هل تعمق مدارس الريادة الفوارق التعليمية أم تمهد لإصلاح حقيقي؟

أريفينو : 10 شتنبر 2025
أشعل تصريح مديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، وفاء شاكر، حين اعتبرت أن “تلميذا واحدا من مدارس الريادة يعادل مستوى ثمانين تلميذا من باقي المدارس”، موجة واسعة من الجدل تجاوزت حدود النقاش التربوي إلى الفضاء السياسي والإعلامي، واضعة مشروع “مدارس الريادة” مرة أخرى في قلب عاصفة الانتقادات والتساؤلات حول فلسفته وجدواه.
فالتصريح الذي أدلت به المسؤولة خلال مرورها على قناة “ميدي 1 تيفي”، جاء متزامنا مع الدخول المدرسي، ليعيد طرح سؤال قديم جديد حول العدالة التعليمية ومبدأ تكافؤ الفرص بين أبناء المغاربة، خصوصا في ظل ما يراه البعض تمييزا صريحا بين المتعلمين على أساس المدرسة التي يدرسون فيها.
ورغم أن المديرة الجهوية حاولت الاستناد إلى تقييمات أظهرت تقدما ملحوظا لتلاميذ مدارس الريادة بنسبة 30% في اللغة الفرنسية، و28% في الرياضيات، و22% في اللغة العربية، مقارنة بغير المستفيدين من البرنامج، فإن طريقة صياغة تصريحها وما حمله من إسقاطات رمزية أثارت صدمة في أوساط واسعة من الفاعلين التربويين والسياسيين، الذين اعتبروا أن الأمر ينطوي على نزعة تسويقية أكثر من كونه تقييما علميا يستند إلى مؤشرات دقيقة.
فقياس أثر أي إصلاح تربوي لا يُختزل في نسب عامة أو مقارنات مبسطة، وإنما يحتاج إلى دراسات معمقة تشمل نسب النجاح، مؤشرات جودة التعلمات، تقارير تقييم دولية من قبيل “بيزا”، ومقاييس الكفايات الأساسية التي تُمكّن من رسم صورة واقعية عن التحولات داخل المنظومة التعليمية.
هذا الجدل لم يظل محصورا في الوسط التربوي، بل انتقل بسرعة إلى البرلمان، حيث اعتبرت نائبات عن فريق الأصالة والمعاصرة، من بينهن نادية بزندفة وقلوب فيطح، أن التصريحات المذكورة تعكس نظرة تمييزية تمس بمبدأ المساواة الذي نص عليه الدستور في فصله 31، مؤكدات أن اقتصار تجربة الريادة على مؤسسات محدودة يُعمّق الفوارق الاجتماعية والمجالية بدل تقليصها. كما استحضرت هذه المداخلات الخطاب الملكي الأخير، الذي شدد على مضاعفة الجهود للنهوض بالمدرسة العمومية وضمان تعليم منصف وذي جودة لجميع التلاميذ دون تمييز، بما يجعل من تعميم هذا النموذج بشكل عاجل ضرورة ملحة، لكن شريطة أن يتم وفق رؤية متوازنة تراعي العدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي.
في المقابل، تواصل وزارة التربية الوطنية الدفاع عن المشروع بأرقامه الرسمية، مؤكدة أن عدد المؤسسات المنخرطة ارتفع هذه السنة إلى 4626 مؤسسة ابتدائية، أي بزيادة تقارب 2000 مؤسسة مقارنة بالسنة الماضية، وأن عدد التلاميذ المستفيدين ناهز مليوني متعلم، مقابل 1.36 مليون السنة السابقة. كما ارتفع عدد الإعداديات المنخرطة إلى 786 مؤسسة، بما يشمل أزيد من 677 ألف تلميذ، أي بزيادة تقارب نصف مليون في ظرف موسم دراسي واحد. وترى الوزارة أن هذه الأرقام تعكس دينامية توسع متسارعة تعزز مكانة المشروع في قلب سياسة إصلاح التعليم.
غير أن الفاعلين التربويين يصرون على أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها للحديث عن نجاح التجربة، إذ إن جوهر الإشكال يكمن في محدودية شموليتها، حيث لا تزال نسبة المؤسسات المنخرطة ضعيفة إذا ما قورنت بإجمالي المدارس العمومية بالمملكة، ما يجعل استفادة أغلب التلاميذ رهينة بظروف مجالية واجتماعية لا يملكون فيها أي قرار. هذا التفاوت، برأي المنتقدين، يكرس منطق “مدارس للنخبة” وأخرى لباقي أبناء المغاربة، وهو ما يتناقض مع جوهر الإصلاح المعلن الذي يهدف إلى تقليص الفوارق وضمان الإنصاف.
كما أن الخطاب التسويقي الذي رافق المشروع منذ انطلاقه، والذي ارتكز على إبراز تجارب “رائدة” في عدد محدود من المؤسسات، قد ساهم في إبعاد النقاش العمومي عن القضايا البنيوية العميقة التي تواجه المدرسة المغربية، مثل الاكتظاظ، ضعف التكوين المستمر للأساتذة، قلة الوسائل البيداغوجية، وتفاوت البنيات التحتية بين الوسطين القروي والحضري. لذلك، فإن اختزال النقاش في نسب مئوية أو تصريحات مثيرة للجدل، لا يخدم الإصلاح بقدر ما يضعه في موقع دفاعي أمام الرأي العام.
في خضم هذا الجدل، يبرز سؤال أساسي: هل يمثل مشروع “مدارس الريادة” مسارا إصلاحيا استراتيجيا قابلا للتعميم والاستمرارية، أم أنه مجرد تجربة جزئية ذات أثر محدود قد تُنتج في النهاية مزيدا من الفوارق التعليمية؟ الإجابة عن هذا السؤال تظل رهينة بقدرة الوزارة على توفير رؤية شمولية متكاملة تراعي العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتُجنب المنظومة التربوية خطر الانزلاق نحو ثنائية مدارس “متميزة” وأخرى “متروكة”.
وبينما تواصل الوزارة استعراض أرقامها الإيجابية، فإن الشارع التربوي والبرلمان ومعظم المتتبعين يطالبون بأكثر من ذلك: بخطة إصلاحية متينة تضع التعليم العمومي، بجميع مدارسه، في صدارة الأولويات الوطنية، وتجعل من تكافؤ الفرص لا مجرد شعار، بل حقيقة معيشة على أرض الواقع.