منبر الرأي، حول معتقلي الفيسبوك بالناظور: القُبْلًةُ التي عرت المستور

بقلم: خالد الوليد
لم يكن يتوقع المراهقان المسكينان اللذان نشرا صورتهما على الفايسبوك وهما يقبلان بعضهما، أن يتطور الأمر إلى كل ما تطور إليه، ويأخذ هذا المنحى السيئ الذي أخذه..قبلة بريئة نشرها طفلان بريئان لم يحسبا حسابهما قبل الإقدام على فعلتهما، ونيسا أنهما يتواجدان وسط مجتمع يقال عنه “محافظ متشدد”، تحولت إلى قضية وطنية ودولية بسبب التهويل الإعلامي، بعد تناول الإعلام للمسألة من زاوية ضيقة تخدم أهدافا معنية، وقامت عدد من المواقع الإخبارية بالتشهير بالضحيتين وكأنهما ارتكبا جريمة ، حيث أضن أن مواقعنا الإلكترونية قد سقطت سهوا في خطأ لا يغتفر عندما فضلت التسويق على الضمير المهني.. إلى أن أصبح المسكينان محط الأنظار وسلطت عليهما كل الأضواء حتى نالا وابلا من التهجم والإنتقاد وصل معه الأمر إلى درجة إقدام تلك المنظمة المجهولة الأهداف، على متابعتهما قضائيا.
أعلنت منذ الوهلة الأولى، بعد علمي بنبأ اعتقال المعنيين، تضامني المطلق واللامشروط مع المراهقين في محنتهما وهما يواجهان أربع سلطات لا ترحم: القضاء، الإعلام، الدين والمجتمع.. تضامن أردت من خلاله التعبير عن رفضي التام لكل أشكال التضييق على الحريات الفردية للأشخاص، خاصة المراهقين منهم ممن لم يستطيعوا بعد التمييز بين ما هو صائب وما هو خاطئ، فكان الأولى التركيز على القضايا الأساسية للأمة عوض التركيز على هكذا زلات بريئة من أطفال.
إن تضامني مع ناشري صورة القبلة لا يعني بالضرورة دفاعي عن الإخلال بالحياء العام ولا المساس بالأخلاق ولا الإعتداء على حريات الآخرين، فحريتك تنتهي عند بداية حرية الآخرين وواجب عليك احترام قناعات الآخرين وعدم المساس بمعتقداتهم، وإنما أردت من هذا التضامن استنكاري لهذا الكم الكبير من النفاق الإجتماعي الذي أضحينا نعيشه..فأسقطت تلك القبلة أقنعة أفراد هذا المجتمع وانكشف كيف يستر معظمنا ، أخطاءه ويهاجم أخطاء الآخرين كي يظهر بمظهر البطل المدافع عن المبادئ والأخلاق، حتى أضحينا نهاجم كل شيء كي ننال القبول في المجتمع ونتجنب كل ما قد يجعلنا معزولين حتى وإن علمنا في قرارة أنفسنا أننا نرتكب نفس الأخطاء، فنهاجم المقبل ونحن أول المقبلين..
في المقابل نجحت تلك القبلة البريئة، حسب ما عاينته على صفحات التواصل الإجتماعي وتعبيرات الأصدقاء والعامة في الشارع، في إظهار تعاطف شريحة كبيرة من أبناء الجيل الجديد مع المراهقين المعتقلين واعتبار هذا الإعتقال باطلا ولم يزد الطين إلا بلة، فعوض أن يقوم المجتمع والمدرسة والأسرة باحتضان الطفلين وتوجههما نحو الصواب بوسائل التربية الحضارية التي تقوم على النصح والكلام، قام هذا الأثلوث بمعاقبتهما أشد عقاب وهما لايدريان أي خطأ ارتكباه..كما كشف هذا التعاطف الكبير الرغبة الملحة من أبناء جيلي في التخلص من مظاهر هذا النفاق الإجتماعي الذي يعتبر إرثا ثقيلا، ويزيد من معاناة الأفراد في التعبير عن آرائهم بكل حرية.
لقد كشفت القبلة عن مظهر من مظاهر هذا النفاق، وأبرزت ما يفعله من ينتقدون كل شيئ لإحساسهم بالنقص، وإن كانوا هم أنفسهم يفعلون ما ينهون عنه، فالمنافق الإجتماعي تجده يبالغ في الخصومة، فإذا خاصم فجر؛ ينسب لمن يبغضه من الأخطاء ما لم يقم بها، ويهوِّل من بعض التصرّفات، ويسيء نيته في تفسير المواقف، فيجعلها خطايا لا تقبل المغفرة والمسامحة، بل ويقلِّل من أيّ فعل خير يقوم به من يبغضه، لأنَّه يرى أعمال الآخرين بنظارات سوداء قاتمة، لا ترى إلَّا ما هو أسود وقبيح.
قد أختلف مع المراهقين في نشرهما لصورة قبلتهما ربما لجهلهما بطبيعة معتقدات غالبية الأفراد أو لأنهما لم يعرفا لحبهما حدودا حتى نسوا الجميع، لكنني أطالب بإطلاق سراهما فورا كي يعودا لحياتهما العادية، لأنني أضن أنهما قد تعلما الدرس بطريقة شديدة، وليس لنا الحق في حرمانهما من مستقبلهما الدراسي والمهني والشخصي..وقد حان الأوان للتخلص من هذا المرض المستور الذي نعاني منه المسمى “نفاقا إجتماعيا” والذي كشفت عنه قبلة بريئة.
المخطئ الأول والأكبر هو الوكيل العام للملك الذي أعطى أوامره للضابطة القضائية من أجل إعتقال طفلين صغيرين وكأني بهم ارهابيون يهددون سلامة الوطن.أما المخطئ الثاني فهو السيد قاضي التحقيق لدى المحكمة الإبتدائية الذي تابع القاصرين في حالة إعتقال دون مراعاة أي ضرف كان وبطبيعة الحال السيد قاضي التحقيق في زمن إستقلالية القضاء تلقى أوامر عليا من الوزارة الوصية من أجل تفعيل مسطرة الحراسة النظرية في حق الإرهابيين الصغيرين و لمن يقول أن ما وقع إخلال بالحياء العام نقول أن شروط الإخلال بالحياء العام هو تواجد شخص ثالث أو أكثر مع الشخصين المختليين كشاهد ضحية خدش حيائه لم شاهد و عليه فإن الشاهد الثالث هو شخصيا أن يتقدم لدى السلطات بشكاية ضد الإرهبيين أقصد ضد العاشقين القاصرين و في هذه الحالة لا وجود لشاهد ثالث أو شكام كما يحلو لي تسميته شخصيا إذن ضروف الجريمة سقطت و بالتالي لا إدانة في الموضوع لغياب شكاية من شخص حضر الواقعة و لغياب التلبس.يحكى أنه في عهد عمر إبن الخطاب أتاه شكام فأخبره أن في البيت الفلاني أشخاص يعاقرون الخمر فماكان من عمر إلا أن توجه شخصيا إلى ذاك البيت فتسلق عمر صور البيت فإذا بأصحاب البيت يقولون له يا عمر الا تحترم حرمة البيوت فمكان به إلا أن إعتذر و منذ ذاك الحين صار يوصي بحرمة البيوت و اليوم نوصي بحرمة الفايسبوك فمن تجرأ و تلصص على صفحة احدهم و قام بسرقة محتوياتها دون إذن صاحب الصفحة كمن دخل بيتا دون إذن و سرق محتوياته و بالتالي يجب معاقبته و تطبيق الحد عليه بقطع يده…وفي النهاية نقول إن اعتقال القاصرين الثلاث عن “قبلة الفايسبُوك” بالناظور يعتبر شططا و اعتداء على الطفولة أولا و خرقا سافرا للحريات الشخصية للمواطن المغربي، وعليه فأن وزير العدل والحريات مصطفى الرميد “يجب أن يهتم بما يهدد الأمن العام ويصدر أوامره بتنظيف الشوارع من اللصوص و قطاع الطريق، والرشوة والفساد، عوض وضع قاصرين رهن المراقبة القضائية كأنهم مجرمون سيفرُّون خارج أرض الوطن من أجل قبلة”.إذا كانت القبلات جريمة يعاقب أعاليها القانون فإن 40 مليون مغربي يجب أن يوضعوا دون إستثناء تحت الحراسة النظرية ورهن الإعتقال.أم أن مظهر العري و الدعارة بأشكالها المستشرية في شوارع الرباط و الدار البيضاء و مراكش و اغادير عيني عينك حلال لأنها تشجع على السياحة و تستصب السياح و بالتالي فالمصلحة العامة تبيح المحضورات و لكن قبلة طفلين قاصرين تخدش الحياء العام و تمس كرامة المواطن المغربي…منذ متى كان العشق ارهابا و منذ متى كان الحب جريمة و منذ متى كان القاصرون مجرمين و منذ متى صار التقبيل كالتجارة في المخدرات الصلبة.يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.