توقعات في سياق الإنتخابات التشريعية الآنية

غدا الجمعة ستكون بلادنا على موعد مع صناديق الإقتراع مجددا، عبر إنتخابات ستجرى في ظل دستور يقال عنه أنه أول دستور في تاريخ دساتير المملكة، يعكس تطلعات الشعب المغربي وإنتظاراته، ومجسدا لرغبة الدولة في مواكبة التغيير ببلادنا.
وحسب تصريحات مسؤولين كبار في الحكومة فإن الدولة رصدت للإنتخابات الحالية كل إمكانياتها من خلال وضعها كامل الآليات المادية والمعنوية التي من شأنها ضمان سير العملية تبعا لما تقتضيه المنهجية الديمقراطية، كما شددت على أن تكون القوانين المتعلقة بهذا الباب صارمة إلى حد أقصى، توفيرا للمناخ الذي سوف تجد فيه مبادئ من قبيل النزاهة والمصداقية خصوبتها لمرور العملية الإنتخابية في أحسن الظروف، حسب المسؤولين دائما.
وبالفعل فقد بدا لافتا أن السلطة التنفيذية ساهرة على التنظيم الشكلي لهذا الشأن الداخلي العام على قدم وساق، ربما خلافا للإنتخابات السابقة، وهذا ليس إعتباطا، بالنظر إلى ما يعتبره يوم 25 القادم من نونبر الجاري من محك حقيقي بالنسبة للدولة المغربية في ما يخص دستورها الحديث، الذي أوكلت للجنة المنوني صياغة وثيقته، وعليه فإن الإعتقاد السائد عند نخبة معزولة على الأقل هو التوقّع بمطابقة الصيغة الإنتخابية الحالية لنسخة الإستفتاءات السابقة في أبعادها الدلالية والإشارات القوية التي ستلوح بها في الأفق في ظل سياق زمني يعرف فيه الإقليم الجهوي للمغرب منحى مغاير عن المعهود، بحيث أن الجميع يضع في اعتباره أن الإستحقاقات المجيئة ستكون بمثابة (ترمومتر) من شأنه قياس نبض الشارع العام ومستوى الإحتقان فيه، وبالتالي ما ستكشف عنه صناديق الإقتراع، سيكون له بالقطع دور حاسم في التقرير نهائيا وبشكل عملي هذه المرة، في مسار مسألتين إثنتين هما غاية في الأهمية، قد تندرج إحداها في إطار ما ستترجمه على أرض الواقع الأرقام التي ستفرزها الصناديق من معطيات لعل أكثرها أهمية هي تلك التي ستكون مجسدة لمدى تفاعل الشعب المغربي مع التغييرات التي قدمت له في شكل أسمى وثيقة سياسية وقانونية، منذ إندلاع موجة الحراك الشعبي في شوارع المملكة وسواء كان التفاعل سلبا أو إيجابا، ما يجعلنا إذن يوم 25 من هذا الشهر أن نعيش تجربة إستفتاء شعبي آخر للدستور، لأن هذا الأخير ستجّسده الإنتخابات الحالية وقد تشكل المشاركة المكثفة فيها نوعا من التزكية له وتجديد المصادقة عليه، وهذا هو المتوقع حسبما يخضع إليه منطق الأشياء، دونما الأخذ بالإعتبار الإتجاهات التشكيكية التي تضرب كل “النتائج” في صفر سلبي، بحجة أن الأرقام التي تقدم غالبا ما تكون مسيسة.
من غير المعقول أن يصوت تسعة مليون مواطن لصالح الدستور قبل بضعة أشهر خلت، ثم نتصور بعد ذلك أن التسعة مليون مواطن هذه كلها أو نصفها مثلا ترفض اليوم التصويت في إنتخابات تشريعية مرتقب إجراؤها في ظلّ دستور قبلوا ضمنيا العمل تحت ترسانته القانونية، بذريعة أن من صوّت لصالح الدستور ليس بمقدوره الآن الإعتقاد بأن الإنتخابات هذه ستكتسي طابعا تدليسيا وستغيب عنها النزاهة والشفافية، لئلا لماذا صوت أصلا لصالح هذه الوثيقة إذا كانت لا تضمن حتى حقّه السياسي في إنتخابات نزيهة، ولأنه في إعتبارنا كذلك أن القناعة السياسية التي دفعت المواطن إلى التصويت لصالح الدستور يفترض أن تكون هي نفسها القناعة التي سيقرر وفقها التشارك اليوم، لنصبح أمام قناعتين خاضعتين لمنطق واحد. اللهم إذا كان هذا المواطن برأسين إثنين، رأس يحثه على المشاركة في الإستفتاءات لصالح الدستور بدعوى أنه ضامن للتغيير المأمول، ورأس يأمره بمقاطعة الإنتخابات بدعوى أن لا شيء سيتغير، رغم أن المدة الزمنية الفاصلة بين الحدثين وجيزة جدا وليست كافية لظهور بوادر التغيير بعد، إذا سلمنا جدلا أن ثمة تغيير سينبعث في الأفق.
بمعنى أن ما تقرّه عملية التصويت لصالح الدستور الجديد يضع المواطن الذي قام بها في مطّب حالة من اللامنطق في تدبير مواقفه السياسية، إذا عمد هذا الأخير طبعا إلى المقاطعة وعدم الإدلاء بصوته، لأن المنطق الذي قاده يوم الإستفتاء إلى التصويت لصالح الدستور، يملي عليه كذلك يوم الجمعة المقبل قيامه بنفس العملية، وفي هذه الحالة وحدها سيتحقق الإنسجام بين التصرفات السياسية التشاركية للمواطن وفق المنطق الواحد، حتى لا تكون بالصورة المغربية أي نشاز ماثل، أو جملة سياسية إعتراضية لا محل لها من الإعراب.
وبناء على هذا المعطى إذن، سيكون علينا كمتتبعين توّقع أن تسفر الإنتخابات الآنية عن مشاركة مكّثفة ستهلل لها الدولة أكثر من غيرها، لما في ذلك رسائل للعديد من الأطراف الداخلية منها والخارجية، وقد لا يمكننا التكهّن بالنتائج التي ستعلنها وزارة الداخلية، إلا أنه حسب هذا الطرح أعلاه قد نجدنا أوتوماتيكيا ننتظر أنه سيبلغ العدد نفسه الذي عرفه الإستفتاء الماضي، رغم أنه ما يترّدد في الأصداء لا يزكي إطلاقا هذا التوّقع.
هذا من جهة، أما من جهة أخرى سنستعرض بعجالة القضية الثانية التي قلنا أن الإنتخابات هذه سيكون لها دور حاسم فيما يخّص قضية الحراك الإجتماعي بقيادة حركة العشرين من فبراير، إذ لا غرو في القول أن الحركة هذه يفترض أن يخفت بريقها بتدرج نسبي محدود، كما ستنخفض شعبيتها وكذا التعاطف معها، بعد أن تبعث الأرقام في حال بلوغها العدد المفترض، برسالة إلى الفبرايريين مفادها أن الأغلبية الصامتة من الشعب خرجت من عقال صمتها لتدلي بصوتها في إطار واجب وطني عام، وما دام أنها قبلت بالعملية التشاركية في هذا الصدد فذلك معناه أنها تسحب البساط تحت أقدامهم، وكأن لسان حالها يقول أنها ليست في حاجة إلى مُعبّر سياسي يتحدث بإسمها وبالتالي ستشهد الحركة إنكماشا ذاتيا إلى أن يبقى حالها كأي حزب فاقد للشعبية، هذا ما نتوقعه في حال سير الأمور وفق المنطق الذي سارت به الإستفتاءات السابقة.

مشكور أ.بدر
أنا فعلاً ألمس كلّ السّيناريوهات والوضعيات الواردة في هذا المقال.ولكن لم أقرأ المقال قبل الإنتخابات،أنتظر منك مقالةً جديدة عن ما بعد النّتائج و تشكيل الحكومة،بنفس الأسلوب. تحيّاتي