ترسيخ ثـقـافـة التعـددية هو الذي سـيسـقـط الإستبداد

ذ. سعيد أبجطيط

الخوف من الحريـــة سياسة يروجها المستبد
لا مسؤولية بـدون حـريــة
متى يستغني المــواطــن المغربي عن عــصا المسـتـبــد؟
الـحـاجـة إلـى الطرح الإسلامي الــحـقـيـقـي للــتـعـدديـة
الـتعددية ثــقـافـة تـحـتـاج إلى تـرســيـخ
الدولة الحديثة في التصور الإسلامي يحكمها الــنـظــام ولـيس الأفراد
أفــول الـتـعـدديـة في الـغـرب بحث عن ميلاد جـديــد
خـلاصة

الــطائـفـيـة تـخدم الإستبداد وتـسـوّغ مشروعية بقائه، ليظل المواطن في حاجة إلى عصاه باستمرار.هذا إذا ظل شعباً لا يتقن الحوار ليستوعب مفهوم التعدد الثقافي، والديني، واللاديني، والسياسي، ليقبل بعضه كما هو. وتلك أحد أهم أسس النظام الديمقراطي. فالتـغـيـير مرهون باللحظة التي يتوصل فيها الشعب المغربي إلى استيعاب مـفـهـوم الـمـواطـنـة بدلاً من مفهوم القبيلة (الطائفة) التي صانها الإستبداد إلى ما بعد الحداثة، ليصفوا له الجو طالما ظل الشعب مــمزقــاً لا يتقن لغة الحوار.

الخوف من الحريــة سيا سة يروجها المستبد
يـتخوف فــريـق من المثقـفـيـن فضلا عن عامة الناس من مستقبلٍ تـغـيـب فيه العصا الغليظة، لكون الـمجـتـع المغربي ينبــق من أنسجة مختلفة، لم تتعلم تلك الأنسجة بعــدُ الإنسياق مع بعضها لتشق طريقها نحو التوافق الديمقراطي والوعي التعددي. تـصــوّر لحظة يغيب فيها الأمن مثل ما حصل أثناء الزلزال الألـيـم بمنــطـقـة الحسيمة قبل تسع سنوات حـيـث اسـتُـغــلت اللحظة التي غابت فيها العصا الغليظة للنهب، ليس لإغاثـة ملهوف أومساعدة منكوب. يستطيع المتخوف استحضار الكثير من الأمثلة مما يثبت أننا أمام تحد من هذا النوع يكاد يستحيل أن يسودنا النظام الديمقراطي الذي يتحمل فيه الفرد مسؤوليته، كمواطن يحسن الإختيار إذا أتيحت له فرصة الإختيار. منهم من يوعز هذه الأزمة إلى الأمية التي جعلت النضج السياسي منحصراً في النخبة. بينما يتخوف البعض الآخــر من جحيم الـطـائـفـيـة الــنـائـمـة. ثم الإسلامـيـيـن الـمـخـتـلـفـة توجهـاتـهم، من متصوفــيـن ومعتدلين وسلفيـيـن، وتحت كل توجه من هذه تندرج توجهات أخرى متعددة القناعات. ثم اللائـيكـيـيـن الذين لا يريدون على الإطلاق مساهمة الدين في صناعة السياسة. على هذا الأساس يرى المتشائــم أنه لا تصلح لنا إلا قوة الحديد والنار كما هو الحال، على غـرار قول المتنبي: لاتـشـتـري الـعـبـد إلا والـعـصـا معه * إن العـبـيـد لأنجــاس مـنـاكــيـد.

لــكـن إلى أي مدى يُـعـد هذا التصور صحــيّـاً ومعقـــولاً؟ لكونه تصور يتضمن كثيراً من الإهانة للمواطن المغربي؟ المجتمع المتحضر لا يحتاج فيه الناس أن ينظمهم أحد في كثير من المواقف بالعِــصيّ. حيث يحترم الجار جاره وتترك فيه البيوت مفتوحة على مدى أربع وعشريـن ساعـة، والسيارات أمام البيوت مفتوحة أيضاً لا تحتاج لحراسة. نعم لا توجد دولة ليست فيها شبكات الإجرام التي تلعب بالأمن، لكن بلادنا لها وضع خاص فيما يتعلق بالأمن والفساد السياسي والإداري وهكذا. فالموظف الذي يختلس من وقت وجوده في الإدارة، لا يختلف عـن ذلك الناهب للبيوت أثناء الزلزال، أو أثناء وضع سياسي تغيب فيه الشفافية، فوجه الشبه بينهما هو استغلال كل منهما غيابَ العصا الغليظة. فالموظف الغير الأمين يفتقر إلى وعي المواطنة والشعور القوي بالمسؤولية تجاه وظـيـفـتـه، تماماً مثل ذلك الناهب للبيوت عندما تغيب العصا. تصور كيف تصبح مدينة ما في المغرب نــقــيـة عندما يعلن الملكـ عن زيارتها وكيف يحضر الموظفون إلى مكاتبهم في الوقت المحدد كانك في دولة متحضرة، إنها العصا الغليظة التي يحتاج إليها كبار المسؤولين فضلا عن صـغـارهم. بل متاهات لاحد لـبـدايـة خـطها ولا أيـن ينتهي، إلا إذا قطع رأس الفساد واستأصل من جذوره. وهو أمر لم يــبـدأ فيه النقاش الصريح بعد على الساحة. وهذا هو طبع من يعيش تحت ضلال الإسـتـبـداد.

الإنتقال من ثـقـافـة الإستبداد إلى ثـقافة التعددية يمثل فيما يبدو تحديــاً للمجتمعات التي فتحت عيونها على الإستبداد ورضعت ألـبانـه. وهذا يجعلنا في حاجة أكثر فأكثر لحوارات اجتماعية، حول المسكوت عنه حتى وإن كانـت تلك الحوارات مرطونية. ” كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض1 “. الهدف أن يــسفــر الحوار الإجتماعي عن ما ينفع الناس وليس عن ما ينفع الإسلاميين أو العلمانيين او البوذيين. الهدف في هذا السياق هي أن نرسخ في وعـيـنـا فضاء تـعـدديـاً كافياً يشكل صمام الأمان للجـمـيـع. فمن خلال دفاعي عن حـريتكـ أضـمـن بذلك حــريـتـي.

لا مسـؤولية بدون حرية
الإرث الثقيل الذي نتحمله هو: أن الحرية (التي تنبثق عنها المسؤولية) لم تكـن يومـاً عــنصراً حاضراً في التربية ولا في التعليم عندنا، بل كانت ولا تزال هناك العصا الـغـلـيظة بكل أشكالها هي الحاضرة. لوكانت الحرية منذ البداية تشكل العنصر المركزي في تربيتنا سواء في البيت أم في الشارع أم في المدرسة ما تخوفنا اليوم من غياب الإســتـبـداد الذي لا نرى في غيره الأمـن والأمـان و به نحتمي. إذ تم ربط الأمـن بالإستبداد حيث لايمكن فصل الواحد عن الآخــر. حيث يضعنا اليوم الإستبداد أمام خـيارين لا ثالث لهما: إما الإستبداد وإما إن يـذيــق بعضـكـم بـأس بعض. فمن طبائع الإستبداد عند عبد الرحمن الكواكبي أن يفتعل الحروب الأهلية والنعرات الطائــفـيـة يـغـذيـهــا ويوظفها عند الحاجة ليظل الشعب باستمرار في حاجة إلى عـصا المستبد، حيث لا يستقر الأمن إلا في ظلاله. والمستــبَــد به إنسان خانع خاضع لا يصلح لشيء لخموله وكسله، يـنـتـظـر الأوامر الفوقــية دون أن يأخذ المبادرة لـيـبـدع. لأنه تربى على الإصطـياد في الماء العكر، فهو لا يصلح للحرية ولا تصلح له، فإذا ما وجد فجوة من الحرية أساء استعمالها وسـقـط للتو في الرذيلة والإخـتـلاس. هنا يحلو للمستــبـد أن يثبت للرأي العام أن الجرذان لا تصلح لهم إلا العصا الغليظة، إنهم مفسدون في الأرض، ليسوا بتلك الأمة المتحضرة الراقية، بذلك يــسـوِّغ سحق كل من سولته نفسه أن يتحدث عن الحرية، بل يقــر المستـبَــد بهم (الضحية) أنفسهم أننا لـسـنـا في مستوى الحرية وبالتالي لا نحسن تحمل المسؤولية ولا الإختيار. وهذا وعي خطير يجب أن يتغير في وعي المواطن المغربي، لأن الحرية هي الأصل في الإنسان وليس الإستبداد. فالإنسان اسـتعبد بعد ما ولد حراً كما تعلمنا من قول عـمـر. حتى صرنا نخاف من الحرية والتعددية، ونرى التعددية طائفية، والمناظرة السياسية فوضى، والتقاليد البائدة ديـنـاً، والخنوع تواضعاً، والـفـقـر والـتهـمـيش قدراً مقدوراً. بعدما شاهدنا فضائل الحرية عند بقية العالمين، ومطمورة في ثراثــنا أدركنا أن فضيلة الحرية هي الطريق إلى الإبتكار والإبداع والإحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية. ليست هناك حرية دون الوعي الكامل بالتعددية، وأن أكون مقتنعاً بحرية الآخر الذي يخالفني على طول الخط. وأن أقتنع أن الذي يخالفني في القناعة السياسية والدينية له من الكرامة مـثـلي. لأن مساحة الحرية التي تتحرك فيه أنت حي ذاتها التي سيتحــرك فيها اللاديني فدافــع عنها ودافع عن لاديـنـيته.

متى يستغني المــواطــن المغربي عن عــصا المستبد؟
نحتاج لبعض الوقت بالفعل في الوطن العربي على العموم – بعد سقوط الإستبداد وحكم الفرد – لـنـتـدرب أكثر على الحوار وقبول الآخر، لنجعل مكان سقوط الأرواح كلمات. فالحـوار إذا لم يحصل بالكلمات سيحصل بالـقـنـابـل والتفجيرات، والمدرعات. وهو نوع من الحوار الذي يجري في أغلب الأحيان وفي هذه الأيام، يتم بهذا الشكل عندما يعجز الناس أن يتحاوروا بالكلمات. إذ كثيراً ما يحدث الـحـوار بين الأفــراد عـنـدنـا باللـكــمـات مـكـان الكلمات. لهذا علينا أن نختار بين الطريقتين في الحوار. نكون في حاجة إلى الحوار عندما نختلف في الرأي أو المـعـتـقـد وطرق الـتـفـكـيـر وضوابط الــتـكـفـيـر. فـريق يريد الحكم بما أنزل الله، وهو يرى في ذلكــ أن الله لايأمر إلا بحماية معتقد واحد وهو المعتقد الإسلامـي. وفريق آخر قد يكون من أقصى اليسار يرى أن أولئك الملتحيـن وتلك النساء المـحـجـبات والمنقبات مشكلة ينبغي التخلص منها لكونه مظهراً يتناقض مع أصل العلمانية التي هي شرط للـديمقراطية في فهم البعض. لكن عندما يعترف هذا بوجود ذاك، ويقبله على ماهو عليه نكون قد استغنينا عن عصا الإستبداد وتكون مهمة المستبد قد انتهت، ليأخذ جحيمه ويرحل أنى يريد الرحيل.
الحاجة إلى التصور الإسلامي الحقيقي للتعددية
أزعُـــم أن الإسلام – في سياق الحفاظ على الدين في إطار مقاصد الشريعة – يحمى الديانات والمعتقدات والقناعات غير الإسلامية ويختلف معها في الوقت نفسه في أشياء. لكن يخولها الحرية الكامـلـة ليس فقط ليكون لها حق الوجود بل لتبدع، والإبداع لا يتم إلا تحت ظلال الحرية. هناك أسماء لامعة من يهود الأندلس لاتزال أعمالهم مرجعيات أساسية في اللاهوت اليهودي. هناك أطر يهودية ممن حـدثتهم يتحسرون عن زمن الأندلس المعطاء مثل ما يتحسـر المسلمون عن الفردوس المفقود لم يكن أولئكـ سادة الأندلس بل كانوا مواطنين أثناء الوجود العربي.

فعندما يتشكل المجتمع بهذا التنوع العقدي والفكري واللاديـنـي نحتاج آنذاك إلى خلق مسطرة كآلية نضبط من خلالها ما نريد الإتفاق حوله لنضمن من خلالها نقاطاً معينة، محددة غير فضفاضة، نجعلها سارية المفعول داخل مجتمعنا الذي نتعايش فيه. لتستمر المناظرة السياسية على مدار الزمن كثقافة يحتضنها التعليم الإبتدائي والتربية في البيوت، فضلا عن الإعدادي والثانوي والجامعي. على أساس أن تظل الفرصة سانحة لمن يقدم أحسن برنامج سياسي ينصف شرائح المجتمع بأطيافها المتعددة حيث لارئاسة للفرد الواحد والحزب الواحد مدى الحياة كما جاء على لسان الرئيس عندما أدركه الغرق. لكن لا نريدها أثناء الـغـرق بل نريدها ثـقـافـة متجذرة في التربية والتعليم نــتـنـفـسها مـثـل الهواء. آنـذاكـ سنكتشف قوة ثراء الثقافة المغربية، وسر التعددية والتنوع في الخلق. إن التراث لم تُـستخرج بعدُ كنوزه وتبلور في دستور يعكس التعددية والحريات العامة التي يكفلها الإسلام للمواطن الإنــســان، ليؤمن من شاء أن يؤمن، ويـكـفـر من شاء أن يكفـر. فالكرامة، وحق المواطنة، والتعليم والتمريض، لايتم تقسيمها على أساس العقيدة أو اللون أو الجنس أو اللغة، أو المكانة الإجتماعية لفلان وفلان، إنما الأساس في التكريم هو إنسانـيـة الإنـسـان.

الـتعدديـة ثـقـافـة تحتاج إلى ترسيخ
قد يرى البعض أن التعددية نـتـاج غربي لا ينتمي إلى ثقافـتـنـا. الواقع أن لدينا شريحة ليست بالصغيرة لا تقبل الآخر الذي يخالفنا في العقيدة أو الإنتماء الحزبي والقناعة الفكــرية، وهذا ليس خدمة للإسلام بقدر ما هو ضرب في صميم الإسلام الذي يجعل حماية الإنسان من مقاصــده الـغائـية. لهذا يحتاج منا مفهوم التعددية إلى تأصيل في الثقافة العربية والتراث الإسلامي، تأصيل يجعل التعددية والتنوع في الكون والإنسان أمر من اختيار الخالق، من يرفضه إنما يرفض قواعـد حتمـيـة يتوقف عنها إستمرارية الحياة. لوأراد الله أن يخلق الكون على شكل واحد والإنسان على طبيعة واحدة والديانات على نمط واحد لفعل حيث لا يسأل عما يفعل. لكنه خلق الوجود على أساس تنوعي، فالــتـنـوع البيولوجي ضرورة لاستمرار البقاء على هذا الكوكب. فالـواحـد هـو الله وحـده، وما عدا الذات الإلهية يـقـتـضـي منطق العقيدة الإسلامية أن يكون تعددياً لأن صفة الوحدانية خاصة بالله الـخـالـق. لهذا تعتبر التعددية اصلا من أصول المعتقد الإسلامي وجوهره، حيث لا يمكن تـصـور عقيدة إسلامية لا ترى الحياة متعددة الألوان في كل مناحــي الحياة. فالتنوع سنة إلهية لا محيد عنها. هذا في العقيدة التي يقوم عليها أصل الدين، ثم يأتي التشريع الذي يعد الإنسان هو النقطة المركزية في هذا الـوجـود من أجله قامت السموات والأرض وأرسلت الرسل. لكن قراءة التراث بالشكل الذي يبلور الحريات العامة لم تـنـطلق بعد إلا نادراً.

لم تكن التعددية وحدها هي المنطقة الـمهمشة في الإستنباط الفقهي، إنما هي أزمة طالت الخريطة السياسية في الإسلام والإقتصادية والتعليمية، وأحياناً الأخلاقية. وخصوصاً مسألة تداول السلطة التي لم يهمشها الشرع وهمشها الفقهاء، غير مساهمات محدودة لأفراد تم تهميشها على مدار التاريخ لأنها لا تتمشى وسياسة الإستبداد الذي ارتبط بالدين فسهل تصنيف التيار المعارض في المروق عن الدين واحتوى مؤسسة الـفـتـوى. لكن الزمن بدأ يكشف عن أوراق في عمق التراث العربي تبين الـثـقـافـة المعـشــعـشة في العقل العربي. يوم أن يدرك المواطن هويـتـه ويفهم ذاتــه لا يحتاج وقـتـئـذ لمن يقوده مثل نعجة باسم الإسـلام، ولا لمستبد يثبت له أن أمنه واستقراره مرتبطان باسـتـبـداده. التعددية لوحة فنية تتوفر على جميع الألوان التي تعطى للحياة معنىً متجدداً باستمرار.

الدولة الحديثة في الوعي الإسلامي يحكمها النظام وليس الأفــراد
قد يستغرب البعض أن يصعد في مصر لـفـتـرة رئاسية رئـيـسـاً مصرياً مـسـيـحـيـاً يحكم مصر لفترة رئاسية. لأن حماية الإسلام أو المسيحية سوف لا تحصل من رئيس الحكومة أو رئيس الدولة كفرد، مسيحياً كان أو مسلماً، رغم كونه على رأس السلطة الـتـنـفيذية إنما الدستور هو الضامن، والقانون يتكفل بتوفير الحريات العامة على أرض الواقع العملــي. ومؤسسات الدولة المدنية تمارس انشطتها على ضوء الدستور الذي يـنـبـثـق من التعددية. بدأ الإسلام مبكراً يعلم المسلمين هذه النظرية. تأمل معي هذا السيناريو: في غزوة أحد بعد ما شاع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قـتـل، فاختلطت الأمور على بعضهم وكفر من كفر، لأنهم لم يكادوا يستوعبون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن يموت، فاستغل المناوؤون الفرصة وقال المنافقون لو كان نبــياً ما مات وحدثت داخل المسلين ضجة فـتـبـيـن لاحقاً عدم موت النبي لكنه جرح وكســرت رباعيته فـنـزل ضمن ما نزل في هذا الشأن: ” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفـإيْــن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم2 “. رغم ما في الهزيمة من إخفاق، فإن هذه الهزيمة ضمَّــنها الله من الحِــكم الكثير والكثير جداً ومن الأحكام التي ترتبت عن تلك الهزيمة التي ماكـان لهــا أن تمر دون تقـيـيــم وتـشـريع. فكان من دروس هذ الإنكسار أن شخص محمد صلى الله عليه وسلم ليس من الضروري أن يظل بين المسلمين يقودهم إلى أبد الدهر إنـمـا جاء لـيـبـلـغ رسالة ثم يموت كما يموت الناس. ” إنكـ ميت وإنهم ميتون” 3، أهم ما في الأمر أن تستوعب المسلمون ما جاء به كــنـظام وعـقـيـدة. الأهم هو النظام والتعاليم التي جاء بها، وليس الشخص الذي أتى بها رغم ما له من مكانة عند الله الذي اختاره للمهمة الجليلة. لأن الأشخاص تأتي وتمضي، تحضر وتغيب، تصح وتمرض ثم تموت.

فالمدير الـفـاشـل هوالذي يربط كل أنـشـطـة المؤسسة بشخصه، عندما يموت يموت معه النشاط والإنتاج وأخيراً تموت معه المؤسسة. فهو فاشل بكل المقاييس رغم الكثير مما يكون قد حـقـقـه لتلكـ المؤسسـه. لكن المؤسسة الحديثة تربط النشاط بالنظام المعتمد وليس بفرد بهذا تستمر المؤسسة في العطاء بعد رحيل الـمـديــر. وهذا ما تلفت إليه النظر هذه الآية التي تؤسس لدولة (لمؤسسة) حديثة لا لدولة تظل تحت رحمة فرد أو أفراد يتحكمـون في مصيرها ثم يتوارثونها أباً عن جد. ليس في الإسلام ذلـكـ القائد الملهم الذي يخضع له كل شيء ويـفصل في كل مـعضلة. إقامة الـعـدل هو المقصد الأعلى لأن الأمور بمقاصدها، طالما ظل الخليفة – الفرد – دون مسطرة تحاسبه أو تعزلـه إذا جــار. ولم تزل مشكلة تداول السلطة محــل نقاش لم يفصل فيها الفقهاء، بل لم تـطرح للنقاش أصلا في التراث العربي إلا على استحياء. إذ عدم الفصل بين السلط كان وراء كل بلاء. ومهما يكن من أمر فإن الخليفة فرد طالما استبد بالـحـكــم، باستثناء الراشـديـن. رأي الجماعة لا تشقى البلاد به * رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها (حافظ إبراهيم). يبقى النظام الديمقراطي كآلـية هو الطريق الوحيد والرهان الذي يجب أن تسعى إليه شرائح المجتمع بكل أطيافـهـا. إذ هو النظام الذي يحرر السلطة من حكم الأفراد واستبدادهم.

أفــول الـتـعـدديـة في الـغـرب يبحث عن ميلاد جديــد
طالما كانت الـتـعـدديـة في الغرب مثالية لنا، ولا تزال، لكنها تمر اليوم بأزمة خانـقـة. وهي نقطة القوة التي يتحدث بها الغربيون في المحافل الدولية وورقات ضغط تستعمل عندما يحتاج لاستعمالها. لكـنه حديث يصبح يوماً بعد يوم فارغاً من المضمون. سوف لا نكون نحن المسلمين الخاسر الأول في هذا الأفــول. نعــم نـفـقـد في الغرب رويداً رويداً مساحة الحرية الديـنـيـة، لكن الخاسر الأكبر على المدى البعيد هو الغرب نفسه، الذي سيفقد هذه المصداقية. صعود اليمين المتطرف يجري في المجتمع الغربي جـريان الــنار في الهشيم، يركب عليه المغرضون مسخرين الأحداث التي يقدمها لهم من يقومون بالتفجيرات مـثـل الذي قصم ظهورنا في مراكش مؤخراً. لأن مثل هذه الأعمال تعتبر في الغرب هدايـا باهظة تقدم لليمين المتطرف في أوروبا على طبق من ذهب وهو المستفيد الأول والأخير منها. وهذا تحد لنا ولأوروبا التي يضعها هذا الأمر أمام خيارين هما: إلغاء التعددية بالغاء الحرية الدينية، (الإسلامية) باسم الدفاع عـن الأصـول الـعـلـمـانـيـة. الخيار الثاني: إعمال العقل وليس العاطفة في الفصل بين الإسلام والتفجيرات لـحماية الحرية الدينية التي هي نقطة القوة في الدولة الحديثة وليس غيرها.

فالتعددية هي قوة إنطلاق الدفع الحضاري لولاها ما كانت الـثورة الصناعية، ولا النهضة الأوروبية قبلها ولا خرجت أوروبا من عهد الظلام إلى عهد الإبـــداع. ربـيـع الثورة العربية تجاوب مع روح الطبيعة الكونية التي تحدث عنها ابن خلدون. فإذا أفـلـت شمس التعددية في الغرب، ولا أخالها إلا آفـلــة، فـإن المخاض قـائـم لـتـلـد في الوطـن العربي، كاملة غير منقوصة ولا عـرجاء. “وتــلـكـ الأيــام نـداولـهـا بـيـن الـنـاس4”.

خـلاصـة
يجب أن نطورثـقـافـة التعددية من خلال تطويرنا لـثـقـافـة الحوار وقنواته، والمناظرة السياسية، فهي الآليات التي طالما أنتجت السياسة في الدولة الحديثة. فالرسول ألزمه الله سبحانه إلــزاماً بأن يـسـتـشـيـر مع أصحابه رغم تـلـقـيـه للوحي. يرى البعض أن الدولة الإسلامية لا رجوع فيها إلى الشعب – إلى الأمة، ناسياً أن الشعب هو أحد أهم مرجعيات الـتـشـريـع. فالحكم على الوضع فرع عــن تصوره، إننا لا نكاد نصور الوضع بشكل دقيق إلا عن طريق الحوار الإجتماعي مع الأفراد والمؤسسات. ولا يتم ذلك إلا بمشاركة جميع الأطياف في صناعة الـسـيـاسـة. عندما تقرأ الحاضر المغربي فإنك تلاحظ بالفعل ضـيـق الأفق لدى الكثير من الذين يريد كل منهم أن يفرض نموذجه الذي اقتنع به. هذا لا يخص الإسلامـيـيـن وحدهم، إنما حتى من اللبيراليين الحداثيين الذين يهاجمون الإسلامـيـيـن بعنف، وهذا سيشكل أزمة إذا غابت العصا الغليظة قبل أن تـتـرسـخ فينا ثـقـافـة التعددية، فالمجتمعات الديمقراطية التي تربى فيها الفرد على الحرية يتحمل مسؤوليته دون أن تـنـزل فوق رأسه تلك العصا التي إن غابت غابت معها المسؤولية والإنضباط. والتصور الإسلامي في مقاصده العليا ليس له إشكال مع التعددية، لأن التعددية من منطلقات العقيدة. وسوف نخصص لاحـقـاً مقالا خاصاً لحماية الإسلام للتعددية. يبقى السؤال متى يـثـبـت المواطن الواعي للمستبد، أن بإمكانه أن يرحل بعصاه الغليظة؟، وقد شب عمرو عن الطوق. إذ أضحى مواطناً في طريق النضج السياسي والإجتماعي والوعي الـتـعـددي. لأن التنوع الثقافي والديني واللغوي في المغرب ثـراء يستحـق أن نـفـخـر بـه بـعـد سـقـوط الإسـتـبـداد. وهي نـقـطـة قــوة تحـيا بالحرية وتموت بالإستبداد.
والله ولي التوفيق

سعيد أبجطيط 3 يونيو 2011

المملكة الهولاندية. Abajtit@hotmail.com

‫3 تعليقات

  1. AWALDI ANTA ARAK AMKHABA3 AMORA LALAK BEATRIX

    ANTA DAZO 3IDATH TADAHORA WA LIKL9AAAT FI HOLLANDA WAJHAK MA3AMRO BAN. NIDAL YA AGIE MACHI MAKAL RAAY AKHRAJ LE CHARIE3 ABHAL KAYDIRO A3RAYNEK

  2. نعم هذه العقول التي تستحق أن يسمع كلامها وأن تنزل إلى الواقع المعاش لتنور الطريق نحو مستقبل زاهر…
    لا من لايعرف حتى صياغة جملة مفيدة…
    وقد أكل الدهر على أفكاره وشرب….
    تحية نضالية الأخ سعيد مزيدا من المثابرة…
    سننتظر منك المزيد….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *