سيدنا آش كتقول

خالد أربعي

– كلام كثير وكبير يقال عن المؤسسة الملكية من جوانب عدة ,فهناك من يتهمها باحتكار السوق الإقتصادية وهناك من رأى أنها تحتكر السلط جميعها ,حتى أصبحت هي الآمر الناهي في كل شيئ ,وهناك من دعاها للتخلي عن أعراف تقليدية لا تليق بملكية تحكم في القرن الواحد والعشرين كطقس الولاء والبيعة مثلاُ الذي أثار جلبة في وسائل الإعلام الوطنية والدولية.

إن مجرد الإمعان الدقيق والقراءة الباطنية التحليلية البسيطة للأشياء ستوحي لنا بأن المؤسسة الملكية لا يمكن بين عشية وضحاها أن تتخلى عن أشياء إن تبد لنا ننبذها ,بل إن الأمر جد معقد وقد يكون مستحيلاً .كيف ذلك ؟.
إذا عدنا إلى كل ما نشر وكتب عن المؤسسة الملكية خاصة في وسائل الإعلام الدولية وتحديداً كتاب “الملك المفترس ” للكاتبان الفرنسيان إريك لوران وكاترين غراسيي ,فإننا نجد أنه يتحدث مثلاُ عن تكلفة الزيارات التي يقوم بها الملك لربوع المملكة فيقول أن عاهل البلاد في زياراته لمدن وقرى البلد يكلف ميزانية الدولة ميزانية ضخمة من أجل فتح مستشفى في منطقة نائية ما يلبث حتى يغلق للأبد ,هذا ما جاء في الكتاب على الرغم من أن هذا الكلام لا يمكن تعميمه على جميع زيارات ملك البلاد طبعاً.فربوع المملكة عرفت أوراشاً كبرى مازالت الساكنة تنتفع بها ,ونتذكر جميعاً الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام الوطنية والدولية عن الميزانية التي تخصص للقصور الملكية ,لحشمها ولسياراتها ولحيوانتها والتي تقدر بالضخمة ولا تخضع لأي تدقيق .ولا غرابة كذلك أن نجد أكبر المشاريع الإقتصادية الناجحة تعود للهولدينغ الملكي ” أونا ” بدءاُ بالتجاري إلى الطاقي مروراً بمجال الإتصالات وصولاً للرياضة ولعلها امتدت لمجالات أخرى أكيد .
ولأن كتاب ” الملك المفترس ” كشف عن خبايا مهمة كاهتمام الملك بمجال الإستثمار والتجارة أكثر من العمل السياسي فإن ذلك يبين بالملموس حرص المؤسسة الملكية على إحاطة نفسها بجدار سميك مقوماته المال والأعمال وما يرتبط بذلك من أشياء سنسردها تباعاُ.

من ينادي بقطيعة المؤسسة الملكية مع المال والأعمال لا يعرف أو يتجاهل بأنه يطالب بشيء مستحيل .فعكس نطام الحسن الثاني الذي أغدق على مصاصي الدماء المال وأغرقهم فيه لإبعادهم عن المجال السياسي الذي أراده لنفسه فقط لاشريك له ,الشيء الذي أفرز لنا ديناصورات ووحوشاً آدمية مازالت لم تنقرض تسيطر على العقار ومجال الأبناك والإستثمار ورهنت رقاب العباد ,فإن ” العهد الجديد ” بقيادة الملك محمد السادس حاول الموازنة بين المجال السياسي والإقتصادي الإستثماري ,فلا هو انسحب من السياسة التنفيذية أي يسود ولا يحكم أي الملكية البرلمانية التي تطالب بها القوى المغربية الحية ولا هو بقي مسيطراً لوحده على المشهد السياسي ,بل أن المغرب عرف ثورة انتخابية أوصلت حزباً اسلامياً ” للسلطة ” لأول مرة ,فبدأنا نرى بنكيران في كل مكان , في الأولى والجزيرة والسويقة وربما حتى في ناشيونال جيوغرافيك غداً.

وبذلك فإن قواعد اللعبة تغيرت وحتمت على الجالس على العرش في ظل انفجار الشارع اقتسام جزء من السلطة مع حكومة يقودها من قال فيهم الملك بالأمس حسب تسريبات ويكيليكس في ثيقة سرية صادرة عن السفارة الأمريكية بالرباط عام 2005، عن الصورة التي يقدم بها الملك محمد السادس إسلاميو بلاده إلى الأمريكيين. واللذين يعتبرهم كلهم، معتدلوهم ومتشددوهم بأنهم ضد أمريكا. جاء ذلك في محضر الاجتماع بين الملك محمد السادس والسيناتور الجمهوري ريشارد لوكار بالقصر الملكي بمدينة تطوان يوم 19 غشت 2005. وكان السناتور الأمريكي قد حضر للإجتماع مع الملك لعقد الوساطة التي قام لإطلاق سراح آخر دفعة من أسرى الحرب من الجنود المغاربة لدى جبهة البوليساريو.
وأثناء الحديث الذي استغرق 40 دقيقة، وكشفت عنه وثائق ويكيليكس، تطرق الجانبان إلى اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي لم تكن بعد قد دخلت حيز التنفيذ. وبدأ الحديث عن الاتفاقية السيناتور لوكار عندما بالقول بأنه يأمل بأن تسير هذه الاتفاقية على المسر الصحيح عند دخولها حيز التنفيذ في يناير 2006. فرد عليه الملك بالقول “الجميع في المغرب في نهاية معجب جدا بإتفاقية التبادل الحر وسعيدا بذلك”.

وعلق السناتور لوكار بأنه كانت لديه فرصة للمشاركة لحضور مائدة مستديرة في وقت سابق من ذلك اليوم بالرباط وكان موضوع النقاش حول اتفاقية التبادل الحر، وبعد أن أشار السيناتور الأمريكي إلى الاهتمام والمناقشة العميقة والحيوية التي لمسها لدى قادة الرأي المغاربة من ذوي النفوذ، استطرد قائلا: “بعض أعضاء البرلمان “(في إشارة إلى عضو حزب العدالة والتنمية لحسن الداودي) كانوا متشككين جدا من اتفاقية التجارة الحرة”. وحسب ما كتب مقرر تلك الجلسة وهو طوماس ريلي، سفير أمريكا آنذاك لدى الرباط، فإن الملك “حذق بعينيه عند ذكر حزب العدالة والتنمية”. قبل أن يقول “لا بد لي أن أقول لك شيئا مهما. عندما نتحدث عن الاسلاميين ، سواء المعتدلين أو المتطرفين، فإنهم جميعا مناهضون للولايات المتحدة”. وأضاف الملك محذرا ضيفه “لا تنخدع، فقط لأنهم يبدون مسالمين وطيبين. إنهم يبدون متعقلين. لكن يتعين على الولايات المتحدة أن لاتكون لديها أوهام بشأنهم. إنهم معادون لأمريكا”.

المشهد السياسي تغير والشارع كذلك تغير والظرفية الحالية ليست هي ظرفية الحسن الثاني حيث كان القمع الحل الأول والأخير للمعارضين آنذاك .والأنظمة العربية آنذاك كانت في أوج قوتها وجبروتها إلى أن حان وقت قطافها ,فسقط فرعون مصر وتبعه هارب تونس ثم فيلسوف ليبيا فطالح اليمن وها هو بشار سوريا ينتظر بشراه ضمن المبشرين بالزوال .

في هذه الأثناء تحرك الشارع المغربي وطالب بإسقاط الفساد والإستبداد وتطهير البلاد من فراعنة المال والسياسة المتجمدة والتي أغرقته في براثن التخلف والإنحطاط ,ولم يطالب بإسقاط النظام الملكي وهذا بإجماع أكثر القوى راديكالية سواء اليسارية أو الإسلامية ,لأن الشعب المغربي مقتنع بأن المؤسسة الملكية بعد الله عز وجل هي ضامن استقرار المغرب وثوابته ,لكنه ? الشعب ? يشعر بأن شيئا ما يحترق منذ أمد بعيد ولم ينطفئ وبدأ يهدد حياته ,فكان لزاما المناداة بتغيير أشياء وأشخاص وإزالة أشياء وأشخاص ومحاسبة كل من ثبت تورطه في الفساد بمختلف تشكيلاته ,وإطلاق سراح آخرين ثبت أنهم كانوا في مواجهة سيادة الفساد .ببساطة كده كما يقول المصريين الشعب أراد حماية النظام ,فكان رد الجالس على العرش سريعاً وأطاح بالنظام وطرح مشروع دستور جديد ودعا لانتخابات برلمانية مبكرة ووضع حداً لحكومة استنفذت كل قواها وماتت ,فكان ما كان ووصل بنكيران ل ” رئاسة الحكومة ” ومن ثم هدأ الشارع نسبياً ,وتم إطلاق سراح وجوه بارزة في المجال الإعلامي والسياسي والديني ,فتنفس الكل الصعداء ونجح النظام الملكي بالرسو بسلام .

الأسئلة التي تطرح ومازالت :هل كان بإمكان ملك البلاد تغيير كل هذا بدون ربيع ديمقراطي مس دول عربية من بينها المغرب ؟ ما الذي جعل الجالس على العرش يحكم بمقاس أبيه حتى أصبح لا يسعنا وخرجنا ننادي بتغيير المقاس , فأي دستور يمكن تشبيبه باللباس فمتى مرت عليه السنون فهو يبقى على مقاسه بينما مرتديه تتغير بنيته ومن ثم كان لزاما أن يغيره,هذا بالضبط ما كان يجب أن يكون أو ربما كنت مخطئاً فلقد تكون اللحظة هي الوقت المناسب .علمونا في الصغر أن الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه وما بال هذا المفهوم لم يعد موجوداً ,أتم تخديرنا إلى أن بعثنا من جديد فمن هنا تبرز الحكمة التي قالها يوماً الداعية الأمريكي المسلم مالكوم إكس ” على المرء أن يحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد “.

هذا بالضبط ما حدث ,فلو لم يحرق البوعزيزي جسده ولو لم يقتل ويسحل العشرات في ميدان التحرير بمصر ولو لم يقتل المئات في بنغازي ولو لم يواجه اليمنيين الجيش بصدور عارية وبطون فارغة ولو لم يقاوم ويقتل منهم الآلاف في سوريا ولو لم يرفس ويقتل في أحيان أخرى شباب في عمر الزهور في بلدنا العزيز ,لما كان هذا التغيير ولا تتفوهوا لي بالتفاهات كالكتلة وتراكمات وأحزاب سياسية ومذكرات ,فأنا لم أعد أغتال لم أعد ذلك المواطن الذي يمشي جنب الحائط ,بل صرت أمشي منتصب القامة في وسط الطريق أهتف بإسقاط الفساد ومن يرعاه.
أنادي بدولة الكل المتعارف عليها إنسانياً وبالديمقراطية المتعارف عليها إنسانياً .كل هذا جعل مني إنساناً لا يصالح بسهولة ,كل ذلك جعل مني إنساناً . هل تغير المغرب بالكلية ,طبعا لا ؟ هل مازال الفساد موجوداً ؟ طبعاً نعم .

إن القناعة التي يجب على المغاربة استيعابها أن المغرب لن يتغير بمجرد تغيير دستور أو انتخابات جديدة أو ” بولحية لايت ” بل يجب أن يكون واعياً أن التغيير ينبع منه أولاً لأن منه الوزير والموظف والطبيب والأستاذ ,لكن أحيانا تأتي عفاريت على حد وصف بنكيران لتتحكم في رقاب العباد والأدهى أنها قريبة قريبة جداً من سلطة القرار.
جلالة الملك إننا نحبك حباً صادقاً ,ونحب بلدنا بلا مأذونية نقل أو صيد أو رمال ولن نتملق إليك أبداً ونحن الفئة الفقيرة المسحوقة ولكنها المؤمنة بهذا الوطن ,ولأننا كذلك فلا يقترن لدينا حب الوطن بالغنى أو الفقر .إننا صادقون القول والفعل أننا نحبك ونريد لك كل الخير فإما أن تكون مع هذا الشعب أو أن تكون معهم .عذراً صاحب الجلالة لن نركع لك لأننا نركع لله الواحد القهار فقط ولكننا في سجودنا في الصلاة وكل جمعة نرفع أكف الضراعة أن يسدد الله خطاكم .
اعلموا يا جلالة الملك أن الشعب المغربي الوفي مستعد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل وطنه وملكه واعلموا أيضاً أن هناك أشخاصاً مستعدين للتضحية بوطنهم وملكهم من أجل مصالحهم فمع من ستكون يا صاحب الجلالة .

اعلم يا جلالة الملك أن النظام يحميه الشعب بمدنييه وعسكرييه ولا يحميه شخص أو اثنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *