قراءة في تصريح السيد الحليمي بخصوص الرفع من الأجور

د.حبيب عنون

باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية

ANOUNE64@gmail.com

من الأكيد أنه ليس هناك “دخان بدون نار” ليتساءل كل متتبع لتقارير المندوبية السامية للتخطيط عن مدى الجدل والإثارة ، الذي يعقب صدور أي تقرير ناجم عن هذه الهيأة والذي قد يفقدها مصداقية وموضوعية ما تصدره من تقارير، وآخرها ذاك التقرير الذي صرحت به المندوبية بخصوص انعكاسات الرفع من مستوى الأجور إذ يقر بإيجابيتها على المدى القصير وخصوصا من زاوية الرفع من القدرة الشرائية للمواطن وبالتالي على ديناميكية المقاولات، وبسلبياتها على المدى المتوسط، بل أقل أي ابتداء من 2013، على ميزانية الدولة. للتذكير أن السيد والي بنك المغرب قد حذر من هذا الأمر ولكن قبيل بدأ استئناف الحوار الاجتماعي الأخير أي قبل علمه بأن سقف الزيادة بين الحكومة والنقابات “الأكثر تمثيلية” سيستقر في 600 درهم شهريا. لم يعقب السيد والي بنك المغرب عن قيمة الزيادة وهو على دراية أعمق بميزانية الدولة وما من شأنه أن يؤثر عليها إيجابيا أو سلبيا، بل قرر مؤخرا زيادة 750 درهم شهريا للبنكيين. كما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي هو، أي السيد الحليمي، عضو فيه لم يصدر عنه أي تعقيب عن هذا التصريح كما انه لم يتبناه.

علاوة على هذا، ففي المجال الاقتصادي، فإن أهمية أي تصريح تكمن في الأرقام الاستدلالية التي يتضمنها التصريح وبالتالي وجبت الإشارة إلى أن الأرقام التي تضمنها تصريح السيد الحليمي تبقى في نظرنا “ماكرو-اقتصادية” غير آخذة بعين الاعتبار للخصوصيات غير المتجانسة للقدرة الشرائية للمواطن المغربي من جهة، ولا خصوصيات المقاولات المغربية. هذا مع العلم أنه قد سبق للمندوبية أن ميزت بين ثلاث شرائح اجتماعية في المغرب وكان عليها، أي المندوبية، نهج نفس السبيل في تحليلها لانعكاسات الزيادة في الأجور على ميزانية الدولة.

ثمة عدة ملاحظات بخصوص هذا التصريح لا من حيث مضمونه ولا من حيث، خصوصا، ظرفيته.

أولا، كان من الأنجع على المندوبية السامية أن تبرز لنا كثلة الأجور العامة وتوزيعها على الأقل بين ثلاثة مستويات من كثلة الأجور (استئناسا بما قامت به عند تعريفها، المثير للجدل، للشرائح الثلاث المكونة للمجتمع المغربي) : الدنيا والمتوسطة والعليا لكي يتضح لكل باحث أهمية نسبة كل شريحة من بين هاته الثلاث ووزنها ضمن الكثلة الشمولية للأجور. وفي مرحلة ثانية، يتم إبراز التغيرات التي ستنجم عن زيادة 600 درهم لكل شريحة وتأثيرها على الميزانية العمومية. فهذه المقاربة هي التي ستمكننا من معرفة من هي الشريحة المجتمعية الوازنة في كثلة الأجور وخصوصا من هي الشريحة التي سوف يكون لها تأثير سلبي على مصاريف الدولة إزاء زيادة 600 درهم. بل قد تبرز لنا هل كان بالإمكان رفع مستوى الأجور إلى 600 درهم أو ربما أكثر، في إطار التضامن الاجتماعي الذي ينادي به ملك البلاد، لفائدة شريحة معينة واستثناء أخرى والتي حسب ممثلة إحدى النقابات في إطار حوار تلفزي لن يكون لها تأثير على قدرتها الشرائية لكونها مرتفعة أصلا (ولا ضرورة ملحة لها بهذه الزيادة).

أيهما إذا أنجع وأقوم وأعدل ؟ هل حسن الانتقائية في رفع الأجور والتقليص في الفارق بين الأجور الدنيا وتلك العليا وبالتالي تعزيز بروز طبقة متوسطة ؟ أم زيادة عامة لا تساهم لا في التخفيف من آثار التضخم بالنسبة للأجور الدنيا ولا تساهم في إبراز الطبقة المتوسطة ولا في تقليص الهوة بين ما هو أدنى وما هو أعلى وبالتالي لا تؤدي إلا إلى الرفع من كثلة الأجور العامة دون أثر إيجابي. هذا مع العلم أننا لم نعد في عهد موظفين وأجراء خاضعين لوهم (l?illusion monétaire) حيث كانوا لا يهتمون إلا بأجرهم الاسمي (salaire nominal) ولكن بأجرهم الحقيقي أي مقارنة مع ارتفاع أثمان السلع (salaire réel).

ثانيا، من الأكيد أن الهاجس الذي كان مسيطرا على الحوار الاجتماعي هو ضرورة الإسراع في إبلاغ الرأي العام بكون الحكومة قد لبت مطلبا أساسيا من مطالب النقابات المشاركة في الحوار والمتمثل في رفع من مستوى الأجور والذي كان وما يزال من أبرز التحديات التي يجب التعامل معها بجدية خلال إعادة النظر في معايير منظومة الأجور في المغرب لكونها من بين السبل الأساسية لحل إشكالية حسن توزيع الثروات في المغرب. المهم، كما قال السيد وزير العدل في إحدى حواراته على شاشة التلفاز، “ليس في السرعة بل في التسريع”.

ثالثا، إذا كان هذا التصريح يحذر من الزيادة في الأجور مع صمته عن الامتيازات الضريبية لدعم المقاولات (baisse de l?impôt sur les sociétés) ، فستجدنا نزكي أبرز الانتقادات التي وجهها الفكر الماركسي لنمط الإنتاج الرأسمالي. فمن جهة نشجع المقاولات على الإنشاء والإنتاج (production de masse) ومن جهة أخرى نعارض الرفع من الأجور والتي هي القدرة الشرائية التي من المفروض أن يكون بمقدورها امتصاص ما ستنتجه المقاولات. وإذا ما تبنينا هذا الطرح فسيتميز الاقتصاد المغربي بوفرة الإنتاج موازاة مع قدرة شرائية ضعيفة ستلزم المقاولات، على المدى القصير على تخفيض أسعار موادها الاستهلاكية ولكنها، على المدى المتوسط، فسوف لن تتمكن من تغطية كلفة الإنتاج وبالتالي ستضطر للإعلان عن تسريح عمالها في المرحلة الأولى ليتلوه الإفلاس.

رابعا، أغلب الدول الليبرالية تمكنت من تحقيق تقدمها من خلال دعمها وتزكيتها للطلب أي للقدرة الشرائية للمواطنين موازاة مع إنجاز مشاريع كبرى؛ ولا يخفى على المندوبية السامية للتخطيط السياسة الاقتصادية التي ابتدعها Keynes لإنقاذ نمط الانتاج الرأسمالي من أزمة الخميس الأسود لسنة 1929 حيث سادت البطالة والتضخم خلال تلك الحقبة. فالسؤال المطروح بهذا الخصوص يكمن في مدى إمكانية إنجاح التجربة الكينيزية في المغرب؟ ويبقى هذا التساؤل مشروعا لكون الاقتصاد المغربي يعرف إنجاز عدة مشاريع كبرى دون ان يتمكن الاقتصاد المغربي من تحقيق الإقلاع المنشود والمتوازن مجتمعيا ؟. قد تكمن المشكلة إما في كيفية تدبير هذه المشاريع وإما في كيفية توزيع ثرواتها ؟ لكون الانعكاسات المنشودة les effets d?entraînement ou l’effet multiplicateur keynésien) لا تنعكس لا على الاقتصاد الوطني ولا على المستوى المعيشي للمواطن. ثمة إذا خلل ما إما في عدم ملاءمة هذه النظرية مع خصوصيات الاقتصاد المغربي؟ وإما أنه ثمة “أيدي خفية”، كتلك التي يشير إليها المجلس الأعلى للحسابات، تحول دون تمكين الاقتصاد الوطني والمواطن المغربي من الاستفادة من المشاريع الضخمة والبرامج التنموية التي تنجز برعاية ملكية سامية منذ أكثر من عشر سنوات ؟

خامسا، مما لا شك فيه أن المندوبية السامية لا تخفى عنها كل هذه المعطيات وبالتالي فتصريح السيد الحليمي يحمل في طياته نبرات سياسية أكثر منها اقتصادية خصوصا وأنه جاء متأخرا عن إصدار هيئات الحوار الاجتماعي لتوصياتها، علاوة عن كون المغرب على موعد مع استحقاقات انتخابية بعد المصادقة على التعديلات الدستورية من خلال استفتاء شعبي.

سادسا، لماذا لم يتم تمرير هذا التصريح من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي تم إنشاءه للمساهمة باقتراحاته في ما تم اتخاذه كإجراء سواء في قيمة 600 درهم كزيادة في الأجور، أو بخصوص تعميمها على “الكل” دون التمييز بين شرائح الموظفين الذين هم في حاجة إلى هذه الزيادة، وربما أكثر، وشرائح الموظفين الذين هم في غنى عنها ؟

سابعا، ربما كان على المندوبية السامية للتخطيط مواكبة الحدث ومواكبة ما يسهر ملك البلاد على إقصاءه أي العمل على تنوير الرأي العام حول انعكاسات التبدير والتلاعبات في التدبير المالي غير المعقلن وتلك الصفقات العمومية الفاقدة لكل شفافية…والتي تكشف عن هذا كله يوميا كل من المفتشية العامة للداخلية والمجلس الأعلى للحسابات على ميزانية الدولة وثروات البلاد.

وكيف ما كانت التصريحات وطبيعة نبراتها… ألا يعتقد مسئولو المندوبية السامية للتخطيط أنه في مرحلة من مراحل تطور أي اقتصاد كان لأية دولة كانت، بما فيها الدول المتقدمة، لا بد من إعطاء الأسبقية للجانب الاجتماعي لضمان السلم والاستقرارالاجتماعي كركيزة أساسية لاستمرارية اشتغال آليات الاقتصاد الوطني ؟ مع العلم أنه لا وجود لأية نظرية اقتصادية، باستثناء الصيغة الأولى لنموذج Adam Smith وRicardo والذي تم تصحيحها في ما بعد من طرف اقتصاديين ليبراليين حيث أكدوا على ضرورة التفاوض على أساس الأجر الحقيقي، تحت على المحافظة على التوازنات الاقتصادية من خلال التقشف في الأجور، بل مجمل النظريات الاقتصادية تحت على ترشيد النفقات العامة للدولة بما فيها ميزانية التسيير وميزانية الاستثمار والتي تعتبر الأجور جزء منها وليس كلها وبالتالي وجب التخوف بل الانتباه إلى ارتفاع ميزانية مكونات أخرى ومتعددة لمصاريف الدولة ليس من زاوية ارتفاع الكلفة بل من زاوية عدم عقلانية تدبير مصاريف ومداخيل الشأن العمومي

تعليق واحد

  1. في مرحلة كانت شريحة موظفي القطاعات العمومية في المغرب آملة في التبشير بتنزيل مشروع إصلاح منظومة الأجور في المغرب الذي كانت الحكومة المنتهية ولايتها قد صرحت على لسان وزير تحديث القطاعات العامة السابق، ها هم موظفو القطاعات العمومية يندهشون أمام ما يتم من مشاورات للزيادة في الأجور لبعض موظفي بعض الوزارات. وأولاهما، الزيادات المرتقبة في وزارة العدل لفائدة القضاة.
    أولا، من الصعب استيعاب أن وزير العدل السيد الرميد سيقدم على الموافقة على هذا الاجراء ما لم يتم التشاور بشأنه لكونه كان من المناضلين والمؤمنين بضرورة إرساء أسس العدالة الاجتماعية والتي تعد من إحدى ركائزها تفادي استفادة البعض على حساب البعض الآخر خصوصا إن كان هذا الأخير يمثل شريحة مجتمعية جد مهمة ولا يصل مستوى معيشتها ولا مستوى أجرها الشهري لا مستوى معيشة ولا أجر القضاة.
    ثانيا، هل يوحي السيد الرميد وزير العدل والحريات لموظفي القطاعات العمومية أن مشروع إصلاح منظومة الأجور في المغرب الذي اشتغلت عليه الحكومة السابقة (الباقية بعض أعضاءها) قد تم طيه؟ وهل بات في ظل دستور 2011 من حق أيها وزير إقرار الزيادة في أجور موظفي “وزارته” دون الأخذ بعين الاعتبار توجهات الحكومة في قطبيها (أي وجهة نظر المعارضة) والانعكاسات السلبية التي قد تطال باقي موظفي الدولة. ذلك أنه إذا ما تم اتخاذ هذا الاجراء بناء على ضغط من نقابة القضاة، فمما لا شك فيه أن نقابات موظفي القطاعات الأخرى ستكون مضطرة لتسلك نفس السبيل.
    ثالثا، ما المراد من زيادة أجور هذه الشريحة من موظفي الدولة دون الآخرين ؟ هل بهذه الزيادة سنضمن حسن سير هذا المرفق ؟ لا اعتقد أنه ثمة علاقة بين الأجر وحسن الأداء لكون المسألة جد معقدة وأول بنودها يكمن في عقلية الموظف ولا في أجره. أم سنضمن اتساع الهوة بين أجور موظفي مختلف القطاعات ؟ هذا في وقت كان حزب العدالة والتنمية، من بين ما كان يتضمنه خطابه الانتخابي، التخفيف من الفرق الشاسع بين الأجور الدنيا والأجور العليا حتى نضمن عدالة اجتماعية. علاوة على هذا، كيف سيتقبل الشارع المغربي اتخاذ مثل هذا الاجراء في وقت وجيز بينما الحديث عن الرفع من الحد الأدنى للأجور تقام الدنيا وتقعد بشأنه وتتعدد جولات الحوار “الاجتماعي” بشأنه. وحتى بخصوص الرفع من هذا الأخير الذي حدده رئيس الحكومة السيد بنكيران في 3000 درهم خلال الخطاب الانتخابي، بدا يوضح مؤخرا السيد رئيس الحكومة أن هذا المبلغ لن يكون حاليا كما استبشر به كل الموظفين ولكنه لن يكون إلا مستقبلا أي بعد أربع سنوات أي خلال سنة 2016. وهذا قد يجعلنا ربما نستنتج أن تحسين الوضعيات قبل 2016 ستكون قطاعية تبعا لجدية مسلسل الحوار الاجتماعي وتبعا لوزن نقابات الموظفين.
    رابعا: كيف يمكن تقبل الزيادات وخصوصا التفضيلية الفئوية في الأجور وفي نفس الوقت يتم التصريح بمحدودية وندرة الموارد المالية؟ ما هو رد وزير المالية والاقتصاد بخصوص هذا الشأن؟
    خامسا: من الأكيد أن اتخاذ إجراءات على هذا النحو “التفضيلي” إذا ما تمت ، فسرعان ما ستعكس عدم الانسجام وغياب توحيد سلوكيات تدبير الشأن العمومي بين وزراء الحكومة الحالية وخصوصا وزراء حزب العدالة والتنمية الذين يدبرون الوزارات الأكثر حساسية في الحكومة الحالية. وعلى هذا النحو، قد أكون على صواب حينما أصدرت سابقا مقالا تحت عنوان: “هل سيستفيد السيد بنكيران من تجربة السيد عبد الرحمان اليوسفي؟”.
    سادسا: هل على هذا النحو سينعم المغاربة بالعدالة الاجتماعية الموعودة؟ وهل على هذا النحو سيتم إقرار التكافؤ والعدالة في تدبير ثروة البلاد والاستفادة العادلة منها من طرف الشعب المغربي؟ وهل على النحو سيتم تفعيل توجيهات ضامن وحدة البلاد بخصوص ضرورة إبراز وتوسيع مجال الطبقة المتوسطة التي من شأنها تحريك الاقتصاد المغربي؟
    كان الاعتقاد السائد أن زمن تحكم المجال السياسي على المجال الاقتصادي قد ولى وأننا بصدد تنزيل برامج اقتصادية تتخذ من المبادرات الاقتصادية والاجتماعية لعاهل البلاد أساس ومنهجية عملها بعيدا عن الوعود السياسية الفارغة وقريبا من إيجاد حلول لهم المواطن المغربي واقتصاد البلد، إلا أننا بتنا نخاف ونهاب من سلبيات وتبعات بوادر فشل تجربة هذه الحكومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *