زيارة وزير الصحة إلى إقليم الدريوش : وعود بالإصلاح أم محاولة لامتصاص الغضب الشعبي؟

أريفينو : 18 شتنبر 2025
في سياق وطني يشهد تصاعداً لوتيرة الاحتجاجات حول تردي الأوضاع الصحية في عدد من المدن والمناطق، حلّ وزير الصحة والحماية الاجتماعية،السيد أمين التهراوي،صباح يوم الأربعاء 17 شتنبر الجاري،بمدينة الدريوش،في زيارة ميدانية تندرج ضمن جولة تشمل عدداً من أقاليم المملكة،بهدف الوقوف على واقع المنظومة الصحية وبحث سبل تحسينها.
غير أن هذه الزيارة، وإن حملت في ظاهرها بشائر إصلاح،فقد أثارت أيضاً عدداً من التساؤلات الجوهرية حول مدى جدية الوزارة في تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة.
التزامات رسمية وتجاوب مع مطالب محلية
استهل الوزير زيارته بلقاء مع عامل إقليم الدريوش، السيد عبد السلام فريندو، الذي قدم عرضاً مفصلاً حول الإكراهات التي تعيشها المنظومة الصحية بالإقليم، وفي مقدمتها الخصاص المهول في الموارد البشرية الطبية وشبه الطبية،فضلاً عن تأخر تجهيز عدد من المرافق الصحية، وعلى رأسها مركز طب الإدمان، الذي أنجزته المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لكنه لا يزال ينتظر التجهيز والتفعيل.
الوزير أعلن خلال هذا اللقاء التزام وزارته بتخصيص الميزانية اللازمة لتجهيز مركز طب الإدمان في الأسابيع المقبلة، كما أكد مساهمة وزارته في إخراج مشروع مركز الأمراض العقلية والنفسية إلى حيز الوجود، وهو المشروع الذي اقترحه عامل الإقليم لما له من أهمية في محاربة الإدمان وتوفير فضاء صحي للعلاج وإعادة الإدماج.
جولة ميدانية كشفت الواقع الصعب :
عقب اللقاء الرسمي، قام الوزير بجولة ميدانية شملت المستشفى الإقليمي بالدريوش ومستشفى القرب بميضار،حيث وقف على واقع هذه المرافق عن قرب، واطلع على نوعية الخدمات المقدمة للساكنة،والإكراهات البنيوية والتنظيمية التي تحد من جودة الخدمات الصحية.
وقد أعلن الوزير في ختام جولته عن تخصيص فوج جديد من الأطر الطبية وشبه الطبية لتعزيز الموارد البشرية بالإقليم،وهي خطوة إيجابية من حيث الشكل،لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة المشاكل البنيوية العميقة التي يعاني منها القطاع الصحي محلياً ووطنياً.
شباب الإقليم يكشفون المستور :
ما ميز هذه الزيارة أيضاً، هو التفاعل المباشر بين الوزير وعدد من شباب الإقليم، الذين لم يترددوا في طرح الإشكالات الحقيقية التي تحول دون تمتع المواطنين بحقهم الدستوري في الصحة، وفي مقدمتها غياب الحكامة، وتراكم المسؤوليات في يد شخص واحد، حيث يشغل المندوب الإقليمي للصحة منصب مدير المستشفى الإقليمي في الآن ذاته، ما يُثير علامات استفهام حول فعالية التدبير والرقابة، واهتمام الوزارة بمصالح المواطنين.
هل سيتم تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
زيارة وزير الصحة إلى إقليم الدريوش، رغم ما حملته من التزامات، لم تُخفِ حالة الترقب والشك في صفوف المتتبعين والساكنة، الذين ينتظرون اليوم أكثر من مجرد وعود.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إحداث مراكز أو تعزيز الموارد،بل في محاسبة المسؤولين المقصرين، وإنهاء حالة التسيب الإداري، وتعيين مدير رسمي للمستشفى الإقليمي بالدريوش يكون مسؤولاً أمام المواطنين ومحاسباً عن أدائه.
في هذا السياق، تُطرح تساؤلات مشروعة :
هل ستكون هذه الزيارة بداية فعلية لإصلاح جذري للقطاع الصحي بالإقليم؟
أم أنها مجرد محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتزايد، كما حدث في مدن مغربية أخرى؟
وهل ستفي الوزارة بوعودها في الأجل القريب، أم أن التنفيذ سيبقى حبيس المكاتب؟
بين الوعود والواقع… المواطن ينتظر
إن الحق في الصحة ليس ترفاً ولا امتيازاً، بل حق دستوري تكفله المواثيق الوطنية والدولية، وأي تهاون في ضمان هذا الحق، خاصة في المناطق المهمشة، يُشكل إخلالاً صريحاً بمبدأ العدالة الاجتماعية.
أمام وزارة الصحة اليوم فرصة لإثبات الجدية، من خلال تفعيل القرارات المعلنة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعيين مسؤولين أكفاء، قادرين على خدمة المواطن لا خدمة مناصبهم.
وإلا، فإن فقدان الثقة في الوعود الرسمية سيزداد، وستبقى زيارات الوزراء مجرد صور بروتوكولية لا تغير شيئاً من واقع الانتظار والوجع داخل المستشفيات.
























