تخربون بيوتكم بهلوسات غيركم وأنتم لا تعلمون

د.حبيب عنون

باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية

ANOUNE64@gmail.com

لم يرق لعدة أطراف التي باتت معروفة، “الاستثناء” الذي شهدت به جل الدول سواء منها الغربية أو العربية بشأن التحولات السلمية والعقلانية التي تشهدها المملكة المغربية والتي هي في الأصل نتيجة تفاعل بين ملك المغرب وشبابه. ونؤكد أن مصطلح الاستثناء لا يعني غياب حركية أو جمود ولكنه استثناء من حيث كيفية التعامل، من كلا الجانبين المؤسساتي والشبابي، مع معطيات شباب الألفية الثالثة. ويتضح أنه كان مبيتا ومنتظرا، من سلوك الأطراف المشار إليها أعلاه، أن تستغل الحركية الشبابية لتقودها خارج الإطار الشرعي الذي نادى به الشباب في بداية حركيته لتحوله إلى المطالبة بإحياء تبني النماذج الراديكالية بالرغم من كون الواقع الدولي والمغربي قد أتبت نظريا وعمليا تجاوز وعدم فعالية هذه النماذج خاصة من زاوية تبنيها كسياسيات اقتصادية . كان مبيتا ومنتظرا لكونها فضلت عدم الاستجابة لدعوة المشاركة بوجهة نظرها في مشروع تعديل الدستور، للانتقال، عمدا، بهذه الأفكار التخريبية والغريبة عن ما طالبت به الحركية الشبابية، إلى الشارع . كانت نية خبيثة ومناورة سياسية مفضوحة تبرأت منها شريحة عريضة من الحركة الشبابية.

أما الأحزاب التقليدية، فالانتقاد الموجه إليها كونها ضلت جاثمة في مقراتها ولم تقم بواجبها من خلال عقد ندوات جهوية لتفسير مضامين الخطاب الملكي ل 9 مارس وتعبئة المواطنين للإنخراط في هذا المسار الاصلاحي. لم تقم بذلك لكونها إما لعدم شعبيتها أو أنه اتضح لها أنها باتت منبوذة من خلال الشعارات التي رفعتها الحركة الشبابية التي تحملها ضمنيا واقع الحال الذي آل إليه شباب مغرب اليوم، أو أنها فضلت المكوث في “الظل” لكونها استنتجت أن الشباب يحاور ملكه ويستنجد به وأنها ستكون كذاك المتطفل الذي يتدخل فيما “لا يعنيه” أي في حوار قائم بين ملك وشبابه.

وخلص الشباب المشارك في المناظرة التي نظمتها وزارة الشبيبة والرياضة إلى فكرتين: الأولى تتلخص في كون الملتقى كان فرصة لبعض المتدخلين للتعبئة الانتخابية المحضة بعيدة كل البعد عن محاولة مناقشة تحديات المرحلة إن على الصعيد الوطني أو الصعيد الجهوي. أما الفكرة الثانية فهي استحالة قبول إشراك الشباب في الاستئناس بتدبير الشأن الحزبي وبالتالي تأهيله لتدبير الشأن العمومي. ليبقى الجدل مطروحا حول دراسة إمكانية خلق أحزاب شبابية أو اقتحام الأحزاب المتواجدة والعمل داخلها على تكييف مرتكزاتها مع متطلبات الحاضر والمستقبل.

وما كان متوقعا حدث بالفعل، إذ أن النهج الديمقراطي والسلفية الجهادية والعدل والاحسان، فضلوا، وكما هو مألوف لديهم، ليس نقل الحوار، بل محاولة نقل التخريب إلى الشارع وهم يعلمون أن أطروحاتهم باتت متجاوزة لا سياسيا ولا اقتصاديا في ظل مسار العولمة وما يتطلبه، “كرها أو طوعا” ، قصد الاستفادة منه، من تحولات في الانظمة الاقتصادية والسياسية. يمكن لاقتصادنا الاستفادة من مسار العولمة ليس فقط من خلال تحرير تنقل السلع والرساميل ولكن يلزمنا، وهذا أمر ضروري، إرساء اقتصادنا على هيآت ومؤسسات ديمقراطية لا صلة لها بما يتحلى به بعضها اليوم من خلال تقارير المجلس الأعلى للحسابات أو تقارير مفتشية وزارة الداخلية.

فالاقتصاد هو ثروة البلاد أي الناتج الداخلي الخام والذي أنتج داخل البلاد، أما السياسة فهي وبكل بساطة الطريقة أو الكيفية التي يعتمدها من ولاهم الشعب تدبير شأنه العمومي، من خلال الانتخابات، أي المجلس التشريعي والمجلس التنفيذي، لتوزيع الثروة بين مختلف القطاعات ليكون مقياس نجاعة هذا التوزيع جليا إن على المستوى الاقتصادي و المستوى الاجتماعي أي ضمان العيش الكريم للساكنة أي لمن ساهمت أصلا في خلق ثروة البلاد. وليكون هذا التوزيع إيجابيا وعادلا وشفافا وجب على من يدبروا مصالح الشعب أن يكونوا مستندين على انتخابات لا تترك لذوي الأطروحات البائدة المشار إليهم أعلاه دريعة لزرع الفتنة بين أفراد المجتمع. كما هو الحال حين حاول بعضهم زرع الفتنة بين شباب المغرب وزرع “سور برلين المنهار” بينهم أو كما يحاول الجانب الآخر تحويل ثلة من شباب المغرب إلى شباب قندهار. لكن الأمر عندما يصل بساكنة الأحياء الشعبية خصوصا بطلب الحماية من هؤلاء المغرر بهم، من خلال الشعارات التي رفعوها بالعاصمة الادارية يوم الأحد 29 ماي، أصبح الوضع يعلل ويشرع قيام الجهات المختصة بدورها لضمان الأمن والأمان لهؤلاء المواطنين. وأود هنا إبراز حقيقتين هامتين: أولاهما فضح توجهات قناة “الخنزيرة” التي أبانت على عدم حيادها وحرفيتها في التعامل مع الأحداث ذلك أنها كيف يروق لها نقل ما يحل لها بتسميته بأعمال العنف ولم تنقل المسيرة الرباط الحاشدة المؤيدة للسلم والمناهضة للعنف وإرهاب السلفيين والمؤيدة لمسار الاصلاحات التي أعلن عنها ملك البلاد؟ كما أنه ما لهذه القناة لم تنقل الأحداث والطريقة العنيفة التي تتعامل بها السلطات في إسبانيا وفرنسا؟…أما الحقيقة الثانية تكمن في أننا لا ننتظر من الاتحاد الاوروبي دروسا أو تعليمات حول الكيفية التي يجب أن نتبناها للحفاظ على أمننا فلينظر أولا إلى كيفية تعامله مع الاعتصامات في إسبانيا وفرنسا.

أعود وأؤكد أن الأحزاب المغربية وخاصة تلك الجاثمة في الحكومة بغير معنى ولا فائدة، ولغرض في نفس يعقوب يعود إلى حقبة الستينيات والسبعينيات، هي المسئولة الأولى والوحيدة عن إفساح الفجوة لأصحاب الفتنة. والتعلم بأنها انهزمت أمام عبقرية ملك شاب وشباب عبر منذ أن كان ملكه وليا للعهد ملتفا حوله وملتجئا إليه في وقت غاصت فيه الأحزاب في الصراعات والزبونية والتهافت وراء الامتيازات والمناصب… متنكرة لواجبها اتجاه أبناء هذا الوطن بل أكثر من ذلك لم تستطع حتى التماشي وفكر وتعليمات ملك البلاد. والغريب أن هاته الأحزاب تدعي اليوم كون مطالب الشباب كانت في الأصل مطالبها الأساسية منذ مدة. إذا كانت على حق، فهذا يزيد الطين بلة لكونه يعبر عن انتهازية ميولها لكونها إذا كانت صادقة لم يكن عليها القبول بالعمل بدستور غير متضمن لمتطلباتها. فالأمر إذا جلي وواضح لكونها توافقت بينها وتبعاتها “الآلية النقابية” أو تآمرت في حقبة كان فيها الشباب المغربي لم ينضج بعد.

وعلى أية حال، وكما يقول المثل الشعبي “كل تأخيرة ، فيها خيرة” فالشباب المغربي صاعد ومصمم على الصعود ومؤمن بما وعده إياه ملكه. فالدستور “الشبابي” قادم متضمنا لمجالات وحريات ومساوات وعدالة وكرامة أكبر مما كان يتوقعه لا الشباب ولا الأحزاب نفسها. والأكيد بأن الأحزاب الانتهازية المعمرة لن تستطيع مواكبة التغييرات السائرة في طريق التنفيذ لكونها لن تستطيع المزج بين متطلبات التعديلات الدستورية من جهة وتحديات الجهوية الموسعة من جهة أخرى. وبالتالي فإن ملك البلاد يمنح شبابه الذين هم رجالات الحاضر والمستقبل فرصة تحقيق بأنفسهم، إذا عرفوا كيف، ما طالبوا به، كما يقال بالعامية “فرصة العمر” لكي يبرز مؤهلاته بإتقان تعامله مع ما طلبه لكونه هو من سيقود، مستندا إلى التوجيهات الملكية، مغرب ما بعد صدور دستور الألفية الثالثة وإرساء الجهوية الموسعة.

والدليل على تخوف بعض الجهات مما هو قادم هو الذي يدفعهم إلى محاولة إشعال نار الفتنة وزرع الوساويس بين الشباب لكي يفقد هذا الشباب صوابه ورزينة تفكيره وبصيرته وتفاؤله ليترك فرصة الأخذ بزمام الأمور تفوته ويعيش في تشردم لا مبرر ولا مجال له. لسنا في حاجة إلى إحياء “سور برلين” و لا حاجة لنا في نقل مآسي قندهار كما ليست لنا الحاجة في أن نكون مادة إخبارية للفرجة لقناة “الخنزيرة” ولا حاجة لنا في تعليمات من الاتحاد الأوروبي. ولكم العبرة في تشردم الأحزاب وما نجم عنه، فلا تسلكوا نفس السبيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *