صادق في المدينة – الجزء الثاني

بقلم: سعيد صغير
saghir@web.de
“أنراح غرو مراكشي” = “سنذهب إلى المراكشي” يقول الأب. الطبيب المعروف عند سكان الدوار، طبيب يعالج كل الأمراض. مسرحية جديدة تنتظر صادقا فوق خشبة المراكشي، سيلعب فيها دور المريض الآتي من بعيد.
دخل صادق عيادة الطبيب رفقة أبيه، صعد السلم الحجري ليلج غرفة الانتظار. اتخذ مكانا على كرسي شاغر. طال الانتظار فبدأ اللعب داخل الحجرة. أحرجته ملاحظة أحدهم، قائلا للأب: “انبو يو ورخاس شا، اتبان مليح” = “ابنك بخير، الظاهر أنه بصحة وعافية”.
“المريض عند هؤلاء هو من لا يستطيع حراكا ويأتي ممددا على السرير” يقول صادق في نفسه. بعد حين دخل أحدهم في حالة صحية يرثى لها. اتجه مرافقه نحو صادق يسأله هل يمكنه أن يتخلى عن كرسيه لأنه صغير. التصق صادق بالكرسي متمسكا بحقه في الجلوس لأنه بدوره مريض. أثار المريض شفقته لكنه امتنع عن تسليمه الكرسي كي لا يؤكد ادعاء ذلك الغبي الذي قال إن صادق ليس مريضا.
خرج مرافق المريض ليعود محملا بكيس من حلوى مختلف ألوانها وأشكالها. قدمها لصادق مقابل قبوله بالتخلي عن كرسيه. رغم حرص صادق وتشبثه بكرسيه كالحكام العرب، تخلى عنه مقابل الحلوى اللذيذة وشفقة بالمريض.
جاء وقت اللقاء مع الطبيب. دخل صادق مستعدا لتلقي أي سؤال قد يخطر ببال الطبيب. المرة الأولى في حياته، يرى فيها مثل هذا المخلوق في بذلته البيضاء وسماعته المتدلية من عنقه. تظاهر صادق بالعياء والمرض. فحصه الطبيب بسماعته ثم قاس حرارة جسمه ليقول في الأخير: “ابنك بخير يا سيدي، حرارته عادية، ولا شيء يدل على مرض معين لا داعي للقلق”. من حسن الحظ لدى صادق أنه ما زال صغيرا ولا يحتاج إلي شهادة طبية ليدلي بها لدى مشغله.
خرج صادق من عند الطبيب محملا بالحلوى التي حصل عليها كرشوة مقابل التخلي عن كرسيه، كما يتخلى بعض الموظفين والأعيان عن كرامتهم مقابل دراهم معدودات. تراءت له على جانب الطريق سيدة جالسة على الرصيف، بثياب رثة بالية ووجه شاحب. تمد يدها مستعطفة المارة. طفلان صغيران يلعبان بجانبها. تعجب صادق لهذا المنظر الغريب. أسرة كاملة تفترش الرصيف. أثارت حالة الطفلين شفقة صادق فمنحهما قطعتين من الحلوى اللذيذة. اتجه رفقة والده إلى مكان وقوف المركبة العجيبة “هركات” أمام المقهى. تناول صادق أكلة خفيفة وشرب زجاجة عصير، الآن لا داعي للتظاهر بالمرض. ترجل صادق نحو “الهركات” تاركا أباه جالسا مع الرجال في المقهى ينتظرون سائق السيارة. أخرج منديله ثم شرع في مسح الغبار الأحمر الذي يكسو السيارة، سرواله وقميصه نالا حظهما من الغبار. أثنى الكبار على جِده ومبادرته في تلميع صورة المركبة العجيبة، كمحاولة المرشحين للانتخابات تلميع صورتهم بعدما تراكم عليها غبار نقض العهود ونشر الفساد.
تحركت المركبة في اتجاه الدوار. شيء من الحنين في قلب صادق. فرح للقاء أمه العزيزة وكلبه الوفي غزال. تمنى لو كان غزال يفهم لغة البشر، ليحكي له عن الحياة في المدينة الكبيرة وينصحه بعدم الذهاب إليها، لان الكلاب هناك ليس لهم طعام إلا من قمامة، يرمون بالأحجار وإذا كُتب لهم المرض أو العجز يدخلون باب الموت البطيء. سمع صادق خبر الحملة “التطهيرية” التي تذهب الكلاب ضحية لها. ترمى بالرصاص الحي لتجمع جثثها على متن شاحنة ليذهبوا بها في اتجاه مجهول. تساءل صادق مع نفسه: “من يشرد هذه الكلاب” وخاف من أن يطال هذا المصير صديقه الوفي غزال.