رشيد الهاني ريفي يحمي مطار كوبنهاغن الدولي

طارق العاطفي و امين الخياري

رأى رشيد الهاني النور في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن سنة 1975، وسط أسرة منحدرة من منطقة الريف في المغرب، من تارجيست على وجه التحديد، وفي أحضانها اكتسب قدرة لا بأس بها على الحديث بالدارجة المغربية وفهم الكلام بالأمازيغية.

راكم الهاني، إلى حدود الآن، ما يناهز 18 سنة من العمل في جهاز الشرطة بالدنمارك، متدرجا بين رتب ومهام متنوعة، ليشغل منذ منتصف العشرية الماضية منصبا رفيع المستوى في المسؤولية عن ضمان الأمن بمطار كوبنهاغن الدولي.

الهدر اللغوي

يدين رشيد الهاني بالفضل في الحفاظ على لسان الوطن الأم إلى مكتسبات الممارسة في البيت ومع الأقارب خلال مرحلة الطفولة الأولى وفترة المراهقة، ويعترف بأن فكرة الإقبال على حصص تعلم اللغة العربية لم تكن تغريه حينها.

يقول الهاني: “ثقافتي المغربية ليست مصطنعة بتاتا، لم أحصل عليها إلا من خلال المنزل بتأطير من والدَي، وأيضا عبر التفاعل مع أفراد العائلة المستقرين هنا بكوبنهاغن”، ثم يزيد: “حرص أبي على تسجيلي في مبادرات مدنية تعلم اللغة العربية لأطفال الجالية المغربية، لكنني كنت أنفر منها للعب كرة القدم مع أقراني في الحي”.

وعلاقة بذلك، يتذكر رشيد أن هذا “الهدر اللغوي” كان يتم استدراكه على يد أمه بمجرد العودة إلى البيت؛ إذ كان مجبرا على التواصل بالدارجة المغربية والأمازيغية، ويعلق على ذلك بالقول: “كان ذلك مفيدا في زمن ما قبل القنوات الفضائية المغربية والهواتف النقالة وشبكة الأنترنيت”.

محاولة للتأطير

التزم ذو الأصل المغربي الريفي بطور التعليم الأساسي في الدنمارك، الذي تعادل مدته 10 مواسم دراسية محلية، ليقرر بعدها ارتياد معهد للتجارة والخضوع لفترة تدريب في المعاملات الإدارية، لكنه قرر تغيير الوجهة بعدها.

“أقبلت على دراسة العلوم البيداغوجية وتخصصت في إدماج اليافعين، وجاء ذلك بعدما انجذبت إلى رعاية طالبي اللجوء الذين يعيشون وسط المشاكل، راغبا في وضع بصمتي الخاصة ضمن قضايا أعرفها جيدا بحكم أصلي الأجنبي وما عايشته في المجتمع الدنماركي”، يورد رشيد الهاني.

ويضيف: “حاولت المشاركة في تأطير شريحة شبابية تنتمي إلى أسر تركز على العمل في الدنمارك من أجل العودة إلى الوطن الأم، حينها، وقد كانت المشاكل تحيط بها نتيجة التيه الذي تنخرط فيه، حاولت الاستفادة من طفولتي وما كنت مطالبا به من قبل والدي بالنأي عن المشاكل والتركيز في التمدرس”.

في الشرطة الدنماركية

يتذكر رشيد الهاني بأن ذوي الأصول الأجنبية لم يكونوا حاضرين بكثرة في الشرطة الدنماركية وقت طفولته، بينما كانت الفرحة تغمره إذا عبرت دورية أمنية الحي الذي يسكنه وردت عناصرها على التحية التي يبادر بإلقائها.

“في وقت لاحق، أدركت أن الدنماركيين من أصول أجنبية قادرون على إعطاء صورة إيجابية بالانخراط في الوظيفة الشرطة، واجتزت بنجاح مباراة الالتحاق بالأمن، كما أنهيت فترة التدريب بسلاسة قبل مباشرة العمل”، يصرح الهاني.

ويزيد المنتمي إلى صفوف “مغاربة الدنمارك”، ضمن تصريح له، أن الاختلاف يدفع الآخرين إلى طرح أسئلة من أجل المعرفة، ويفسر قائلا: “كانت هناك تساؤلات عن أصلي المغربي في جهاز الشرطة، حين أحضر طعاما مختلفا وقت العمل، مثلا، أستغرق وقتا في توفير أجوبة عن مكونات الأكلة ومذاقها، وحين يحتفل الجميع بنويل، يوم 24 دجنبر من كل سنة، أكون وذوو الأصول الأجنبية مثلي دون عطلة، ملتزمين بالمهام الموكولة للشرطة”.

إلى مطار كوبنهاغن

عقب التخرج في أكاديمية الشرطة، اشتغل رشيد الهاني في مصالح أمنية متعددة، وأبرز مهامهم في المراحل الموالية اتصلت بالشرطة المحلية والمعاملات الإدارية والاستعلامات العامة والشرطة القضائية، ثم قضايا اللجوء ومكافحة العصابات وتأمين الشخصيات الهامة التي تزور المملكة الدنماركية.

بابتسامة عريضة على محياه، يقول رشيد: “لم أتواجد سوى في موقعين اثنين، لم أنتسب أبدا إلى فرق الدراجين، كما أنني لم أعمل بمعية الكلاب المدربة لأنني أخاف هذه الكائنات بسبب حادث وقع في الطفولة خلال إحدى زياراتي إلى المغرب”.

“أعمل في مطار كوبنهاغن الدولي طيلة السنوات الـ7 الماضية، وأعتبر أن تموقعي في هذه المحطة الجوية جيد للغاية. طبعا، هناك مصاعب في أي مهمة مرتبطة بالمسؤولية الأمنية، لكن الإصرار على تخطيها يجلب نتائج إيجابية في النهاية”، يورد الهاني.

الصلاحيات الحالية

الرتبة الحالية لرشيد الهاني تحمل اسم “كوميسير” في جهاز الشرطة الدنماركية، وهي لا تعني مرادف الرتبة ذاتها في الأمن الوطني بالمغرب، بينما صلاحياته الحالية تجعلها في صف المسؤولية الأولى عن تأمين مطار كوبنهاغن الدولي.

ويكشف المنتمي إلى “مغاربة اسكندنافيا” أن العمل الذي يقوم به يرتبط بالإشراف الكلي على ما يهم تحركات وتدابير الشرطة في هذا المطار الأوروبي الكبير، بتركيز على غرفة المراقبة بالكاميرات وتوجيه الفرق الأمنية المختلفة التي تنشط بهذا الميناء الجوي.

ويعتبر الهاني أنه لا يخفي سرا حين يعلن أن موجة كبيرة من القلق تغمره عند وقوع أي حادث في مطار كوبنهاغن، لأنه تحت مسؤوليته وقت دوامه، ويردف بهذا الخصوص: “أحب هذا العمل وألقى التقدير الذي أظن أنني أستحقه”.

خيط رفيع

يعتبر المسؤول الأمني الدنماركي عينه أنه ينبغي رصد “الخيط الرفيع الذي يجعل الخلط قائما بين العنصرية وسوء الفهم”، مشددا على أن التحقق من التمايز بين الممارستين يمكن أن يجنب الناس السقوط في مشاحنات تضيع الجهد والوقت.

ويضرب الهاني المثل بقوله: “قبل سنوات عديدة كنت أشتغل بزي مدني حين تدخلت لفض اشتباك وطلبت الدعم، وحين جاءت عناصر بالزي النظامي تلقيت بضع ضربات ممن لم يروا الشارة المهنية التي أحملها، وتكرر ذلك أكثر من مرة في التدخل نفسه، لكنني كنت أتلقى اعتذار من استندوا إلى مظهري ليعتبروا أنني من مثيري الشغب”.

من جهة أخرى، يقر رشيد الهاني بوجود ممارسات عنصرية في المجتمع الدنماركي، لكنه يؤكد أن العاملين بجد ينجحون في تخطيها حين يثبتون أنهم يتحلون بالجدية ولا علاقة لهم بالصور النمطية التي عممها ذوو أصول أجنبية لا يترددون في إثارة مشاكل كثيرة، ويضيف: “حقيقة العنصريين تكمن في التموقف ضد متحايلين على النظام للاستفادة دون تقديم قيمة مضافة للمجتمع، وإذا لاح البذل يتغير التعامل بالكامل”.

جاهزية دائمة

يؤمن رشيد الهاني بضرورة توفره على جاهزية دائمة، مستفيدا من تجاربه السابقة في حقول التجارة والإدارة والتأطير البيداغوجي، وأيضا من الخبرة التي جمعها بالتدرج في المهام الأمنية، معتبرا أن هذه الجاهزية يمكن أن يتم استثمارها على مدى الحياة.

ويقول المنحدر من تارجيست: “أركز حاليا على القيام بالمطلوب مني في مطار كوبنهاغن على أكمل وجه، ولكنني حريص على متابعة ما يناسبني في مواقع أخرى وكلي أمل بأن ألاقي كل الخير ما دمت حيا، إن شاء الله تعالى”.

كما يضيف: “مثل جميع الطموحين هنا في الدنمارك، أنتظر الفرصة المناسبة من أجل مواصلة التطور مستقبلا، خاصة أن هذه البلاد الاسكندنافية تشجع على السير صوب النجاحات المهنية التي يريدها الأفراد كيفما كانت أصولهم”.

تحذير من المتاهات

يؤمن ذو الأصل المغربي، الملتزم مهنيا مع الشرطة الدنماركية، بأن الباحثين عن نجاحات من خلال الإقبال على الهجرة، عموما، يمكنهم تحقيق المبتغى بالإقبال على الفعل، وأن “الهدايا المقدمة إلى جالسين لا وجود لها”، حسب تعبيره.

كما يعتبر الهاني أن “بعض المتذرعين ببضع أحداث عنصرية يحاولون تبرير عدم إقبالهم على اغتنام الفرص المتاحة”، ويواصل: “هناك أبواب كثيرة تفضي إلى النجاح، وحضور العنصرية يمكن الالتفاف حوله بالابتعاد عن متاهات المشاكل المختلفة وملازمة طريق الجد.

“الجالية المغربية في الدنمارك حبلى بنماذج ناجحة بفضل الجد في الدراسة، من جهة، والعمل المتميز في مجالات متنوعة، من جهة ثانية. كل باحث عن مستقبل أفضل سيجده، أما المتخبطون فلا يمكنهم الفلاح، بل يزكون سمعة سيئة تنعكس سلبا على آخرين”، يختم رشيد الهاني.