤلاء الرقاة تسببوا في تدمير عائلات وتفكيك كثير من الأسر بأفعالهم الشيطانية.
ورغم مطالبة السلطات والجهات المعنية بمراقبة دكاكين الرقاة يبقى موقف الدولة غير واضح بشأن هذا القطاع فبعيدا عن المتابعات المسطرية لبعضهم بسبب اقترافهم جرائم الاغتصاب لا توجد أي إستراتيجية حقيقية للتعاطي مع هذا الملف الشائك والذي سبق لأحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أن أكد في تصريح داخل مجلس النواب بخصوصه أن التصدي للاستغلال عن طريق الرقية يعد “أمرا معقدا” ينبغي الحسم فيه من قبل المختصين لأنه يندرج في إطار العرض والطلب.

أصبح الإقبال على الرقية الشرعية يعرف ارتفاعا خلال الوقت الراهن كما أن دائرته تتسع في المدن والقروى في ظل وجود رغبة للاستفادة من خدمات يقدمها رقاة اتخذوا منها مجالا لاشتغالهم.
الرقية الشرعية نجحت في استقطاب كثير من الأشخاص ممن يمرون بظروف صعبة أو تتسم شخصياتهم بالهشاشة النفسية ولا يستطيعون التعايش مع الأمر الواقع كما أنها “خدمة” تستغل طابع “الشرعية” لتكون قناعا يخفي وراءه ممارسات كثيرة منافية للأخلاق والقانون.
“إنها بمثابة طوق نجاة ونوع من الهروب من مشاكل واضطرابات نفسية”.

يعتقد كثيرون أنها الحل الوحيد لمشاكلهم وربما قد يكون هناك فعلا رقاة يمارسونها بهدف مساعدة من يمرون بأزمات نفسية لكن الأغلبية اتخذوا منها وسيلة للربح و المتاجرة بهموم الناس وأحزانهم إذ يدعي كثير من الرقاة أنهم قادرون على تخليص من يقبلون على خدماتهم من أزماتهم و أن حياتهم ستتغير إلى الأفضل!؟
للأسف الشديد أن كثيرا من الضحايا يقعون في شباك رقاة ينجحون في بيع الوهم لهم الأمر لا يقتصر على حصة واحدة من الرقية بل يتعدى الأمر ذلك كلما كان الضحية شخصا ميسورا.
يستغرب الشخص العاقل كيف يمكن أن تتخلى فئة من الأشخاص عن الطب النفسي وتلجأ إلى رقاة في كل مرة يفجرون فضيحة لا علاقة لها بالدين بل هي استغلال جنسي لــ”باحثين عن الوهم”.
يبدو أن الظاهرة اتخذت منحى آخر بعدما كانت تمارس بمنتهى الصدق والشفافية وأضحت وسيلة للربح والشهرة واستقطاب المرضى من كل حدب وصوب بدل اللجوء إلى عيادات الأطباء.
و في السنوات الأخيرة ارتفع عدد الرقاة الدخلاء الذين يتخذون منها مهنة لكسب المال ومنافع أخرى واستغلال حاجة المرضى ومعاناتهم من بعض الأمراض المستعصية الأمر الذي أوقع أغلبهم في مخالفات وشبهات وجرائم زجت بهم في السجون .
ورغم تطور الطب النفسي وانتشار الوعي إلا أن هناك من يجد في الرقية الشرعية بغض النظر عن هوية ممتهنها وسيلة للخلاص من معاناة المرض فهم يعتبرونها علاجا لا محيد عنه.

الأمر يدعو إلى فتح نقاش مسؤول علمي رزين يفضي إلى الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية و كذا الحفاظ على التماسك الأسري لمختلف فئات المجتمع المغربي.