ملف سبتة ومليلية،أي تدبير لأي مصير؟ 4

ملف سبتة ومليلية ، أي تدبير لأي مصير ؟

الحلقة الرابعة :

1 – قانون التغيير :

دائما ما يرتبط ضياع جزء من دولة ما وسقوطه في يد المحتل الأجنبي بتدهور الأوضاع الداخلية بالبلد الأصلي  .

ونفس الارتباط يقوم بين استرجاع هذه الأجزاء وبين تعافي الجبهة الداخلية للوطن.

هذه قاعدة أو قانون التغيير الذي يستمد أساسه من قوله تعالى : ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغروا ما بأنفسهم ” (1 )

فكما أن مدلول هذه الآية الكريمة ينطبق على الأفراد فإنه ينسحب أيضا على الجماعات وعلى الشعوب والأمم.

وأمثلة هذا القانون حية شاخصة في واقعنا الإسلامي وفي العالم من حولنا.

فحيثما وجدتَ ظلما واستبدادا وفرقة وانقساما ونزاعا على السلطة والثروة والنفوذ ، تجد تمزقا لأوصال الوطن يطال إما أرضه ومياهه كحال المغرب بلدنا  . وحال العراق وأفغانستان و فلسطين.أو تجد استغلالا واستنزافا لخيرات البلاد وثرواته المادية والبشرية ، وهو حال بلدان العالم الإسلامي ودول الجنوب عموما.

وعلى النقيض من ذلك ، كلما وجدتَ عدلا في الحكم . وانتقالا   سلسا وسلميا وديمقراطيا للسلطة . وتوزيعا منصفا للأعباء وللحقوق والثروات، وتعاضدا وتضامنا بين الأفراد ، واحتراما للتنوع الثقافي والعرقي والديني وتقديرا لكرامة الإنسان … كلما وجدتَ قوة ومجدا ونماء ونفوذا سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا يكتسح العالم. وهذا هو حال الغرب اليوم .وهو ما كان عليه حالنا بالأمس المأسوف عليه.

واقع الفرقة والنزاع داخل حدود الدولة الواحدة دائما ما يولد لدى العدو المتربص أطماعا ورغبة في التوسع واستغلال حالة الفوضى المستشرية  لتقطيع أراضيها ونهب خيراتها.

والخروج من دائرة هذا التربص يقتضي من أطراف النزاع إدراك التحديات المحيطة بهم .والسمو  بأنانياتهم وحساباتهم الضيقة ، والانكباب  على نحو تحصين بلدهم من خطر الوقوع في شراك العدو.

هذا الإدراك وهذا السمو لم يكونا حاضرين لدى ملوك المغرب على عهد الدولة المرينية والأسر الحاكمة التي تلتها.بل لقد أنساهم الصراع حول حظوة السلطة وشهوة الرئاسة أن من بايعوهم وأجلسوهم على عرش الملك بالمغرب إنما فعلوا ذلك رجاء في أن يعملوا ويسهروا على توحيد البلاد وتخليصها من المحتل الكافر.

2 – ” كانت أيدينا مقيدة “

في معرض جواب أحد السبتيين عن سؤال الإخباري البرتغالي  ” كوميس إيانس دي زورارا ” الذي جاء إلى سبتة بعد احتلالها يستطلع أخبار سقوط المدينة ، قال السبتي المغربي بأن أهل سبتة كانوا على علم بإبحار الأسطول  البرتغالي نحو سبتة ” وكان بإمكاننا  – يقول – خلال ثلاثة عشر يوما التي ظل أثناءها الملك يطوف بأسطوله حول المدينة ، أن نزيد من تحصين المدينة وصناعة ما نحتاج إليه من آلات الحرب ، لو توفرت لدينا إمكانات ذلك ، لقد كانت أيدينا مقيدة ، فبقينا جامدين دون أي حركة ” (2)

وهكذا سقطت سبتة بين يدي البرتغال في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء 21 غشت 1415.

سبب الهزيمة إذن لم يكن ضعف التحصينات والتجهيزات العسكرية فقط  . بل الهزيمة سبقت إلى قلوب السبتيين قبل أن تنزل قوات الاحتلال البرتغالي على شواطئ المدينة.

سبب الهزيمة أقعدهم ينتظرون وصول الأسطول الهاجم مدة ثلاثة عشر يوما دون أن يستطيعوا فعل شيء يدفع عنهم الشر القادم من البحر .

فما  الذي أقعدهم وجعل أيديهم مقيدة ولم يتحركوا لإعداد الدفاعات اللازمة لصد الهجوم ؟

ولماذا لم يسارع السلطان المريني أبو سعيد عثمان لنجدة أهالي سبتة حينما بلغه الخبر يوم التاسع من غشت 1415 ؟

إنها لعنة الخلاف والشقاق الداخلي  ونتيجة الصراع على السلطة بين أبناء الأسرة المرينية الحاكمة آنذاك.اشتغل الحكام بملكهم وفرطوا في مصير البلاد .

أوربا خلال هذه المرحلة كانت تستعيد وعيها وتعيد قراءة تراثها الفكري والحضاري ، بحثا وإحياء وتجديدا وتوعية للشعوب . كما كانت تتأهب بنفس الهمة والعزم والإرادة إلى التخلص  من حالة التراجع والانهزام أمام شبح الحضارة الإسلامية المنخور  الجاثم رغم عجزه على صدرها بالأندلس. ومن سطوة وسلطة الكنيسة والإقطاع اللذان استعبدا الناس وعطلا الفكر والعلم والاجتهاد.

وكان من الطبيعي أن تمتد يد أوربا التي استعادت عافيتها للتو وتوحد ملكها في كل من إسبانيا والبرتغال بالخصوص ، نحو المغرب ، غالب الأمس. .

هذا التحول هو ما لم يكترث به الحكم المريني بالمغرب ثم الو طاسي والسعدي من بعدهما. وهو نفس عدم الاكتراث الذي ناله من حكام بني الأحمر بغرناطة حتى سقطت في يد الملكة ازابيلا عام 1492. لينزحوا مطرودين نحو مدينة مليلية حاملين إليها معهم داءهم الذي أرداهم ..ليضعوا مليلية بين أيدي الإسبان سنة 1497 ، دون أن يُرمى  ولو بحجارة واحدة نحو الأسطول الغازي .

الرجوع إلى تاريخ احتلال سبتة ومليلية خطوة ضرورية.لأنها تسعفنا في إعادة قراءة الماضي وإصلاح موطن الخطأ من الزاوية التي أوتينا منها.

إن هذا الانقطاع عن التاريخ هو ما يريده بنا العدو. وهو ما لم يفتأ يجتهد في تكريسه وتعميقه عبر تغيير ملامح وصور الحضارة المغربية الإسلامية بهاتين المدينتين المحتلتين .. في عملية ضخمة وجريئة لطمس هويتهما وكي وعي أهاليهما ووعي المغاربة جميعا وتغييبه عن ماضيه وحاضره .

ونحن في عملية إعادة الوعي بواقع الاحتلال وتعزيز رفضه ، لا يجب أن نقتصر على إحياء الماضي واستعادة التاريخ ، بل لابد من الالتفات إلى فهم واستشعار لحظات الحاضر واستلهام ما يحيط بنا من تحولات .

إن غياب أجدادنا عن إدراك تلك  المتغيرات التي كانت تجتاح أوربا بداية القرن الخامس عشر لا ينبغي أن نكرره نحن  إزاء ما يشهده العالم اليوم من انقلاب ضخم وسريع وعميق ..لا ينبغي أن نشعر بأن أيدينا مقيدة كما عبر ذلك السبتي وهو يتحسر على سقوط سبتة.

الشعب المقيد المكبول لا يستطيع أن يدفع شرا ولا أن يجلب خيرا . بل يعيش حاضره مرغما غير مخير.

المهمة تتطلب شعبا حرا طليقا ، حاضرا وواعيا . شعبا متعلما مشتغلا ، مطمئنا على مستقبله.

وقوانين الحياة لا تَبسط للضعيف الخانع اليائس العزةَ والقوةَ ورودا وسجادا . ولا تُسَجيه الكرامةَ والعفةَ رداء { كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا } (3 ) . فمن استدعى واستجاب لأسباب العزة والقوة ضمن موقعه بين البلدان  .  ومن تأخر عن ذلك تأخر به الركب وأطمع فيه الركْبان.

الهوامش:

1 ? سورة الرعد ، الآية 11.

2 ? حسن الفكيكي ، سبتة المحتلة ، ذروة وعينا الوطني ( 1415 ? 1912 ) ، ص ،63.

3 ? سورة الإسراء ، الآية 20 .

‫5 تعليقات

  1. كلام جميل كما ورد في التعليق الاول..لكن وراااااااااااااء الاكمة ما وراءها
    لسنا في حاجة الي شيئ منها
    تعرف لماذا سي برزبزوي؟؟؟؟؟؟
    لاننا في حاجة الى الالتفاف حول بعضنا لا ان نعض بعضنا..ان نقف جنبا الى جنب وفي صفوف متراصة لا ان نضرب اعناق بعضنا..ايا كانت ظروفنا وايا كان التاريخ..انت وانا وكلنا يد وااااحدة نمسح العناء على مغربنا الحبيب ..ونقف صدا وسدا منيييعا ضد كل من تسول له نفسه امجرد المساس بحبة تراب من بلادنا
    اتق الله في نفسك عزيزي..وحاول ان تعطي بعضا من وقتك وواجباتك لتلاميذك في حب الوطن وحب الرفعة والسمو لهذا المغرب العزييييييييييييييييز جداااااااااااااااااااا علينا

  2. يا مسبر متتبع، أتحداك أن تعلن غدا عن القيام باسترجاع متر واحد مما أخذوه من سولت لهم أنفسهم بفعل ذلك، فلسوف يعاقبك النظام الذي يحكمك بتكسير عظامك وقطع لسانك الطويل، ولا يعني هذا أنني ضد ما تقول بل بالعكس ، إلا أنه يجب أن يحصل ذلك في إطار التفاهم بيني وبينك والكاتب الذي تجرأت عليه لأنه قال صوابا. ومرة أخرى أفصح عن هويتك كما نفعل نحن بحيث لا خوف ولا هم يحزنون . تحياتي

  3. مازلت تتحدث عن مليلية و سبتة وانت تتبضع من هناك كفى من هرائكم يا عدلويون يا عباد ياسين ووو
    والله فضحتنا ياذا الانف الطويل بمقالتك الركيكة

  4. القضية ليست قضية خوف ولا هوية ولا كل ما ذهبت اليه سيد عاشور
    الفضيه قضية مبدا وقناعة خاصة انت تعرفها كما اعرفها ويعرفها الجميع
    ان وراء هذا هذا الكاتب ومقالاته ما وراءه..نحن في غنى عنه…
    لما نكون نحن متكافلين اصلا يدا واحدة..وقلبا واحدا.عندها فقط نعلق على النظام وما حول النظام
    لاحظ احوالنا كافراد..ومعاملاتنا كموطفين وكعمال…اهذا من سبب النظام في نظرك؟؟؟؟
    لاتكن امعة..وتذكر الحديث الشريف الذي يقول بما معناه..كما تكونون يولى عليكم
    يعني الخطا فينا اولا واخيرا
    ارجو الله ان بحفظنا وبحفظ بلادنا من كل النعرات والخلافات المختلقة التى لها ما لها من مرامي لا تبقي ولا تذر
    ويوم يتوقف صاحبنا على التبضع من مليلية كما جاء في تغليق سي اوسار وقد اصااااب..
    وبوم يقوم بواجبه مع ابناء الشعب في قسمه..بعيدا عن التغيبات االمستمرة والرخص المستعارة و..و…
    عندها فقط اقول..ان ما يقوله صاحب المقال ربماااااااااااااااااا حق..
    مجرد راي..ولكم وااااااسع النظر
    مع احتراااماتييييييييييييييييييييي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *