القناة الأمازيغية المغربية المنتظرة.. مطلب ضروري

القناة الأمازيغية المغربية المنتظرة.. مطلب ضروري

بقلم/ذ.التجاني بولعوالي / باحث مغربي مقيم بهولندا، متخصص في علوم الإعلام وتقنيات الصحافة

www.tijaniboulaouali.nl

مما لا شك فيه أن ثمة اليوم إجماع عالمي على أن الإعلام صار يؤدي دورا جوهريا ومصيريا في حياة الإنسان، فقوة الأمم المعاصرة وتقدمها لم يعد يقاس فقط، بحجم ترسانتها العسكرية، وامتدادها الجغرافي، ونموها الديمغرافي، وإنما بتطورها المعرفي والتكنولوجي والإعلامي،
وهذا ما راح الفكر الإنساني الحديث يعالجه من خلال جملة من القضايا المستجدة، كالعولمة، والثورة الرقمية، ومجتمع المعرفة، والنظام الإعلامي الجديد. بل وإن معيار ذلك التطور الكوني للأمم والشعوب، يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الجوانب، كالتمدرس، وعدد خريجي المعاهد والمدارس، وحجم الإصدارات من الكتب والمجلات، وحركة المجتمع المدني، وكمّ وسائط الإعلام المكتوبة والرقمية والفضائية، وغير ذلك.

على هذا الأساس، يتحتم على الدولة المغربية أن تدرك أن العالم تجاوز المرحلة الكلاسية، التي كانت محكومة بالآليات التقليدية في التسيير والتعليم والتطبيب والتواصل الجماهيري، وولج منذ العشرية الأخيرة من الألفية المنصرمة، عهد المجتمع المعرفي، والثورة الإعلامية والمعلوماتية، وما بعد الحداثة، ولعله ثمة من المؤشرات ما يدل، بشكل أو بآخر، على أن المغرب بدأ يواكب، ولو نسبيا، ذلك التغير الجذري، الذي تشهده الكرة الأرضية، وهذا ما يتجلى من خلال بعض التجارب الإعلامية الجديدة، التي تطفو من فينة لأخرى على سطح الواقع المغربي، سواء أتعلق الأمر بالصحافة المكتوبة، أم بالتواصل الرقمي، أم بالإعلام الفضائي.

وعلى ذكر الإعلام الفضائي، يبدو جليا أن المغرب تمكن في ظرف وجيز من إطلاق الكثير من القنوات الفضائية المتنوعة الاهتمامات والمضامين، كالدين والمعرفة والرياضة والسياسة والسينما، وغير ذلك، بغض النظر عن المؤاخذات التي قد يخلص إليها الباحث في هذه التجربة الإعلامية، سواء على مستوى منهج تناول الأحداث والقضايا من قبل هذا اللون الإعلامي، أم على مستوى توجهه الرسمي، أم على مستوى طابعه الاحتكاري للمشهد الإعلامي الفضائي المغربي، وهلم جرا.

وفيما يتعلق بالظهور المرتقب للقناة التلفزية الأمازيغية، الذي طال انتظاره، إلى درجة أنه كل مرة يضرب موعد ما لانطلاقتها، غير أن ذلك الموعد سرعان ما يؤجل، لأسباب خفية وغير مبررة من الجهات المعنية بالأمر، كوزارة الاتصال، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وغيرها. ومهما يكن السبب، فإن الذي يهمنا هو مشروع القناة الأمازيغية المغربية في حد ذاته، الذي سوف يشكل لا محالة إضافة متميزة إلى المشهد الإعلامي المغربي من جهة أولى، كما أنه سوف يشكل طفرة نوعية في السياق الثقافي الأمازيغي من جهة أخرى.

ثم إن التطرق إلى هذه التجربة الإعلامية الأمازيغية المنتظرة، لا يكتمل إلا بالإشارة إلى أنها؛

أولا: تستجيب إلى التحول العميق الذي يشهده العالم، وهو تحول ساهم في انتقال الإنسان من نمط الحياة التقليدية المحدودة الموارد والتواصل والمعرفة، إلى مرحلة أشد تطورا، محكومة بتقنيات جديدة في التنقل والمعاملات والاتصال والتعليم… ومن حق الثقافة الأمازيغية أن تنال حظها من هذا التطور، كما نالته غيرها من الثقافات الإنسانية، لا سيما وأن الإنسان الأمازيغي لم يعد استقراره مرهونا بالبوادي والجبال والصحارى، وإنما أصبح يتحرك ويستقر في مجالات متعددة، لا تقتصر على شمال أفريقيا، بل تتعداها إلى أوروبا وأمريكا وغيرهما. مما يجعله في مسيس الحاجة إلى التعلق بهويته الأصلية، والتعرف على ثقافة أجداده، وتعلم لغته الأمازيغية الأم، ولا يتأتى ذلك، خصوصا في هذا العصر المعرفي الرقمي، إلا بامتلاك وسائل إعلامية قوية، من شأنها أن تملأ الفجوة الإعلامية والتواصلية التي تعتري راهن الثقافة الأمازيغية.

ثانيا: ترد الاعتبار إلى القضية الأمازيغية، التي نالت العديد من الوعود المعسولة من الدولة المغربية، غير أن تنفيذها يتم ببطء شديد، مسكون بنزعة التجريب والتربص والتخوف، كما حصل مع تعليم اللغة الأمازيغية، ويحصل الآن مع الإعلام، في حين يظل الصمت يكتنف ملفات أخرى، كالقضاء، ومعيرة الأمازيغية، ودسترة الأمازيغية، وتأهيل المناطق الأمازيغية المهمشة، ونحو ذلك. ومع ذلك، أعتقد شخصيا أنه يتحتم على الأمازيغية أن تستفيد من أي فرصة تتاح لها، وتستثمرها استثمارا عقلانيا، شغله الشاغل هو خدمة القضية الأمازيغية، لا استثمارا أيديولوجيا، همه الوحيد هو خلق الخصوم والدعوة إلى ثقافة المواجهة والصدام.

ثالثا: تعضد الواقع المغربي، الذي ينبغي أن يتعامل معه في شمولية، بالاكتراث الواعي بكل مكوناته وروافده وأنساقه، لأن جسد الواقع أو الحضارة المغربية لا يتقوى ولا يتمتن، إلا بالحضور الشمولي لكل مكوناته، وأي تغييب أو إقصاء لواحد منها، يجعل هذا الجسد مرتجا ومشوها، بمجرد ما يعتريه خطر ما، أو يوجه إليه تهديد ما، يصيبه الخلل والتفكك، لأن القوة الحقيقية للمجتمع المغربي تستمد من قوة روافده ومقوماته الثقافية والاجتماعية واللغوية والسياسية والمجالية كلها، في تضافر بعضها مع البعض الآخر، لا في تشتتها وانشطارها وتناحرها، وهذا ما ينطبق كذلك على الجانب الإعلامي المغربي، الذي لا يكتمل ولا يتقوى، ولا يتمكن من أن يعكس الخصوصية المغربية بشكل صادق وموضوعي، إلا بحضور كل روافده، الإسلامية والأمازيغية والعربية والصحراوية والأفريقية واليهودية، وغير ذلك، أما أن يحضر رافد على حساب آخر، أو يحتفى بمكون دون آخر، كما حدث في الإعلام الفضائي المغربي، الذي ظل عبر حوالي أربعة عقود، يقصي الثقافة الأمازيغية، فإن ذلك يميط اللثام عن ازدواجية الخطاب الرسمي وإبهام المقاصد التي يسعى إلى تحقيقها، أما اليوم فقد آن الأوان لأن يصحح مساره بمنح الثقافة الأمازيغية متسعا إعلاميا لائقا بها.

خلاصة القول، إن تجربة القناة الأمازيغية المرتقبة، سوف تشكل يقينا إضافة نوعية إلى الثقافة المغربية الأمازيغية في بعدها الإعلامي والتواصلي، كما أنها سوف تغني المشهد الثقافي الأمازيغي العام، إلى جانب قنوات فضائية ورقمية أمازيغية أخرى، رأت النور في السنوات الأخيرة (هولندا، فرنسا، الجزائر)، غير أنه لا ينبغي أن تقتصر الرسالة الإعلامية لهذه القناة على ما هو كمالي وفلكلوري، بقدر ما ينبغي أن يتجاوزه إلى ما هو علمي يخدم الأمازيغية في تجلياتها الفكرية والتراثية والفنية والأدبية، وإلى ما هو واقعي يترجم على الشاشة يوميات المواطن الأمازيغي العادي، وينقل أنشطته وانشغالاته ومعاناته، وإلى ما هو تنموي يؤهل الإعلام لأن يكون طرفا رئيسا في تنمية مختلف قضايا الأمازيغية التعليمية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية، لا أن يكون مجرد بوق للأحزاب السياسية أو السلطات الرسمية.

‫11 تعليقات

  1. باحث مغربي مقيم بهولندا، متخصص في علوم الإعلام وتقنيات الصحافة وووووووو

  2. أشكر الكاتب على هذا المقال،وأشجعك على هذا الخط التحريري الذي يغني الثقافة الامازيغية التي هي جزء من الثقافات المغربية,,استمر عزيزي فأنت على الطريق الصحيح…
    إدريس أقشار-كوبنهاكن

  3. لماذا كل هذا الحسد، عوض ان نردد الحقائق يجب التطرق الى الموضوع الذي يحمل الكثير من الافكار الصائبة.

    اشكرك اخي بولعوالي على المجهود

    تحياتي، اخوك خالد من دنهاخ

  4. بسم الله اتلرحمن الرحيم

    اخواني المشرفين والاعضاء والزوار

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى

    لا شك ان القناة الامازيغية المغربية التي انطلقت في بثها التجريبي

    مع بداية هذه السنة تعتبر استجابة لمطالب ملحة ظلت لسنوات

    طويلة تطمح الى توفير منبر اعلامي ناطق بالامازيغية من اجل

    اعادة الاعتبار لهذا المكون الاساسي من الثقافة والهوية الوطنية.

    ومع خروج مشروع القناة الثامنة الامازيغية الى حيز الوجود

    اصبح الهاجس الاكبر الان هو قدرتها على الاستمرارية

    والنجاح خصوصا مع الرهانات والتحديات المطروحة امامها:

    -رهان استراتيجي مرتبط بهويتها فقد سمعنا مؤخرا اصواتا

    تشك في جدوى القناة خصوصا مع فرض الهاكا على القنوات

    الوطنية تخصيص جزء من برامجها للثقافة الامازيغية

    مما جعل البعض يصرح بان انشاء قناة الامازيغية سيكون

    سببا في المطالبة بانشاء قناة ناطقة بالعربية.وهنا لا بد

    من التذكير بتصريح محمد مماد بان هوية القناة مغربية وان

    جل برامجها ستكون مترجمة بالعربيةsous-titrage.

    -رهان على مستوى الشكل:فالقناة مطالبة باستعمال احدث

    تقنيات الاعلام من بث وتصوير واخراج….ولا شك ان القطب

    العمومي الوطني يتوفر على احدث التجهيزات والاطر المؤهلة

    لربح هذا الرهان ولعل الجودة من حيث الصورة والصوت التي

    انطلقت بها القناة محترمة وتبعث على الاطمئنان.

    رهان على مستوى المضامين:يرتبط في شقه الاول بالاشكالية

    اللغوية فمن المعروف ان اللغة الامازيغية في المغرب اشتقت

    منها ثلاث لهجات رئيسية وهي تاريفيت وتامازيغت وتاشلحيت

    وفي هذا الاطار اثارت انتباهي الوصلة الاشهارية لاحد البرامج

    الخاصة بالاطفال الذي يبدو انه سيعتمد على ثلاث منشطين

    كل واحد منهم يتكلم احدى اللهجات الثلاث .قد يكون هذا الامر

    مبررا في بداية الامر على سبيل الاستئناس الا انه لا بد من التفكير

    في ايجاد لغة موحدة يفهمها الجميع.

    اما الشق الثاني فيرتبط بطبيعة البرامج التي تبثها القناة حيث

    من اللازم الانفتاح على الموروث الثقافي الامازيغي وعلى

    كل الكفاءات والفعاليات الفنية حتى لا يقتصر الامر على وجوه

    بعينها الفنا حضورها على القناتين الاولى والثانية.

    كلنا ثقة في قدرة هذا المولود الجديد على كسب رهان التالق

    وفرض الذات وتشكيل اضافة نوعية الى القطاع السمعي

    البصري الوطني.

  5. شكرا لكم على هده القناةالامازيغية والتي اغتز بها كتيرا……….كتيراوالتي احبها اكترمن القناةالامازيغية الجزائرية مع اني جزائري

  6. Cette vilaine ville ce n’est que le reflet de la vilenie et l’ignorance crasse de son Caciquat, mais aussi, malheuresement, de ses habitants villageois, autrefois urbains dirigés. Le Sort il est fait. Dieu soit loué.

  7. chi marra 9alou almarhom moulay ahmad al3alaoui wakana wazir addawla .9alou li7 ra7 aryafa taytalbou bach ya9raw allougha adyal7om arrifiya .9alli7om saaaafi nafdou li7om 7ad attalab falhin ..bach …yattalfou .. walfa7am yf7m7a kimma abgha watahayya min gharib addiyar

  8. الاخ الكريم,
    كثيرا ما اقرء عن جعل اللغة الامازيغية لغة رسمية للمغرب والجائر, لكن عن اية امازيغية يتحدثون.؟ هناك العديد من اللهجات الا مازيغية لكن ليست عندنا لغة فصحى موحدة . عشرات اللهجات الامازيغية ماتت, والبقية ستموت في السنين القادمة .اللهجات الامازيغية في مصر, موريطايا, تونس, كناريا مهددة بالانقراض. حتى في المغب تنقرض اللهجاتالامازيغة ومن بينها لهجة في وجدة وبركان.
    عبر هذاالوقع اجوكمان تكتبو مقال حول اهمية توحيد الامازيغية قبل فوات الاوان. بدون لغة امازيغية موحدة لكك سكان شمال افريقيا لن تكون هناك دسترة للامازيغة.

  9. الأمازيغية القومية العربية ,أغنية قديمة سئمنا منها دائما نسمعها ولا جديد المدافعون عن الأمازيغية كل مرة يخرجون علينا بشطحة من شطحاتهم القبيحة,آخرها الزيارات المتكررة إلى بني صهيون.
    صاحب المقال مازال يتحدث عن القومية العربية وهي التي ماتت منذ زمن بعيد يعني أن الدهر أكل عليها وشرب ولم يبقى منها سوى الفضلات وأستسمح عن هذا المصطلح.
    والأمازيغية إذا صارت في نفس الطريق ونفس التفكير فالهلاك والإندثار مصيرها بدون شك,لأنها تصنع من أشياء قدسهما الله أعداء,وأقصد هنا الإسلام والعربية,وهذه معركة خاسرة دون شك.
    الأمازيغية دخلت معركة وهي غير مستعدة أعني الأشخاص ولا أعني الأمازيغية كمنظومة وكتراث وثقافة,خوض معركة بالجهل والأمية والفقر صعب الإستمرار فيها كما هو صعب إنتاج أشخاص يتحملون المسؤولية بصدق وأمانة,أشخاص يوصلون إلى العالم رسالتنا وقضيتنا.
    وفي الأخير أقول لك أن القومية العربية والقومية الأمازيغية وجهان لعملة واحدة,فالقضية الأمازيغية بأشخاص مثل الدغرني في طريقها إلى الزوال.
    ولك واسع النظر

  10. السلام عليكم ورحمة الله,أنا شخصيا أعتبر أن إنشاء قناة أمازيغية مشروع فاشل لا يخدم القضيةالأمازيغية برمتها,فهي امتداد لسياسات الدولة والمخزن من أجل إحتواء القضية كما أعتبرها امتداد للفشل الضريع الذي حققه المعهد الملكي.
    لهذا لا أرى من سبب للتصفيق والترحيب بهذه القناة لأن الفشل ظهر منذ البداية والخطة ظهرت مع الشطيح والرديح
    إمضاءislam-ino esp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *