قراءة : في المسار الاقتصادي والسياسي و الثقافي لقبيلة أيث وريشش ج 1

سعيد الفراد Said_yoba@hotmail.com
تتمثل مضماين هذه الورقة من البحث في حلقة تزامنية تحصر متغيرات الحقول الثلاثة في فترة ممتدة من الثمانينيات إلى غاية أواخر التسعينيات ليس أكثر. و هي محاولة أرشفة حيثيات أوضاع هذه المرحلة ومناقشتها مناقشة جدية بعيدا عن أي نزوع إيديولوجي أو قبلي.
منوغرافية

تتوفر قبيلة آيت وريشش على أربعة جماعات مختلفة : جماعة بن طيب ? جماعة مهاجر- جماعة تليليت ? جماعة وردانة،
تنهل كل واحدة منهلها باستقلالية عن الأخرى، في تسيير شؤون المواطنين، وتتربع على عرش مساحة جغرافية يبلغ مداها 211 كلم تمتد من أنوال شمالا، إلى دار الكبداني جنوبا، ومن الدريوش شرقا إلى تفرسيت غربا، وتتخللها أربعة طرق رئيسية تؤدي كل واحدة منهاعلى حدة الى المناطق المذكورة، وهي بهذا الشكل تعد محورا يصل بين القبائل الريفية التالية :
– تمسمان/ آيت سعيد/تفرسيت/آيت توزين/ مطالسة.
يرتكز شكل تموقها الجغرافي على قاعدة تضاريسية صلبة وواسعة المدى، تتوزع ما بين سلسلة جبلية شاهقة، تنبطح في ظل محرسها ثلاثة سهول متباعدة منها: سهل ?يارت? الفسيح الشبيه “بآيارواو” حيث هي قائمة حاليا بن طيب وسهل “تمريست” مقرون بأغبار?تطل عليه من الشرق هضاب ?حراوث? نحو ?إوارذانن?وجبال إهراوين الصخرية اللامتناهية في الغورجنوبا، إلى الغرب جبل?تارغنت?الشامخ وجبل ?أحروذ? الذي يمر عبره في مأمن بعض المهربين الذين يستقدمون الكيف والتبغ والحشيش على متن البغال من منطقة ?جبالة? مشيا على الأقدام، متجهين صوب أماكن خاصة في الفيافي لحط الرحال، وتسليم البضاعة لأصحابها او لمشتريها بجماعة مهاجر .
معطيات هيدرولوجية:

على مستوى الري نجد جل المناطق القروية في أيث وريشش، كانت إلى حدود 1996تعرف غنى في مصادر المياه، التي هي في مجملها عبارة عن ينابيع، وعيون، وبرك. إلا أن الإستغلال العشوائي الغير المعقلن لتلك الموارد المائية، في غياب واضح لخدمات تقنية تمنح من طرف الدولة للفلاح، حال دون بقائها وبقاء إفرازات الجودة الإنتاجية في الأرض، مع انخفاض معدل المياه الجوفية للفرشاة إلى مستويات ضعيفة، وأيضا مع غياب القنوات التي يسقي بها الفلاحون ضيعاتهم ومزروعاتهم الفلاحية، إننا في هذا الحكم نصب المناطق التالية على سبيل المثال : مهاجر -لعسارة ? إورذانن
فيما نستثني ?أغبار?-? وأنوال? من ذلك، بحيث أن االمنطقتين إلى الآن لازالتا تتوفران على فرشاة مائية وفيرة، مع التأكيد بأن ?أغبار? كانت المصدر الرئيسي لتزويد مركز? بن طيب? بالماء الشروب قبل أن يتم استقدامه من ملوية وإدخاله للسكان في الأونة الأخيرة لسنة 2004.
معطيات مناخية:
المناخ في الصيف يكون معتدل الحرارة الى حار في السهول والسفوح مقارنة مع المناطق الأخرى وفي الشتاء تصبح المناطق القروية والمرتفعات أكثر علوا في درجة البرودة على مستوى الجبال وخاصة منطقة لعسارة ممتدة من أنوال نحو غرب منطقة امهاجر إلى جنوب الجبال العالية التي تحدها منطقة ? تازاغين? على السواحل تنمتمي الى آيت تسعيد.
معطيات سكانية:
ابتداء من مرحلة التسعينات أخذت أيث وريشش، تعرف نموا ديموغرافيا كثيفا وصلت نسبته ما يقارب معدل37205 نسمة إجمالا حسب إحصائيات2004 ونسجل 10446في العالم الحضري 26759في الهامش وهو ما يؤكد هيمنة الطابع القروي للقبيلة.
وتجنح هذه الكثافة العمرانية بشكل خاص إلى بن طيب، القلب النابض حديثا ?لآيث وريشش? وبإلقاء نظرة على طلبات الرخص المقدمة إلى الجماعة المحلية في سنتي 1994-1995نجدهامحددة ما بين :
90إلى 95 طلب وهذه الأرقام كافية لإيضاح وتيرة التسارع العمراني بالمنطقة، بالمقارنة مع الفترات الأخرى التي شهدت كسودا شبه تام وأخص بالذكر هنا :
سنة1990التي شهدت 37طلبا
سنة 1992سجلت 25طلبا
ناهيك، عن أن جزء كبير فيها من المنازل بنيت بدون رخص، و ذاك جانب آخر ينبغي له أن يحظى باستطلاع خاص في اهتمام خاص .
– ظاهرة الهجرة القروية:
يعزى هذا الجنوح الذي دوت أولى بوادره انطلاقا من التسعينات، مع انتشار الكهرباء في الأحياء الهامشية، إلى الهجرة القروية: إذ انه أخذ أهالي القرى النائية المجاورة (لعسارة- سوق ارحد- توارذا) يندفعون بقوة إلى بن طيب بحثا عن وسط بيئي آمن، يحتوي بعض الشروط الاجتماعية والاقتصادية ، التي قد تنعش استقرارها، وتِؤهل قدراتها المادية، بعدما لم يجدو لذلك أية وقع في الأماكن التي ارتادوها مسبقا، في ظل غياب ابسط الضرورات الحيوية كالماء الصالح للشرب/ والكهرباء/ والمدارس والمسالك والمواصلات الضيقة و الوعرة، التي بات من الواضح أن تتغير ولن تبقى كما كانت معهودة من قبل، أمام الإكراهات الجديدة التي اكتست طبيعة النشاط الفلاحي الذي اكتسب خاصية جديدة أصبحت لا محالة تتوقف على ضرورة استعمال الأدوات العصرية ، كآلة الحصاد والجرار في الحرث وفي جمع المحصول، بدلا من المحراث والدواب وغير ذلك من الوسائل التقليدية التي كانت تسخر أثناء مزاولة الفلاحة إلى أمس قريب. ضف إلى ما سبق ذكره غياب المرافق الصحية : كمراكز الولادة والمستوصفات، وإن كانت موجودة فهي شكلية خالية من أجهزة التطبيب، و عديمة الجدوى في تقديم الخدمات الصحية للسكان:
فمن حين لآخر يمرض طفل أو عجوز أو يشد الم الولادة طوقه على امرأة حبلى ?جرت العادة حينها أنه لايعثرأي منهم على الدواء أو على طبيب معالج في الحالات الطارئة التي تستدعي تدخلا فوريا من أجل الإنقاذ، وكون أغلبهم بسطاء ينحدرون من أسر متوسطة الدخل أو فقيرة، لا يجدون بلسما يغالبون به لوعة الألم، إلا بالخضوع للممرضة التي تقوم مقام الطبيب داخل (المستوصف) في تقديم يد المساعدة للمرضى، وإسعافهم بإمكانيات قاصرة إلى أبعد حد. وهو ما أدى في بعض الأحيان ببعض النساء الحاملات إلى إلقاء حتفهن، بدلا من دفع كلفة النقل الناهضة عبر استئجار سيارة ذهابا وإيابا حتى الناطور. وما يميز ظاهرة الهجرة القروية تلك، في شق الخيارالذي عانقه الأهالي أمام طبول صعاب العيش، عدم الاتجاه إلى البحث عن الإستقرا خارج المجال الجغرافي لقبيلة “آيث وريشش” باستثناء أوروبا، على عكس بعض القبائل الريفية الأخرى مثل تمسمان التي يتجه قاطنيها نحو الحسيمة، وآيث توزين التي يتجه سكانها نحو كل من الحسيمة والناظور وتفرسيت إلى تطوان. والدال على أن الهجرة القروية تتسم بالحركة الداخلية، إننا نسجل نسبة نمو ديموغرافي في المجال الحضاري في ضوء الإحصائيات، محددة في 1، 7 وفيما يتعلق بالمجال القروي :أنموذجا نسجل كمية أقل مهاجر 2، 4 وتليليت5، 1 وهاته النسب من المعطيات، تفسر مدى التقلبات لإنعكاسية التي أصابت كيان المناطق القروية بفقر بنيوي جامح في القوى المادية والمعنوية، بحيث تشكلت من مصلها فوريا، قاعدة المجال الحضاري لبن طيب بوتيرة سريعة ودون مقدمات لها امتداد تاريخي.
ومهما يكن من أمر هذه العوامل التي ساهمت في بروز ظاهرة الهجرة القروية، فإنه ثمة إكراهات أخرى أدهى وأخطر، كان لها قسط إلحاحها على الفلاحين في اختيار سبيل المغادرة من البادية إلى المدينة، بعد أن استنزفوا صمودهم الممتد إلى أطول المراحل توددا نحو العيش الكريم في الكنف الحصين للقرية: فعزة النفس لدى الريفيين عامة، وحبهم الكبير للأرض كما هومتعارف ولقاطني ? آيت وريشش? خاصة، لم تكن لتجعل من المستساغ لهم أن يتركوا، معقلهم بسهولة قصد ولوج المجال الحضاري المحفوف بالصعاب، والعوائق اليومية التي تعكر صفو حياة المجتمع هناك، بلفظ المزيد من الإحتياجات أمام الأفراد والفئات، على كثرة ما يعرض في السوق من منتوجات أجنبية تخترق الحدود بالمساومة وبالإغراء الضنك، فترى بشكل فظيع كيف أن البئيس منهم يسلم رقبته للوثة الكأد، تضحية بالغال والنفيس، من أجل تلبية هاته الحاجيات، ليكون قد أدى الواجب المنوط به ونال مقامات الرضى العقلي والنفسي، تلقاء ذاته/ والمجتمع من جهة .
