منبر الرأي مع عبد الوحيد خوجة: الرايس بومدين مرشحا بازغنغان!!

kojaaaaaaa-472x310عبدالوحيد خوجة (الرباط 11 غشت 2015)/
بداية الستينات… مجموعة من الجنود الأسبان يجرون عربة تبن… يثيرنا المشهد، ينظر محمد إلي لعلني أشاركه استغرابه.
صغاراً كنا، أفهمنا آباؤنا أن فترة الاستعمار الإسباني انتهت وأن وجود هؤلاء الجنود على قلتهم، هو لتدبير بعض ممتلكات الجيش الإسباني.
ثكنة أزغنغان بُنيت في العشرينات من القرن الماضي، تعاقب عليها الأسبان والجزائريون والجنود المغاربة الذي حاربوا في الجولان. تنوسيت، فأصبحت اليوم في عداد الخراب.
مسجد بناه الأهالي، مدرستان ابتدائيتان، مستشفى، حانة، كنيسة، حديقة، مرقص، ملعب كرة قدم، صيدلية، مرافق متقاربة، مبنية بأشكال متشابهة.
صباح كل يوم، يأتينا صوت الكهربائي «أوسيبيو»، كان يسير مسرع الخطو، يسابق الزمن ليدق أبواب كل المنازل، كنا نجري وراءه ونردد بلا ملل «أغروم حافي» (الخبز حافي)، لعلنا نستخرج منه ما يسرنا وهو أن ينطق بكلمة عربية، وحينما يشتد عليه الخناق، يجيبنا بلكنة إسبانية: «الله كافي، الله كافي»، كنا ننتشي آنذاك عندما تخرج كلمة الله من فم إسباني مسيحي.
كان يقترح خدماته المجانية على كافة السكان، مسلمين، أسبان ويهود متسترين، لم نكن نميز بين الأسبان المسيحيين واليهود، الذين استمروا في إخفاء عاداتهم وتقاليدهم منذ عهد الملكة إيزابيلا ومحاكم التفتيش، لذلك لم يكن في المدينة إلا مسجداً وكنيسةً.
في وسط الشارع الرئيسي، كانت «دولوريس» تقدم خدماتها في الحانة الوحيدة بالمدينة للجيل الجديد من الشباب، كانت تغريهم للمكوث بجانبها عوض الذهاب إلى الثغر المحتل مليلية.
مليلية ملاذ السكارى والحيارى وهواة البشرة الأوروبية، كنا ونحن نقتفي أثر من سبقونا، نَعدّ مساء كل جمعة من ذهب إلى مليلية ولم يعد ليلاً. كانت غالبيتهم من الميسورين ومن بعض الحرفيين كسائقي سيارات الأجرة وبائعي المواد المهربة، كان خيالنا يذهب بنا بعيداً، نتصورهم يجوبون شوارع «باريو مالاكا». ننتظر صباح الاثنين بشغف لنتلقف الحكايات الغريبة، جاء محمد ذات صباح وهو يبدي فرحةً عارمةً. يُعْلمنا أنه يحمل خبراً يقيناً ويقسم بأغلظ الأيمان أنه لن يقتسمه مع أحد، مرت دقائق قليلة، أحس أن هناك اتفاقاً ضمنياً بين أفراد مجموعتنا على أن لا نبد اهتماماً بالأمر علّه يشعر بعدم اكتراثنا بالموضوع، فيطلق العنان للسانه.
توسط المجموعة أخيراً وبدا يسرد بشكل سريع ما وقع لأحد الأشخاص المعروفين في بلدة قريبة من أزغنغان مساء يوم السبت في «باريو مالاكا»، خرج، يقول محمد، الحاج العربي من ماخور مزهواً بعد أن قضى سويعات في حضن حسناء إسبانية، ألقى بها الزمان بعد أن بارت سلعتها في «مالاكا»، وكم كانت دهشته كبيرة وهو يلتقي في الباب بابنه الأكبر وهو يهم بالدخول، لم يتمكن الابن من التخفي إذ كان اللقاء في ممر ضيق ومضيء.
ينتصف النهار وتمتلئ شوارع أزغنغان بالمارة ويختلط الآذان بصوت جرس الكنيسة، نقف أمام الحديقة نترقب خروج المراهقات الإسبانيات إلى المرقص. كان الموعد يستقطب العزاب واليافعين الهاربين من رقابة أمهاتهم، بينما كان الكبار يخفون أعينهم بنظارات سوداء مخافة أن تفضحهم نظراتهم.
نفترق لهنيهات لنتجمع على الساعة الثالثة زوالاً أمام مبنى «كازا باراطا»، ننتظر بشغف خروج «كارمن»، متوجهةً إلى قاعة السينما الوحيدة في البلدة، نتبعها بأعيننا، وبمجرد أخذها لمكانها خلف النافذة، نصطف استجداءً لعطف «أبويلا» (الجدة) لعلها تدخلنا قاعة السينما مجاناً. كانت هذه السيدة التي كلفها ابنها مالك قاعة السينما بمراقبة الدخول، كانت عطوفةً حنونةً، توزع بالتساوي عطفها على أطفال البلدة بغض النظر عن جنسياتهم.
أفلام الستينات كانت ناطقةً بالاسبانية في غالبيتها، كنا نتسابق عمن يحفظ الحوار عن ظهر قلب. كانت لعمرو السبق عندما يتعلق الأمر باستظهار الأغاني الهندية. وبفضل المرحوم السايح كنا نتجاوب مع هذه الأغاني لأن ترجمتها إلى الدارجة سهلت استيعابها، وبفضله أصبحنا نستعمل عبارات: مُهَبّتْ، ناماستي، مهارجا…
ذات مساء تحرك الشارع بقوة، مذياع واحد في مقهى أطلقنا عليه اسم «بن بلة» لأن صاحبه عاد من الجزائر، وتلفاز وحيد في مقهى بالشارع الرئيسي سماه صاحبه الدار البيضاء. نتزاحم كل مساء لمشاهدة مسلسل «طارزان العادل» أو واحدة من مقابلات كرة القدم الإسبانية.
يعلن الراديو أن الجزائر حصلت على استقلالها، وهو ما يعني بالنسبة لنا نحن سكان أزغنغان فقدان مكون رئيسي، محاربو الجيش الجزائري الذين منحهم المغرب، لإيوائهم، الثكنة التي بناها فرانكو. كان الضباط الجزائريون يقضون جزءاً من أيامهم أمام صاحب محل بيع السجائر الرايس بومدين، اختاروه لأنه رئيس البلدية وبالصدفة يحمل اسماً يحيل على واحد من زعماء جبهة التحرير الجزائرية.
كان بومدين يمارس إلى جانب مهنته كبائع للسجائر والعطور ومواد زينة النساء، مهمة رئيس البلدية. كان نشيطاً، عملياً، ودوداً، لم نكن نفهم كيف ومن اختاره، ولكنه لحدود تلك اللحظة يطبع المدينة باسمه.
وقفنا محمد وأنا، بجانب الطريق نترقب وداع الجيش الجزائري للثكنة، في لحظة ما، مرت الحافلات، انطلقت الزغاريد والمناداة «تحيا الجزائر»، تقف الشاحنات في باب المسجد، وأمام دكان بيع السجائر، يعانق الجميع الرايس بومدين بحرارة، تنزل الدموع من عينيه، يمسحها لحين مرور شاحنة أخرى.
خلت المدينة من جيشها، بقي إسبانيون قليلون يمارسون مهنهم، يتذكر الجميع يوم فكر «خواكين» أخ كارمن في الهجرة إلى اسبانيا، غاب شهراً واحداً ليعود إلى أزغنغان، تجمع حوله الشباب، وهو يحكي ظروف العيش هناك، أخذ يكرر كلما سأله أحد عن سر غيابه: «لن تجد معيشة أزغنغان أينما ذهبت ولن يفارقني مع صديقي الفقير إلا موته أو موتي»، تصيد الموت الفقير وهو يمارس هوايته المفضلة، لعبة كرة القدم.
بلغت شظايا الصراع بين مكونات الحركة السياسية المغربية، أزغنغان. جاء خبر مؤكد أن مؤذن المسجد أصابته وهو يؤذن لصلاة الفجر حجرة كبيرة في جبهته فأردته على الأرض على علو يفوق 15 متراً. فزع الجميع، اجتمعوا حول المستشفى، خرج الممرض يعلن أن الضحية ستُنقل بفعل خطورة الإصابة إلى المستشفى المركزي بالناظور. تمضي الشهور، وينسى بعدها المؤذن الواقعة، بعد أن عانى من أثار السقطة، لكنه حافظ على الحجرة سنوات بعد ذلك، كان يجيب كلما سئل عن حقيقة ما وقع، بلا كلل ولا ملل: «عفا الله عما سلف» و«أن الله يمهل ولا يهمل».
نسي السكان بصعوبة ثوار الجزائر، الذين تركوا الثكنة بعد أن حطموا الأبواب والنوافذ، وحملوا كل ما يحمل ولم يتركوا للسكان ما يذكرونهم بهم.
وحده الرايس بومدين حفاظاً على العهد، استمر يحث الناس على ذكرهم بالخير، وبلغ به الحد أن أخرج سنةً بعد مغادرتهم وبمناسبة عيد الاستقلال علم الجزائر ووضعه بجانب العلم المغربي في باب دكانه.
فرقت بيننا المسافات وتركنا أزغنغان لأهله، كانت تصلنا أخبار متفرقة عن العائلات وأحوال الناس، إلى أن جاء خبر إجراء أول انتخابات جماعية، كانت المفاجأة، الرايس بومدين قرر عدم خوضها، فهو يعتبر نفسه رئيساً للجميع، وأن هذه الرئاسة لا يمكن أن تكون محل خلاف بين سكان البلدة.
تغير الزمان والمكان وحل أناس جدد وجاء الجفاف وشحت الأمطار لتتغير تبعاً لذلك مسارات العيون والوديان. تزامن ذلك مع وصول أموال جديدة قادمة من دول أوروبا بفعل هجرة السواعد. تغير كل شيء إلا محل الرايس بومدين، مات وتركه لابنه، حافظ على شكله ورونقه، ولازال السكان إلى اليوم يسمونه بمحل الرايس بومدين، وإن كانت أغلبيتهم لم يعرفوا الرجل.
(مهدى إلى مربي الأجيال الأستاذ مصطفى القضاوي)

تعليق واحد

  1. رائع أستاذنا الفاضل … فعلا مازال الدكان كما وصفته .. وإن لم تضفه إلى صاحبه فلن

    يعرفه أحد .. إنه دكان الرايس .

    كما نطلب من أستاذنا الفاضل المزيد مما تزخر بها مدينة أزغنان من ذكريات مجيدة

    عرفتها هذه المدينة المجاهدة .

    تحية عطرة ملؤها المحبة والمودة لأستاذنا الفاضل : عبد الوحيد خوجة ابن أزغنان

    محمد اليوزوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *