لا تلعب بالنار

بقلم: سعيد صغير
saghir@web.de
بعض الشعوب تحرق جثث الموتى كما هو الحال في ديانة الهندوس بالهند. عادة هندية قديمة كانت توافق فيها المرأة على الموت مع زوجها وغالبا ما تحرق مع جثمانه، إن أرادت أن تكون امرأة صالحة وإلا تتعرض للقهر والذل من رجال القبيلة. تحرق نفسها بعد موت زوجها وإلا فالويل كل الويل لها من المجتمع الذي لا يرحم. من هنا نستسقي أن عادة حرق الناس لأنفسهم قديمة جدا، كما يتبين من خلال سلوك المرأة الهندية، أن الإحراق يكون نتيجة فقدان الأمل في حياة كريمة.
في ثمانينيات القرن الماضي مضت في ألمانيا موجة حرق الأكراد لأنفسهم أحياء. أتباع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. شباب في مقتبل العمر أرهبوا ألمانيا والعالم أجمع عندما شرعوا يصبون البنزين على أجسادهم ثم يشعلون النار في أنفسهم في الطرقات والأماكن العامة. هؤلاء الشباب كان هدفهم هو إشعار الرأي العام الأوربي والعالمي بشدة الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له الأكراد في تركيا آملين أن تضغط القوى الكبرى على الحكام في أنقرة. الأرملة الهندية قديما كانت تحرق نفسها لأنها فقدت الأمل في الحياة الكريمة و أنه لا أمل لها في الزواج ثانية. سلوك يمكن أن ندرجه قريبا إلى الانتحار منه إلى التضحية. في حالة الشباب الكردي عمق سياسي نضالي، الهدف منه تحريك الآخرين لنصرة قضيتهم. هذا السلوك يمكن إدراجه في باب الفداء، بمعنى أنني أضع حدا لحياتي في أمل أن يعيش الآخرون في كرامة. الفدائي هنا يحاول أن يكسي سلوكه صبغة سلمية رغم بشاعة المنظر. يبث رسالة مشفرة مفادها، انه كان بإمكانه أن يقتل معه الآخرين دون أن يخاف العقاب لأنه لا يعيش بعد الحدث، لكنه يكتفي بوضع حد لحياته من أجل إشعار الآخرين بمدى الاضطهاد الذي يتعرض له شعبه.
بداية الربيع العربي كانت هي الأخرى نارية، شرارة محمد البوعزيزي التي بثها من سيدي بوزيد بتونس أحرقت عرش فراعنة العصر وما زالت تهز الكراسي بشدة تحت الآخرين. النار انتصرت هذه المرة والمعادلة ايجابية، قتيل واحد ينجي جل شمال إفريقيا من الاضطهاد. وكما هي طبيعة النار التي تنتشر بسرعة وقوتها التي لا تقهر فقد انتقلت شرارتها إلى بلدنا ووجدت حطبا كثيرا يابسا سريع الاشتعال. سلوك حرق الناس لأنفسهم أصبحنا نسمع ونرى أخباره كل حين. الأسباب التي احتج البوعزيزي من أجلها وتمرد، يقتنيها المغاربة مع الخبز اليومي، حتى يتخيل للناس أن المواطنين المغاربة يمشون كل بقنينة بنزين تحت إبطه يلوحون بها في وجه كل من حاول أن ينتزع منهم حقهم، مهددين بحرق أنفسهم. جل المدن المغربية عاشت حالات يحرق فيها الناس أنفسهم، أقربها لمدينتنا هي حالة بائع البنزين في بني أنصار، دون أن ننسى الإطار المعطل الذي قضى في العاصمة وآخر حالة في مدينة فاس. أكيد أن البوعزيزي لم يقصد بتصرفه إشعال الثورة العربية بل تصرف تحت الخوف والإحباط والإحساس بالذل والاحتقار، محاولا الهروب من واقع لا يطاق، دون أن ينسى إشعار الآخرين أن الاحتراق بالنار أهون من العيش في المذلة.
أطفال مدينة زايو لم تفتهم الفرصة في تقليد الكبار في حرق الذات. طفلان قاصران أحرقا زميلهما أمام مدرسة عمومية في زايو، نتيجة للهدر المدرسي ولانعدام الاعتناء بطفولتهم البريئة. نجحوا إلى حد بعيد في التعبير عن معاناتهم في مجتمع لا يرحم بإرسالهم لصور طفل احرقوا وجهه. وسائل الإعلام تلقفت هذه الصور بلهفة لتخبر الرأي العام بظاهرة جديدة تسمى حرق أجساد الأطفال. صور الجثث المفحمة التي تنشرها وسائل الإعلام بلا ملل كان لها الأثر السيئ على سلوك أطفال مهمشين طردوا من المدرسة رغم ادعاء إجبارية التمدرس في بلدنا. الكبار تشمئز نفوسهم لرؤية هذه الصور فما بالك بأطفال صغار تعرض عليهم هذه المناظر الخبيثة، دون أن يجدوا من يحميهم منها ليصيبهم الخوف والذعر. و لكي يهضموا هذه المآسي ويحرروا أنفسهم من رواسب الأحداث الأليمة التي يعيشونها، يلجأ الأطفال غالبا إلى إعادة أطوارها عن طريق اللعب آملين في التخلص من الآثار السيئة التي تعاني منها نفسيتهم الصغيرة.
لحماية أطفالنا من نار الحريق في الدنيا، يجب علينا أولا تجنيبهم لأسباب هذا الحريق. تقنين بيع المحروقات بكل أنواعها وعدم بيعها للأطفال. عدم ترك هذه المحروقات في متناولهم. توفير الحماية النفسية لهم بتجنيبهم رؤية المناظر التي لا تليق بالأطفال من أفلام وأخبار و إنترنيت. ملأ وقت الفراغ للأطفال بالألعاب المفيدة والرياضة وعدم تركهم عرضة للتشرد. على الآباء والأمهات ألا ينسوا واجبهم في رعاية أبنائهم وتتبع خطاهم قصد حمايتهم من أي مكروه.