أما في البادية فعلى عكس ذلك تماما ولو أخذنا بعين الاعتبار بأنه يسعهم ترف ذلك الهدوء الممزوج بسكن الروح والنفس مع الدخل الهزيل من المردودية الفلاحية رغم كونها هي المؤخرة الأضعف في سلسلة الإنتاج، وهذا سر غامض امتد لقرون لدى الريفيين، ينكشف لنا ضمنيا من خلال إشارات سيكولوجية تعقد منطلقها باللاشعور الجمعي، بأن إرادة الريفيين تجاه الأرض ليست سعيا نحو تجسيد ارتباط وثيق بالأرض، كمكان يدرك فيه بالزمان حيثيات وجوده بشكل طبيعي، لإنتاج حصانة بيئية ترعى انتماءه الجغرافي فقط، بل حتى لبلورة صورة معنوية مشكلة بأوصاف وملامح ثقافية، تعنى بهذه الكينونة الممتزجة من جهة أخرى:
ولنا في هذا الاتجاه مهمة الإستشارة بأكثر الأمثلة دلالة على هذا الطرح، من قبيل أن نجد أحدهم يصر على بيع أراضي السهول، ويقصي الأراضي الموجودة في صياصي الجبال، خشية تعريض حدودها للتلف، الذي قد يأتيها من كثرة خرقها بالسبل التي تخلفها خطى المارين بالسيارات والسابلة: إنه ثمة شي جوهري يريد حقا القول بأن الأراضي النائية في مأمن من ذلك بدرجة كبيرة، وفي نفس الإطار فقد سبق لعدد من سكان الجبال بالريف أن قاموا باجتثاث أشجار الزيتون التي خلفها الإستعمار الإسباني، في أعقاب رحيله من الريف: إنه ثمة تعلق جذري بالمكان في خضم حماية الهوية الفردية من الطمس على ظهر زيارتها في كل مرة، وإحالة المخاطب إليها في تشدق أثناء المذاكرة، أو حرثها من حين لآخر، ابتغاء صدى معنوياتها لا ابتغاء اتخاذها كمورد للاسترزاق بشأن الإستجابة للحاجيات اليومية بشكل رئيسي، كما تبرهن على ذلك أيضا الأعلام الجغرافية وأسماء المداشير التي حصل لها تكرار لافت للإنتباه إبان الإنتقال من الجبل إلى السهل من المجال القروي إلى المجال الحضري.
نعود إلى سياق الموضوع، إذن قلنا بأنه تحت وقع العوامل التي أسفرت عن فرز ظاهرة الهجرة القروية، نسجل أن قليلون أولائك الذين باعوا أراضيهم، التي كانت نفيسة في وقت ما، بما فيها من ثراء نباتي (أشجارالزيتون ?أشجار الفواكه) بأبخس الأثمان، لكبار ملاكي الأرض الذين غادروا مبكرا، وكذا بعض الذين كانت لديهم مناعة قوية في مواصلة العيش هناك، تحت وقع ثقل التكلفة وضعف مردودية المحاصيل الزراعية.
التغيرات البنيوية :
أحدثت مسألة إدخال الكهرباء إلى الأحياء الهامشية في بن طيب? سنة 1994 نوعا من التحفيز لسكان القرى المجاورة في الهجرة بعدما قلت التساقطات المطرية شيئا ما، بحيث اخذ العديد من أبناء تلك القرى على اختلاف أعمارهم وأجناسهم، يقبلون الواحد تلو الآخر عائلات إلى بن طيب من أجل السكن بها وكسب قوتهم اليومي عبر مزاولة العمل اليدوي، في مختلف الحرف والتجارة في المحلات والأسواق.
وإلى ذلك ستظهر تجليات لتفاقم حرفة تهريب السلع الإسبانية من مليلية، التي كانت تناطح السحاب في مناطق أخرى من الريف، وما يمكن أن يقال عن تهريب السلع من مليلية يمكن أن يقال كذلك عن آفة المخدرات التي برزت كنمط عيش جديد لدى جزء من السكان بعد أن أخذت معضلة تزوير السيارات تستفحل وتزدهر خلال هذه الفترة بالذات بل الأكثرمن ذلك غدت تطلعا واضحا لمعظم الشباب، وحيث أن المنطقة قريبة من شواطئ البحر ألأبيض المتوسط التي تنعدم بها قوات أمنية فاعلة على ضفافها، تتولى مهمة الصهر على رصد المهاجرين السريين ومصدري المخدرات نحو إسبانيا، شجع كثيرا في تواتر هذه المعضلة داخل ربوع القبيلة يوما عن يوم سنة بعد سنة، إلى أن ظهرت بارونات عملاقة من هناك في تجارة المخدرات العالمية، داع صيتها بين الناس بأنها لوبيات شاذة ترعى التخريب والهشاشة للمحيط وأبناء المنطقة، إلا أن الأغلبية الساحقة منهم لم يكن لديه وازع ضمير حي يفضي إلى رفع أصابع الاتهام في وجه تلك البارونات، من خلال النظر إليها بنظرة إستئصالية ترمي إلي رفض اختياراتها السيئة في العيش بشكل صريح، بل إن السلطة المادية (الأرستقراطية) لأباطر المخدرات عينت فيهم صورة القبول وأعادت نقش أساليب الود في نفوسهم، مع توالي المساعدات الرمزية والمادية، التي كانوا يقدمونها للشباب من أجل الهجرة إلى أوروبا، على متن قوارب يمتلكونها وتسخر لنفس الغاية المشئومة، حاملين مخدر الشيرا وأيضا مع توالي فرص العمل الممنوحة لبعض المحظوظين بخصوص العمل معهم في نفس الحرفة (?) وهو ما ترك في نفوس الناس بعض الاطمئنان اللاشعوري المزدوج، مع التأكيد بأن هذا لا ينفي تماما وجود القليل من بصيص الاستهجان والتشنج ضمنيا داخل قرارة نفوسهم (أي العامة)، وهو طبعا حسب تقديرنا لايستمد قوته من وعي يتوقع ما ستؤول إليه الأوضاع الاجتماعية على المدى القريب، أو البعيد، إن استمر الحال على نفس النهج، بل يستمدها من المنبهات (الأعراف الدينية والتقاليد) التي كانت لازالت في أوج قوة تأثيرها على الناس استنادا إلى الظرفية الآنية المطبوعة بموجة الهجرة من المجال القروي، إلى المجال الحضري، والتي كانت فيها النواميس الأخلاقية العامة للقرية لم تضمحل بعد من الأذهان، بل ضلت تمارس الردع اللاشعوري باستمرار، رغم الأثر الجديد للتمدن المنفلت عن أرضيته، إذ لو أن العكس هو الدافع المخيم (أي الوعي) لما وقفت الحيلولة دون شعور الناس بالخطر الذي يداهمهم ألا وهو : أطنان حشيش الشيرا التي كانت تطرح للبيع في متناول الشباب والتي لم تعد موجهة إلى أوروبا فحسب، بل أيضا للمنطقة سعيا وراء ضرب عصفورين بحجرة واحدة، إمعانا في رغبة تعزيز
المكانة الاقتصادية بين نظرائهم، فالمكانة الرفيعة للطبقة البورجوازية كما هو معروف تقتضي حرصا كبيرا على صيانة المال، لئلا تقع في فخ المضاربات المصاحب لنشاطاتهم: فهو مستند منغمس ?في ظروف الحياة المادية والمصالح المتضاربة داخلها، فهي تعبير وانعكاس وتصعيد?? (1) يتجه نحو خلق انهيار في قوة النمو السليم للمجتمع المحلي، دون إيلاء أدنى اعتبار لخطر ذلك العمل المشين في دس السموم للمجتمع. ومع هذا وذاك، عقب كل استعداد لإحتضان حدث رسمي، لم تتورع شريحة واسعة من المواطنون في الوقوف بجانب هؤلاء (وحدانيوا السلطة بتعبير ابن رشد) حتى في أقصى الظروف الصعبة للانتخابات بعد أن أقحم بعض الأباطرة الجدد أنفسهم في التمثيلية السياسية للمواطنين، عبر الترشيح للانتخابات كمنافسين إزاء الذين لديهم اقدمية موغلة في ذلك، وترتبت على إثره صدامات قوية جسدت حرب ضروس شعواء بين أنصار القدماء والجدد، وصلت شراستها حد إقامة التربصات والمطاردات والتقتيل بالأسلحة النارية، وهو ما أشر لحلول كارثة سياسية بالمنطقة لم تحمد عقباها لدى السلطات العليا المعنية بالأمر، مما استدعى تدخلها بشكل فوري لمنع وإزاحة احد المرشحين للبرلمان (?) ونقيس حرارة ذلك التجاوب الذي أبدته فئة من المواطنين تجاه منتخبيها بمدى تكافؤ أصواتهم مع أصوات هؤلاء الراغبين في فرض نفوسهم بالحديد والنار كما يحكي بعض العيان
الذين تابعوا أطوار تلك الأحداث عن تماس، ولتجدن في الظاهرة الاحتجاجية المنظمة من طرف المواطن من أجل المطالبة بإعادة احد المنتخبين إلى لمنصبه كرئيس جماعة أوضح مثال على ديماغوجية المجتمع في تقدير أي الخيارات انسب للعلاج في تلك الأثناء: بحيث أن حشودا كثيرة من الناس شكلت مسيرة في غاية القوة، انطلقت من بن طيب مشيا على الأقدام ورافقت السيارات والشاحنات مسير الخطى إلي غاية الدريوش، بل إن هناك من يصر على الجزم بأنها وصلت مشارف ?سفسا? هاتفين ومرددين شعارات رافضة لقرار السلطة ومؤيدة لناخبهم.
ولنا بعد ذلك أن نتصور كيف استطاع هؤلاء التفاعل سلبا مع متطلبات الأداء العام ، والتمكن من الهيمنة على قبيلة آيث وريشش بأسرها سياسيا واقتصاديا، والتلاعب بحصيلة المشاريع الممنوحة لها، في إطار الغطرسة الحزبية المتحايلة على المواطنين، والتحكم بشكل مباشر في تقرير مصيرها، علاوة على جعل العنصر البشري فيها رعايا لهم يرهنون قدسية شرفهم بأبخس الأثمان في المناسبات الرسمية وغير الرسمية وأثناء الانتخابات، كلما سنحت لهم الفرصة في ابتزاز شريحة المواطنين السذج، الذين لا حول ولا قوة لهم إلا أن ينصاعوا ويأتمروا بأوامرهم لإحراز قيمة سلطوية تساهم في تحقيق الذات، والنيل من واقع الإنحطاط المعيشي العقيم… وهلموا بنا جرا من تلك الآفات الى إذكاء التناحرات العائلية والنعرة القبلية، الشيء الذي أفضى إلى إتخاذهم من طرف تلك البارونات آلة حادة لإعاقة أعدائهم تحت دافع تصفية الحسابات على حساب الآخرين.
وعندما يكون الضحية إبن الجلدة بتقديمه كقربان لتحقيق الثأر، يصير الأمر أسوء بكثير مما هو عليه، ويشترط الحال عندئذ يقظة حقيقية تجاه ما يجري من نكبات، تطيح بقوام المجتمع شيئا فشيئا وبالتالي إستجماع للقوى التي تنبني على الحس المشترك للمجتمع ، بنبغي أن يكون في الحال للقيام بعملية مجابهة المستهترين والمتلاعبين، لكن لاهذا ولا ذاك حدث من طرف العامة على الصعيد المحلي، بل ظل الركود والكبت هو المستعان عملا بالمبدأ العرفي لدى المستبدين (ون أمي وا إعجيب رحار يازا ثاغماث) لكن لا ركن جدار تكسر، اللهم إذا كانت ضلوع المستضعفين هي المستهدفة من ذلك تحت طائلة تصفية الحسابات، فمن المؤشرات التي جادت به مصادرنا في ذات المضمار على سبيل المثال لا للحصر ان شقيق احد الناخبين إبان فترة الانتخابات الجماعية في بداية التسعينات، بينما هو يحاول تجنيد الناس في حملة انتخابية للتصويت على شقيقه رفقة أعوان آخرون تعرض لملاحقة عويصة عن سبق وترصد، من طرف عصابة تعمل لحساب منافس آخر، نال على يدها وبالا قاصما من العذاب والتنكيل، مما أودى إلى نقله نحو المستعجلات فور العثور عليه من طرف الناس يحتضر، فيما أثارت هذه الحادثة اهتمام بعض المنابر الإعلامية التي نشرت تعليقات وصور للضحية، هذا وعقب الانتخابات مباشرة لم يتوانى الخصمين عن إقامة صفقة صلح، ختامها مسك مناسبة احتفالية باذخة أعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية، كأن شيء لم يحدث أنست والكل ما فات على إيقاع
وشائج جديدة نمطيتها اللاتنافر بين أطراف الطبقة العلوية، ولم تتوقف هذه الممارسات الخسيسة حد هذه الفترة، بل تجاوزت سيولتها ذلك وتكررت في كثير من الأحيان، بصورة أبشع داخل سيناريوهات حملات انتخابية سابقة لأوانها تخللتها استغلال مكونات أخرى من الشرائح الاجتماعية غير السواد الأعظم من الناس :
كالمثقفين والمعطلين من حملة الشواهد الأكاديمية، عبر حثهم نحو تـأسيس إطارات جمعوية، ادعت في البداية الصلاح العام، لكن اتضح فيما بعد أنها تعمل لصالح النخبة السياسية المكونة عناصرها من أغلب الأطراف المشبوهة، والمكون الديني أيضا لم يسلم مما لحق الأخريات، إذا علمنا أن بيوت الله أصبحت مرتعا خصب يلتقم منه بعض الانتهازيين إمكانيات ترسيخ سياسة أحزابهم وتخصيب نفوذها داخل المنطقة، بذريعة إحياء مناسبات دينية: كعيد المولد النبوي أو ما إلى ذلك على نحوما هو معهود في أساليب تسخير الدين لأغراض سياسية على الصعيد الوطني، وإذا أمكن وضع مقارنة في هذا الإطار مع السائد الذي تتوقف ميكانيزمات عمله على شحن التصورات الإيديولوجية بدعامات دينية نجد سمة أخرى لهذا الإستغلال اذ نستنتج ما مفاده:
أن هذا الذي نحن بصدده يكشف عن مضمون سلبي للغاية، يحيل بشكل جذري إلى إثارة شراهة الجمود في أقصى تمظهراته، قوامها نسيان كل ما له صلة بأن ينبذ عقليا وبضمير سوسيولوجي عفوي، يدافع عن قيم الشعور بوحدة المصير، ذلك بدافع غريزي يستثمر مكامن فقر ذات الغوغاء إلى لذة الترف كما نرى نحن ..إذ في كل مرة تقام ولائم في المساجد بمال الحرام ويتم دعوة الناس والفقهاء لحظور العشاء والإقتيات على ما لذ وطاب، حتى بات هذا التقليد شبه سنوي.
ولولا حملة التطهير التي شنتها السلطة سنة 1996 على تجار القنب الهندي والتي طالت معظم الذين كانوا يتواجدون بالمنطقة، لكانت الكارثة قد وصلت عز جبروتها، ولفاقت الوصف استنادا الى ما كان يتوقع ان يترتب عن ذلك من مشاكل كبيرة، قد تحدث في أية لحظة، مع استمرار هؤلاء في الإستبداد وقيادة التوجه العام، حيث يروق لهم الحال، وقد وقع بعضها وبعثرت شظاياها على الأخضر واليابس، فيما ضلت الأخرى تتمخض للإنفجار، فمسألة بروز ظاهرة الإجرام والقتل وتنامي آفة بيع الكوكايين والإنتحار، لا تخرج عن هذا السياق: إذ أن آفة تلد أخرى وتنفخ فيها روح الإنتعاش ..فأصاب ما أصاب القبيلة جراء ذلك من الوهن والانحطاط، والخراب المادي والمعنوي على أكثر من مستوى وصعيد .
وبهذا كله لسنا نلقي باللائمة على المنتخبون وحدهم ونحملهم ما ليس عليهم من مسؤولية في ذلك، فعامل مجسم التعتيم والإقصاء الذي نصبته الدولة للريف برمته، لا يقل أهمية عما ذكرته سالفا في تكريس أساليب العبث الإستيلابية التي عرضت المنطقة لرياح الأزمات الاقتصادية والثقافية والسياسية: فما فعله هؤلاء لا يجد مبرره ومنبعه في عربدة نزعة طغى عليها العامل الذاتي فقط، بل أيضا في خروقات الدولة نفسها بمؤسساتها الدستورية باعتماد النظام المركزي الكلياني المهيمن والذي يقلص صلاحية الجماعة المحلية في تدبير الشأن المحلي، ويجعله فقط قناة ومعبر تبرر عن طريقه مشاريع السلطة المركزية والقرارات التي تصدرها، وتتخذها مجالا لأخذ الامتيازات لا للعطاء، فكيف كان سيكف هؤلاء المتطفلون عن التحايل على المواطنين بعد أن تستيقظ فيهم زوبعة صيحة ضمير تقودهم إلى الصحوة، في غياب-
إمدادات قانونية واقتصادية ناجحة للريف ؟
وإذا كانت تستحضر لحظة انتخاب رؤساء الجماعات الحضرية والقروية معطيات خارجة عن القواعد الديمقراطية ؟
مما يجعل المواطنين ينظرون إليهم بمثابة رجال سلطة (2) وعلى هذا الحال لا يستطيع هؤلاء التخلي عن ممارساتهم السابقة بأي شكل ثم الانضباط، وإن كان لديهم استعداد ذاتي للاتصال بذلك، لأنهم يفتقدون لقوة إيفاء حق المواطنين، وتطلعاتهم في أن يكون هناك مستقبل أفضل لمنطقتهم، أمام عجزهم في فرض اقتراحاتهم داخل البرلمان، وتفعيل مشاريع الجماعة القروية، لأنهم ببساطة كانوا سفراء الأغلبية المهمشة (الريفيين) ينتمون إلى مناطق شكلت عبر التاريخ الجزء الخالي، الذي ضرب عليه بصفح من النسيان، فكانت النتيجة في آخر المطاف بعد أن إختلط الحابل بالنابل، في أزمة تناطح اختيارنماذج التعامل مع المواطنين، أن لجأوا إلى الدسيسة بدل التعاطي مع العامة بوضوح، وإطلاعها على حقيقة ما يجري في سدة الحكم .
إنها كانت مسالة سوء تقدير ?و مجازفة إيديولوجية داكنة ارتبطت بانحطاط الوعي لديهم، إلى وعي شقي بالمسؤولية، فلم يعطوا ولو القليل من الإيجابية لمنطقتهم، بقدرما أعطو الكثير من السلبية وهو ما يبرهن عليه الوضع الراهن لقبيلة أيث وريشش الذي يعيش اضطرابات حادة ضمن قلق مستمر لا يطاق.
ختاما لما سبق نتوصل إلى التنائج التالية بخصوص خلاصة هذا الجزء :
1-مرحلة الهجرة القروية سماتها : تهميش المحيط من طرق السلطة الحاكمة-فرض العزلة عن المنطقة?فسح المجال للمخدرات ?محاولة نزع الطابع الإجتماعي الأصيل.
2-المرحلة الثانية :محاولة الحصول على باب للنفوذ إلى التحكم في المصالح، والعلاقات بين الأفراد والإتجاهات، من خلال استثمار طاقات أباطرة المخدرات الذين تمكنوا من الإمساك بزمام قيادة التوجه العام.
3- تطويق المنطقة بالعزلة بغية عدم الإستفادة من المشاريع التنموية، لجلب حظ من الرقي في المستوى الإقتصادي، وهو ما سعى من أجله المسؤولون في التقسيم الإداري الأخير لسنة 2007الذي قام باستثنائها من الواجهة البحرية التي كانت بحوزتها جهة ?أفراو? كآخر ما ضل في قبضتها على السواحل.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *