بلعربي يكتب: حماقات غير عادية

أريفينو : 01 شتنبر 2025


لم يعد يشغلني شيء سوى ذلك الرجل الذي ظهر فجأة في البلدة قبل أشهر. لا أحد يعرف من أين أتى، ولا ما الذي يحمله بين طيّات أيّامه. كان يجوب الأزقّة كالتائه، يهمس بأبياتٍ لأبي العلاء المعري، كأن الشعر دليله الوحيد في هذه الحياة.

ذات صباح سمعته يناجي ربّه بكلمات لم أسمع مثلها من قبل. منذ تلك اللحظة بدأت أتبعه بصمت، كما لو كنت أقتفي أثر شيء ضاع منّي منذ زمن بعيد.

وبيني وبين نفسي دار حديث:
— لِمَ كل هذا الاهتمام بذلك الأحمق؟
— لأن حماقاته ليست عادية.
— وهل هناك حماقات عادية وأخرى غير عادية؟
— طبعًا. هناك حماقات توحي بعبقرية صاحبها.
— وأي حماقات تلك؟
— لن ترقى لفهمها… لا تُهدر طاقتك.
— تقصد أنني لن أفقد عقلي؟
— فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف تفقد ما لا تملك؟

شرد بصري في المكان كأنني أراه لأول مرة، ثم عدت إلى أوراقي بصمت ثقيل. تلك الليلة كانت المدينة تختنق، كأنها نسيت كيف تتنفس. تبعته في العتمة حتى توقّف أمام مبنى مهجور، نصفه غارق في الظل، والنصف الآخر تتلاعب به مصابيح الشارع الخافتة. جلس على العتبة، أشعل سيجارة كأنها طقس يوميّ لا مجرّد عادة عابرة.

اقتربتُ منه، فقال دون أن يلتفت:
— كنت أعلم أنك ستتبعني.
— ولماذا لم تمنعني؟
— لأني لا أمنع أحدًا من ارتكاب حماقته الخاصة.

جلست على بُعد خطوات وسألته:
— هل أنت مجنون أم عبقري؟
ابتسم وزفر الدخان ببطء:
— وهل هما نقيضان؟ أظنك ما زلت تؤمن بتصنيفات البشر.
— وما الخطأ في التصنيفات؟
— الخطأ أنك حين تُصنّف، تفقد التفاصيل… فتبتعد عن الحقيقة.

صمت قليلًا، ثم سألني فجأة:
— لماذا تكتب؟
ارتبكت. لم أطرح هذا السؤال على نفسي من قبل. قلت بعد تردد:
— ربما لأني لا أجيد شيئًا آخر.
ابتسم ابتسامة باردة وقال:
— لا. أنت تكتب لأنك تخاف أن تُنسى. تخشى ألا يترك وجعك أثرًا.

ثم نظر إليّ بعينين تشعّان بين الجنون والنبوءة:
— الحماقة الحقيقية ليست أن تكتب ما لا يفهمه أحد، بل أن تكتب ما يفهمه الجميع… لدرجة أنه لا يغيّر شيئًا.

شعرت بشيء ينهار داخلي. كأنني أدركت فجأة أنني قضيت سنوات أملأ الصفحات بما لا يتجاوز جدران غرفتي.

نهض، رمى عقب سيجارته، وقال وهو يبتعد:
— لا تتبعني هذه المرة.

ترك وراءه رائحة دخان، وسؤالًا أثقل من قدرتي على حمله.

عدت إلى بيتي، وجلست في ركني الموحش أحتسي قهوة داكنة كسواد تلك الليلة. فتحت دفتري، لكن الكلمات خانتني. عندها، سمعت طرقات على الباب. هرعتُ لفتحه، فإذا بريحٍ عاتية تقتحمني، تحمل ورقة صفراء التصقت بالأرض. التقطتها بيد مرتجفة، فإذا عليها مكتوب بخطّ مألوف حدّ الارتباك:

“الحماقة أن تكتب ما يفهمه الجميع… فلا يتغيّر شيء.”

تجمّدت في مكاني أتأمّل الخط… كان يشبه خطّي تمامًا، مع اختلافٍ طفيف، كاهتزاز ظلّ في مرآة مضطربة.

أغلقت الباب وعدت إلى عزلة أثقل من الصمت. وضعت الورقة على مكتبي، وبقيت تراقبني كعينٍ لا تنام. ومنذ تلك الليلة، لم أعد أعلم: أكنتُ أتبعه حقًّا… أم أنه كان يسكنني منذ البداية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *