القطاع غير المهيكل .. تهديد للنمو الاقتصادي وهشاشة اجتماعية لليد العاملة

كشف تقرير حديث للبنك الدولي أن نسبة العمل غير الرسمي في المغرب تناهز 77.3 في المائة، وهي من النسب العليا في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وأشار التقرير إلى أن الاشتغال في وظائف غير رسمية لا يوفر مزايا الضمان الاجتماعي، كما يحد من إمكانيات العمال لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها أسرهم.

معطى القطاع غير المهيكل بالناظور خاصة تقر به أيضا المؤسسات المغربية الرسمية، وآخرها كانت المندوبية السامية للتخطيط، التي قالت إن 67.6 في المائة من إجمالي اليد العاملة غير مهيكلة، وأغلبها في القطاع الفلاحي.

وكانت دراسة أعدها بنك المغرب قبل سنوات قد أشارت إلى أن القطاع غير المهيكل يساهم بحوالي 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتنتج عن ذلك آثار سلبية مثل هشاشة العمل وغياب شبكات الحماية الاجتماعية والتهرب الضريبي، وبالتالي إعاقة النمو الاقتصادي.

وحول هذا الموضوع قال عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغرى والصغيرة والمتوسطة، إن ما كشفه البنك الدولي هو “الحقيقة الواقعية التي أصبح يعاني منها الاقتصاد المغربي في الأعوام الأخيرة، في ظل سياسة التسابق والمنافسة نحو جلب الاستثمارات الخارجية، وتشجيع المقاولات الكبيرة والمتوسطة، وترك أكثر من 95 في المائة من الاقتصاد الوطني المكون من المقاولات الصغرى تعاني العديد من المشاكل”.

وأبرز الفركي أن المشاكل التي تعانيها الشركات الصغيرة تشمل الضرائب والتأخر في الأداء، الذي يتسبب في إفلاس مقاولة صغيرة من أصل اثنتين، ناهيك عن غياب الولوج إلى التمويل والصفقات العمومية وغياب العقار.

وأضاف أن “قانون العمل لا يأخذ بعين الاعتبار المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يدفع بعضها إلى اللجوء إلى مستخدمين غير مصرح بهم وإلا لن تتمكن من الاستمرار”، لافتا إلى غياب برامج حكومية ملائمة وجادة لمعالجة هذه الظاهرة.

وأوضح أن جائحة “كورونا” وتوالي سنوات الجفاف وارتفاع معدلات التضخم ساهمت في ازدهار القطاع غير المهيكل حتى أصبح يشكل أكثر من 30 في المائة من النشاط الاقتصادي بالمغرب، واعتبر أن ارتفاع مؤشر الإفلاس يعني زيادة العمل في القطاع غير المهيكل.

وكان بنك المغرب قد اقترح عدة حلول لمعالجة ظاهرة القطاع غير المهيكل، من بينها إصلاح النظام الضريبي وجعله أداة لدمج هذا القطاع، من خلال نهج البساطة والتصاعدية وتقليل معدلات الضريبة وزيادة العبء الضريبي وفقاً لحجم الشركة؛ وهي سياسة نفذت بنجاح كبير في النمسا وكندا وفرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا.

ويلاحظ الفركي أن “السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة وغير المدروسة وعدم إشراك الفاعلين الاقتصاديين الحقيقيين في البرامج تؤدي إلى سلسلة من الإفلاسات، التي تعني زيادة القطاع غير المهيكل حتى أصبح ينافس بشكل غير عادل وغير شريف المقاولات الصغرى والصغيرة والمتوسطة”.

وحسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط، فإن قطاع الفلاحة يحتضن أكبر نسبة من اليد العاملة غير الرسمية، لما لهذا القطاع من وزن كبير في تحديد النمو، ويساهم بنسبة 12 في المائة من القيمة المضافة الإجمالية، ويشغل حوالي 40 في المائة من العمالة.

وذهب رئيس الكونفدرالية إلى وصف القطاع غير المهيكل بـ”السرطان” في جسم الاقتصاد الوطني، وقال إن هذا الوضع يتطلب “تضافر الجهود للحد منه عبر تقوية القطاع المهيكل المشكل من المقاولات الصغرى والصغيرة والمتوسطة، وإعطائه الامتيازات التي ينعم بها المستثمرون الكبار والأجانب”.

تهديد حقيقي
واعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في دراسة سابقة له، أشكال الاقتصاد غير المنظم، باستثناء الاقتصاد غير المنظم المعيشي، تهديداً حقيقياً للبلاد، خصوصاً عمليات التهريب والأنشطة الاقتصادية المستترة، التي تمارسها مقاولات مهيكلة عبر التصريح الناقص برقم المعاملات وعدد الأجراء.

وقد حاولت الحكومات المتعاقبة إطلاق برامج عدة لإدماج القطاع غير المهيكل، لكنها لم تكن مجدية بالنظر إلى مستوى التأهيل غير الكافي الذي يقصي العديد من السكان النشيطين من الاشتغال في الاقتصاد المنظم، وقلة فرصة الشغل اللائق والدائم بالعالم القروي، واستمرار الحواجز القانونية والتنظيمية التي تعيق الانتقال إلى القطاع المنظم، ناهيك عن صعوبات الولوج إلى التمويل والعقار وضعف المواكبة.

وينظر الكثيرون إلى الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة من منظار الإيجابية، حيث يرون أنها تمكن شرائح واسعة من الساكنة من إيجاد مصدر للعيش والهروب من البطالة، لكنها في الوقت نفسه تعمق الهشاشة في سوق الشغل، وتمارس منافسة غير مشروعة للمقاولات المنظمة، وتلحق الضرر بالاقتصاد الوطني بضياع مداخيل ضريبية مهمة.

ومع فشل البرامج الحكومية في خفض نسبة هذه الظاهرة، أقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو مؤسسة استشارية رسمية، بأن هناك نوعاً من التغاضي عن أنشطة الاقتصاد غير المنظمة توخياً لسلم اجتماعي هش، وهو تغاضٍ لا يتماشى مع فعلية سيادة القانون.

ولمواجهة الظاهرة، اقترح المجلس عدة مسالك، من بينها تحسين وضع المقاول الذاتي من خلال رفع العتبة القصوى لرقم المعاملات السنوي التي يمكن أن يصلها المقاول الذاتي، وتخويله إمكانية تشغيل اثنين أو ثلاثة أجراء، إضافة إلى وضع برنامج متعدد السنوات لمواكبة عملية تنظيم الحرف والمهن.

كما ورد ضمن المقترحات إحداث مناطق أنشطة اقتصادية، وملاءمة وتنويع وتيسير وسائل التمويل على أن يلعب صندوق محمد السادس للاستثمار أدوارا تشمل مسلسل إدماج الاقتصاد غير المنظم، واقتراح عروض تمويلية لفائدة الشباب والنساء بشروط أكثر تفضيلية.