صحف بين حرية الرأي وإشهار العري

بقلم : خالد شنحيح

إنها السلطة الرابعة، جرائد أو صحف وطنية إخبارية مكتوبة يومية، تصدر كل صباح بعدد جديد وبحديث الأخبار والأنباء المحلية والإقليمية تحت عناوين عريضة بارزة، وتتغنى بمبادئ الحرية في الرأي والتعبير عنه، وتدافع عن وجهات نظرها وتنتقد وتفسر وتفصل وتخبر وتوضح وتنقل… والقارئ يلتهم في صفحاتها ويغوص في مواضيعها الإستشواقية، وينتظر إصداراتها كل يوم بشغف كبير قد يتحول لدى البعض إدمانا حقيقيا، هي التي أضحت تدنس عملها الأدبي وتعرض نفسها للقارئ في صورة رديئة، عندما ظلت تتخذ المس والخدش في الأخلاق العامة -بصيغة رمزية- وسيلة لكسب القارئ واستدمانه على صفحاتها الشنيعة الماجنة التي تباغته بنشر صور يستحيي المرء من وصفها، صور غالبا ما تخصصها -هذه الجرائد التي ذكرناها بصيغة النكرة نظرا لكونها جزءا من الكل وليس الكل- في صفحاتها الخلفية على خلاف ما تنشره في الواجهة وهو ما يحدث فيها تناقضا واضحا، فكيف بجريدة إخبارية وطنية أن تتخذ من صور لا أخلاقية غرضا تجاريا وتسويقيا لها؟

ما زلنا لم نوضح شيئا في موضوعنا، فقد تتداخل عليك الأفكار متضاربة فيما بينها وأنت تتطلع على هذا الصنف من العمل الصحفي، الذي انزاح عن خصائص وضوابط مهنية الصحافة المحافظة، ومن خلال الإشكالية الأخيرة التي طرحناها سنلج في موضوعنا لنقف عند حقيقة عمل هذه الصحف، فقد استنفرنا واستغربنا إلى أبعد الدرجات ما ظللنا نشاهده على صفحات بعض الجرائد المغربية -التي كنا نقبل على قراءتها- من صور شبه عارية لفنانات ومغنيات وراقصات ومطربات وممثلات عاهرات وعارضات أزياء عربيات وأجنبيات وهن كاسيات عاريات مائلات مميلات في جلستهن ووقفتهن وحركاتهن أمام (الكاميرا) اللآئي قال فيهن الإسلام لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، أولائك اللاواتي يظهرن مفاتينهن المزيفة لإغراء الأعين الضعيفة، وإذا استشكلتهن عن دواعي عملهن الإباحي الشنيع وممارساتهن التي تخدش وتخمش الحياء العام أجبت بلا شك ولا ريب بدعوى مواكبة التحضر والعصرنة بحرية التصرف الشخصي وباسم الفن الذي يسعين به إلى كسب الجمهور والعشاق والمحبين حسب قناعتهن، فنحن لا يهمنا شأنهن ما دمن محصورات على الهامش الدنيئ في المجتمع، المهم في موضوعنا هو الغريب في تلك المبادرة التي تعمل بها الصحف المذكورة لتنقل صورهن وتعرضها على صفحاتها في إطارات واسعة وواضحة تحمل عناوين باهتة مختصرة مما يعزز فرضية غرضها القوي في إيصال الصورة واهتمامها بها أكثر مما تفعله بتعريفها، وغالبا ما تلتقط هذه الصور للمذكورات وهن يصورن أفلاما أو مسلسلات أو فيديوهات كليب أو في (بلاطو) إذاعي، وتحرص الجريدة على نسخ العديمة الأخلاق ذات المواقف الساخنة منها ثم تهوي عليها لتنقلها إلى قرائها بلا حشمة ولا حتى وقار، وإن نهض مناهض ليتحدث عنها ويفضحها مع عملها الشنيع تثور عليه سخطا وتحمله على إشاعات التحريض عليها وما شابه القبيل احتكاما إلى القواعد العصرية التي تتيح لها حرية فصل الدين عن الحياة، فنحن ما زلنا لا ندري ما الأصل الصحيح في هذا الاتجاه، أوليس الدين أخلاقا ومناقب فاضلة وغيرة وحياء ووقارا، أولم تذهب الأمم إن ذهبت أخلاقهم، كما قال أمير الشعراء شوقي:
“وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت == فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا”….؟؟؟؟

إن اتحاذ مثل هذه الصحف من الصور الساقطة المسقوطة الماجنة المشلحة اعتمادا خاصا، يعود إلى الدور الذي تلعبه الصورة في نقل الحدث ولما لها من أبعاد تعبيرية، فلم تجد الأفضل من تسخير مفاتين المرأة كمينا لإغراء القراء الضعفاء البسطاء، فقد تجد الكثير منهم يستغنون عن قراءة الكتابة بمجرد مشاهدتهم الصورة فيما آخرون يهتمون بالتحرير أكثر من الصورة، فربما نظرة أو نظرتين تكفيهم لتعزيز الخبر، وسياسة تخصيص الصور العارية الفاتنة الفتنة المفتونة في الجريدة ربما تحسم في هذا التناقض الحاصل بين صنفي القراء حسب المسعى الخاص للجرائد التي تعمل بها.

فليس لائقا بالبتة في دولة إسلامية بجريدة إخبارية ذات انتماء ديني لدولتها أن تجعل تسويق العري عملا صحفيا مستفلحا، وتظل في أعدادها كل يوم تبحث عن جديده في العالم ثم تنسخه على صفحاتها الخاصة به إلى المواطنين القراء لغرض كسب دراهم معدودة، فالصحافة فن من الفنون الأدبية ومصداقية ورأي حر مستقل نقي نظيف ومبدئي أخلاقي أدبي، له مسعيان أحدهما مادي يتمثل في التجارة وآخر معنوي يتحقف في النضال بالقلم على مختلف المجالات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والدينية والرياضية والثقافية… التي تهم الشأن العام، وليس يدا مصفقة للانحلال الأخلاقي والجهر به ونشره وتوسيعه وترويجه في الأمة. وإذا كنا نحن قد عبرنا عن همنا في هذا الأمر فليس إلا غيرة عن صحافتنا التي تطيح من سيادتها وسمعتها.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *