كنت مسئولاً

بقلم : فكري ولدعلي
fikri_press@hotmail.fr
يا لغدر الزمان، كنت مسئولا ولا اعرف عما إذا كنت مسئولا، رأيت الناس يتوددون إلى الضحكات من كل جانب ترف، هاتفي كان مفتاح الخير، اختار من المكالمات ما أشاء وأتخير بينها، أتجنب دائما ما كان منها غير معروف حتى لا اصطدم بمواطن يطلب أو بشخص يتوسط أو…أو…

…كنت مسئولا وأحس بطعم الحياة المختلف حتى ملابسي غادرتها وتخليت عنها، قمصاني لا يصل فيها الزر موضعه حتى أحس ببطني الإسفنجي يستغيث. كنت لا أتمكن من الركوع في الصلاة إلا بمشقة الأنفس لذلك اكتفي بصلاة يوم الجمعة أسوة بباقي المسئولين حتى أنها مناسبة لاستعد للعراضات التي لا تنقضي فالدعوات ترف علي من كل حدب وصوب، حتى سيارتي عفوا سيارتهم صممت خصيصا لأمثالي فهي مزودة بنوابض غير عادية حتى تتمكن من حمل جثتي الضخمة شحما ولحما وإثما… أما ان حدثتكم عن أذني فذاك شان آخر فهي لا تسمع إلا الأرقام وكنت أتبادل المصالح مع أقراني وكان نفعها لا بأس به فكسبت وكسبت، كنت معفيا من كل شيء يدفعه الآخرون ولا ضرائب ولا أداء في محطات البنزين ولا حتى في البراجات، أضواء المرور كانت مصممة لغيري، كنت محصنا حصنا حصينا، أتلهف إلى رؤية منهم في حاجة إلي ولكن من بعيد أطل من نافذة مكتبي لأجد الصفوف والوجوه الشاحبة الحاملة لتعابير اليأس تنتظر، إذاك أتمدد على الكرسي المصمم خصيصا على مقاسي، وأكتفي بالضغط على الزر ليحضر أمين سري وحامل حقيبتي ليعطيني نشرة الإخبار وكل ما يدور في الساحة وكنت أستعجب منه حتى سوق البورصة كان على علم به، وكان يغمرني بحنانه فيوصيني أن أستقبل هذا وأن أتجنب ذاك، في الحقيقة اشتقت إليه.

كنت لا أبالي بالوقت فهو ملكي فانا لا أرى من اليوم إلا نصفه التحتاني التحق بعملي على الساعة الحادية عشر صباحا تقريبا وهو رقم حظي آنذاك، حيث أبدا التعربيد والنشاط في نفس الساعة ليلا. أذكر أنني قررت يوما النوم باكرا واستقبال الناس بكل بساطة ومحاولة تقديم يد العون لهم. قررت الوقوف احتراما للبراجات وللأضواء الثلاثة التي تذكرني بمحنتي فقد بدأت حياتي بالأخضر وها أنذا أنتهي بالأحمر. وقررت تأدية ما علي من ضرائب والرد على المكالمات، وقررت أن أقلل من العراضات وممارسة الرياضة، لكن وا أسفاه بالضبط، في ذلك اليوم الذي قررت فيه ذلك وجدت نفسي غير مسئول. لقد انتهت مدة صلاحيتي وأصبحت غير صالح للاستهلاك الآدمي، وا رباه هل سأباع في السوق السوداء ؟. أم سألتحق بأقراني خارج الحدود؟ مع العلم أنه لا أتوفر على حساب في سويسرا. هل سأكون موضوع صفقة؟ هجمت على رأسي أسئلة عديدة واكتفيت بالخلود للنوم وترديد المثل الشائع (لو دامت لك ما وصلت إليك يا مسئول).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *