قيس مرزوق الورياشي يكتب عن تكريم الفهيمي بالناظور: فهيمي حسين، مناضل من زمن آخر

 قيس مرزوق الورياشي

نص الكلمة التي ألقيتها في حفل تكريم الأستاذ حسين فهيمي بالناظور يوم 14 أبريل 2017

 من ظهر المهراز بفاس، قلعة التقاطبات الإيديولوجية للجامعة المغربية، عاد حسين الشاب بسرعة إلى بلدته الأصلية وكأنه يحمل أمانة ثقيلة كان عليه أن يوصلها لأصحابها.

الأمانة: مشروع التغيير.

أي تغيير؟سؤال عريض لم يكن من السهل على حسين إيجاد جواب له، هو الذي ذهب تلميذاً وعاد معلماً بعد أربع سنوات.

طيلة مدة إقامته في ظهر المهراز لم ينخرط حسين في حلقات الدرس والتحصيل فقط، إذ على هامش مدرجات الجامعة كانت هناك جامعة أخرى موازية: الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

في حلقات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب اكتشف حسين أن مهنته المستقبلية، مهنة المعلم، تتجاوز بكثير مجرد أستاذ لمادة اللغة والأدب العريين، إذ إن بيئة تلامذته آنذاك، بيئة حاضرة قلعية والريف الشرقي، لم تكن تسمح بسهولة شرح أدب الفرزدق أو أبو العتاهية أو تأبط شراً أو البياتي أو السياب.

حسين الشاب هو ابن زمن طرح السؤال عن مآل الاستقلال، وبالرغم من أن أجداده حاولوا أن يكونوا صناعاً حقيقيين للاستقلال، وجد نفسه يتحرك في عقيدة أرادت أن تكون “وطنية”، بمعنى أنه كان عليه أن يردد أنشودة “المغرب لنا، لا لغيرنا”.

هنا بالضبط حار حسين الشاب: عن أي مغرب يتحدثون؟ يبدو أن لكل مغربه، وما دام الأمر كذلك، فبالإمكان صناعة مغرب آخر: مغرب يستجيب لطموحات وانتظارات تلاميذه، ومحيط تلاميذه: مغرب “القوات الشعبية”.

مرة أخرى تنتاب حسين الحيرة: وما القوات الشعبية؟ وما علاقة هذه بالفرزدق وأبو العتاهية وتأبط شراً؟

لا شك أن القوات الشعبية لا توجد في مؤسسة العمل، بل في المحيط المباشر لتلامذة الحسين: المجتمع العريض.

وما المجتمع؟ طبعاً المجتمع متعدد وغير منسجم. لكن في كثافته وفي تعدده يكمن مشروع حسين: القوة الدفينة للفئات العريضة من المجتمع: قوة العمال، قوة الفلاحين، قوة الحرفيين، قوة المهاجرين، قوة التلاميذ والطلبة.

لكن هذه القوات موجودة بالقوة وليست موجودة بالفعل. كيف يا ترى يمكن حكّها والاحتكاك بها حتى تكون موجودة بالفعل. هنا بالضبط سيكتشف حسين، أو بالأحرى سيعي، دوره كمعلم: معلم يتجاوز حجرة الدرس، حجرة الفرزدق وأبو العتاهية وتأبط شراً، إلى فضاءات أكثر حرية وأكثر اتساعاً: فضاء الحزب، فضاء النقابة، فضاء الجمعية، فضاء الحلقات المفتوحة.

خارج حجرة الدرس يكتسي المعلم هنا بعداً آخر: بعداً يتطلب الانخراط الكلي في مشروع للتغيير، مشروع يتطلب المواجهة، مشروع يتطلب أداء ثمن، مشروع يبرز أصدقاء وأعداء، مشروع يبرز الحب والكراهية… مشروع يفرض على حامله أن يتحول من معلم إلى مناضل، وبقدر ما يزداد نضالاً، يتمسك به تلامذته فينصبونه معلماً من جديد. وفي غمرة العلاقة التبادلية بين المعلم والمناضل تزداد الطاقة احتراقاً، وكلما احترقت الطاقة، تزداد الطاقة قوة.

المعلم المناضل أو المناضل المعلم أصبح مع مرور السنين يترجم بالملموس مقولة “القوات الشعبية”. وفي فترة معينة من المسار لم يعد المعلم مجرد معلم، ولا المناضل مجرد مناضل: لقد أصبح زعيماً.

ماذا قلت؟ زعيم؟ لا، لا، “بْدّْ ذينّي”، حدّك تمّا. الزعيم لا يأتي أبداً من الهامش. لقد سمحنا لكم مرة واحدة لكي يكون فيكم زعيم وكان ذلك بمثابة حادثة سير.

اسمع جيداً يا حسين: لقد كلفناك لتنظم “القوات الشعبية” ولم نسمح لك أن تكون زعيماً. الزعامة مسألة تخصنا نحن. أنت مجرد مناضل لذلك نحبك. نحبك كثيراً ومن كثرة حبنا لك يمكن أن نأكلك، أن نضحي بك. يبدو أنك ذهبت بعيداً في تحقيق حُلمك ورغبتك، أنت وتلامذتك. لم تنتبه إلى أن مشروع التغيير قد وقع فيه تغيير، تغيير جذري. “القوات الشعبية” مفهوم متجاوز، و”المنهجية الديمقراطية” ما هو إلا مصطلح صحفي. قف مكانك. حدّك تمّا!

مهما يكن من أمر فالزمن ليس زمنك يا حسين فهيمي. نحن الآن، تلامذتك وأنت، لا نحمل غير ذكريات رائعة لمناضلين من زمن آخر أمثالك. نحن الآن لا نمارس إلا لعبة النوستالجيا والحنين لذلك الزمن. علينا ألاّ نسقط في نظرة التحسر على رأسمال لم نعرف كيف نحافظ عليه وننظر إلى طابور المستنفعين ونقول: “يوفيت وا، يسّنويت وا، إقشّاريت وا، يشّيت وا” (وجدها فلان، طبخها فلان، قشرها فلان، أكلها فلان)، بل علينا أن نتعلم من جديد كيف نستثمر في الشباب ونزرع فيهم “تنمية نضالية مستديمة” وروح التضامن فيما بين الأجيال: لقد زرعوا فأكلنا، ونرزع فيأكلون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *