أساتذة المغرب..من مدرجات الجامعة الى اليوتيوب؟؟

ولج في السنوات الأخيرة، العديد من الأساتذة الجامعيين، خاصة مدرسي تخصصات العلوم الاجتماعية القانونية والإنسانية، لمنصة “اليوتيوب”، منشئين قناة خاصة بهم، ينشرون فيها مقاطعا تتضمن أراءهم حول مختلف قضايا الشأن العام بالمغرب، تكون أحيانا بعيدة جدا عن مجال تخصصهم الأكاديمي.
تكاثر الظاهرة مؤخرا وانتشارها، طرح العديد من التساؤلات والتفسيرات المتناقضة أحيانا، بين من يرى فيها ظاهرة طبيعية وعادية، بل حتى محمودة على اعتبار الأساتذة الجامعيين مواطنون مغاربة في آخر المطاف ولهم كامل الحق في الإدلاء عن تصوراتهم الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي.
وبين من يرى فيها تعبيرا صريحا عن أزمة البحث العلمي بالمغرب، معتبرين – أصحاب هذا الرأي – أن الأساتذة الجامعيين هم نخبة المجتمع وأن مكانهم الطبيعي هو الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات، وأن منتوجهم يجب أن ينصب على إصدار دراسات أكاديمية متجددة تعالج وفق مناهج بحث صارمة، الأزمات والأعطاب التي يعاني منها المجتمع، وأن ولوجهم لهذه المنصة والتحدث فيها دون التقيد الصارم بمناهج وأدبيات البحث العلمي المميزة للأساتذة الباحثين عن سواهم، مرده الرغبة في الشهرة وتحصيل دخل مادي إضافي على حساب الجامعة والبحث.
وسائل التواصل الاجتماعي مخصصة لـ “البوليميك” والأستاذ مكانه الجامعة
اعتبر أستاذ علم السياسة، عبد الحميد بن خطاب، أن “قنوات التواصل الاجتماعي ليست مخصصة للبحث ومناقشة الدراسات الأكاديمية العلمية، وإنما هي موجودة في الأصل لـ “البوليميك”، والسجال السياسي وسجال الشارع”.
ورأى الخبير في الدراسات السياسية والدستورية، بأن مكان الأستاذ الباحث الأساسي، هو “الجامعة ومراكز البحث، والمكتبات، وأن الانفتاح غير المشروط وعلى وسائط التواصل الافتراضي من شأنه أن يقلص من اهتمام الأستاذ بالبحث العلمي، ويؤدي به لقضاء ساعات طويلة أمام شاشة هاتفه وقناته مما لا يبقى له الوقت الكافي للبحث والإنتاج الأكاديمي، خاصة وأن التواجد في “اليوتيوب” يأخذ الكثير من الجهد الذي سيكون حتما على حساب التدريس والبحث العلمي”.
فئة من أساتذة “اليوتيوب” أساؤوا للبحث العلمي ولحرمة الجامعة
يرى ذات الخبير في العلوم السياسية، أن الإشكال الذي يُطرح في هذ الصدد، هو “هل يجب على الأساتذة الجامعيين أن ينعزلوا عن السجال العمومي، أم أنه يجب عليهم أن ينفتحوا على ما يدور في الشارع؟” مؤكدا انقسام فئة الأساتذة الباحثين بين من اختار التقوقع خلف جدران الجامعات، وبين من ارتأى التوجه نحو خطاب الجماهير ونحو أكبر عدد ممكن من المواطنين.
وأضاف أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس، أن “الفئة الثانية التي هي موضوع النقاش، تنقسم بدورها لصنفين، صنف رغم ولوجه لوسائل التواصل الاجتماعي، فإنه حافظ على سمعة ومكانة الباحث والأستاذ الجامعي في المجتمع، من خلال طرحه مواضيع رزينة وبصبغة أكاديمية، وهناك صنف ثاني، ممن يسمون أنفسهم أساتذة باحثين، الذين اتجهوا كليا نحو أنشطة التواصل الاجتماعي، دون التقيد بشروط البحث العلمي وقواعده”.
واعتبر بنخطاب أن الصنف الأخير من الأساتذة الجامعيين، “أضروا كثيرا بالبحث العلمي، إذ يبث بضعهم الدرس الجامعي ومحاضراتهم المُقدمة للطلبة داخل مدرجات الكلية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو أمر مخالف أولا لأخلاقيات المهنة على اعتبار الدرس الجامعي درس مؤسساتي ومخصص لفئة من الطلبة المسجلة بشكل قانوني داخل الجامعة، وثانيا كونه يشكل خطرا كبيرا لانتهاكه حرمة الجامعة وللدرس الجامعي بهكذا تصرفات بحثا عن المال والشهرة، ولو على حساب الجامعة والبحث العلمي، وإذا لم يتم الحد من هذه التصرفات فإن الجامعة ستتحول لـ “جامع الفنا””.
ولوج الأستاذ الباحث لليوتيوب ظاهرة محمودة لكن بشروط
من جهته، اعتبر محمد عبد الوهاب العلالي، أستاذ المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، “أن وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة اليوتيوب، أصبحت تتيح على نحو واسع، للخبراء وأساتذة الجامعات والسياسيين والأدباء والفنانين وغيرهم، إمكانية تواصل واسع مع جمهور عريض والمساهمة الواسعة في التنشئة السياسية والثقافية والتعليمية في مختلف المجالات للجمهور الواسع”، مؤكدا أن تكنولوجيا المعلومات والاتصال تتيح على نحو واسع نشر الآراء والتعبير عن وجهات النظر المختلفة وتطوير النقاش العمومي حول قضايا مجتمعية هامة
وشدد منسق ماستر التواصل السياسي والاجتماعي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، على “ضرورة تقيد الأساتذة الباحثين، عند لجوئهم إلى شكل من أشكال التواصل مع الجمهور وتبسيط المعارف، بمعايير النزاهة العلمية وتقديم معلومات دقيقة وصحيحة وشفافة إلى الجمهور الواسع وعدم التلاعب بالبيانات واستخدام مصادر غير موثوقة. فتقديم الخدمة العامة للجمهور تفترض نشر معلومات دقيقة وصحيحة، يمكن للجمهور الاستفادة منها وتوظيفها عل نحو واسع بشفافية مطلقة، وفي توضيح لمصادر المعلومات مع تجنب الإشاعات والأخبار الكاذبة وعدم التحيز وتضخيم الذات”.
البحث عن المال يفقد الأستاذ الباحث الكاريزما العلمية
اعتبر العلالي، أن بعض الدوافع، مثل البحث عن الشهرة الزائدة، والتأثير الاجتماعي، وتحقيق الأرباح، وبيع الجمهور لشركات الإعلانات لتحقيق مداخيل إضافية، والتسويق للإعلانات، واعتماد برامج التبرعات والرعاية، يمكن أن تجعل مثل هذه الممارسات نوعا من التسويق لا علاقة له بنشر وتبسيط المعرفة الإنسانية وإيصالها للجمهور الواسع كخدمة عامة”.
وأضاف رئيس شعبة البيئة الثقافية والتكنولوجيا للوسائط بذات المعهد، أن هذا يفضي إلى “مزالق تجعل الباحث والأستاذ الجامعي المتطلع لنوع واسع من التأثير على الرأي العام للحصول على أكبر عدد من التعليقات والإعجابات باستخدام مكانتهم الأكاديمية وجاذبيتهم الشخصية يسقطون في نسيان أو التخلي عن الطرائق العلمية وأساليب اكتساب المعرفة العلمية المعرفة العميقة للظواهر المختلفة المتأتية، من خلال نشر معلومات غير دقيقة وغير موثوقة وآراء ذاتية لا تستقيم مع الموضوعية وشروط إحترام الملكية الفكرية ولا الشفافية
