مسارات مغاربة في إسكندنافيا.. أحمد مقبول ريفي يقوي حضور “مسجد التوبة” بأوسلو

طارق العاطفي | أمين الخياري
التزم أحمد مقبول بالتجربة والخطأ من أجل صقل إمكانياته الذاتية في الحياة، سواء عند التواجد في منطقة الريف بالمغرب، إلى حدود بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، أو خلال استقراره عشرات السنين في مملكة النرويج، وممارسة أنشطة مختلفة في العاصمة أوسلو.
وقد بصم النرويجي المغربي عينه على مسار متميز في تجربة الهجرة التي انخرط فيها قبل بلوغ ربيعه العشرين، مراكما مكاسب شخصية ومهنية عبر العمل لصالح الغير قبل تأسيس حزمة من المشاريع التي يستفرد بمكاسبها؛ لكنه يبرز أكثر من خلال تصدر النسيج المدبر شؤون مسجد التوبة.
سنوات ما قبل الهجرة
ازداد أحمد مقبول سنة 1961 في منطقة بني احساين التابعة لإقليم الناظور، حاظيا بعناية أسرته في فضاء قروي قبل الانتقال نحو المدينة، ومتدرجا في طور التعليم خلال المرحلة الابتدائية، قبل أن ينقطع عن ارتياد الفصول التعليمية بسبب الإقبال على العمل في سن مبكرة.
ويقول أحمد: “كانت ظروف التعلم قاسية نسبيا، خاصة أن الأمر احتاج المشي مدة 45 دقيقة لارتياد المدرسة وقتها، مع احتساب الزمن نفسه من أجل العودة إلى البيت. لذلك، استمر الالتزام بالتعلم حتى الحصول على الشهادة الابتدائية وبعدها أتى طور الاشتغال في أنشطة مختلفة”.
انتقل مقبول إلى الاستقرار في مدينة الناظور، في السنة الأخيرة من عقد السبعينيات في القرن الماضي. وبالوصول إلى سنة 1980، رافق والديه نحو النرويج من أجل الاستقرار في هذا البلد الإسكندنافي، مستفيدا من استقرار إخوة أكبر منه بهذا الحيز الجغرافي الكائن شمال أوروبا الغربية.
المراهنة على العمل
على النهج نفسه سار أحمد مقبول منذ وصوله إلى أوسلو، مركزا على الاشتغال كي يحقق عائدا ماليا يدعم به أسرته ويلبي احتياجاته اليومية، مع تعديل بسيط جعله مستفيدا من دروس تعلم اللغة النرويجية كي يفلح في مسعى الاندماج ضمن المجتمع الجديد الذي انتقل إليه دون 20 سنة من عمره.
ويورد الوافد على أوسلو من الناظور: “كنت أعمل خلال الفترة الصباحية قبل التوجه إلى الحصص المخصصة لتعلم اللغة النرويجية، والبداية كانت من فندق اشتغلت ضمن طواقمه كي أقدم المساعدة للمسؤولين عن الاستقبال وخدمة الغرف، ثم صرت لاحقا أشجع شخصا في نشاطه التجاري، وحرصت على التطور يوما بعد يوم”.
مد مقبول نشاطه المهني على سكتين؛ الأولى تعني التواجد في وضعية أجير من أجل الظفر بعوائد مالية ثابتة نظير الجهد المبذول في المهام الموكولة إليه، من جهة، وجمع التجربة بكيفية تدريجية حول الاشتغال في النرويج، من جهة ثانية. بينما السكة الثانية اتسمت بالمبادرة إلى إطلاق استثمارات خاصة به لنيل الاستقلالية وأكبر قدر من الاستفادة في تطوير الوضعية الاقتصادية والاجتماعية.
التجارة والخدمات
بدأ المسار المهني المستقبل لأحمد مقبول من ميدان الاستيراد، وجاء ذلك بعدما استقر على فكرة جلب بضائع من دولة تايلاند لترويجها على مستوى أسواق النرويج، بتركيز على المتطلبات في العاصمة أوسلو من أجل الحصول على مردود مالي مربح في كل مرة.
ويقول النرويجي المغربي عينه: “بدأت بهذه الخطوة عن طريق التعامل مع الحاجيات الشبابية وآخر الصيحات التي تهم العروض المخصصة لهذه الفئة العمرية. وبعد سنوات من هذا الأداء، أسست شركة تقدم خدمات التهيئة والتنظيف؛ مستثمرا خبرة 15 سنة من العمل مسؤولا في شركة مشابهة”.
من جهة أخرى، حرص مقبول على التواجد في المعارض التجارية الوطنية والإقليمية والدولية من أجل جني مكاسب إضافية بمعاملاته التجارية العابرة للحدود النرويجية، ولا يزال يتوصل بدعوات لحضور تظاهرات مختلفة رغم تقلص عدد هذه المواعيد نتيجة الأزمة الصحية العالمية التي جاءت بها جائحة “كوفيد-19” مطلع سنة 2020.
في مسجد التوبة
يتولى أحمد مقبول رئاسة التنظيم المدني المشرف على تدبير مسجد التوبة في أوسلو، موليا اهتماما خاصا للسير بهذا الصرح الديني نحو النجاعة في تحقيق المرامي الدينية والعقدية والثقافية والاجتماعية التي يهدف إليها بمجموعة من الأنشطة، إضافة إلى احتضانه الجاليات المسلمة خلال أوقات التعبد كل يوم.
ويكشف الوافد على أوسلو من الناظور أنه توجه إلى مسجد التوبة مباشرة بعد تأسيسه، سنة 1981، وواكب تطور هذا المرفق بعدما انتقل من وعاء عقاري مكترى إلى آخر أرحب تم تملكه في وقت لاحق، كما تواجد في موقع نائب الرئيس ثلاث ولايات قبل أن يجري انتخابه رئيسا للمكتب المتولى مسؤولية التسيير.
كما يضيف مقبول: “المؤسسة المسجدية التوبة مغربية، وتقدم أنشطة مختلفة للأطفال والشباب والنساء، مركزة على ممارسات أبرزها حفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة العربية، وتستعين في تنفيذ ذلك على طواقم لها كفاءة في الثقافة المغربية، من جهة، والدعم المالي المتحصل عليه من الدولة النرويجية، من جهة ثانية”.
الإرادة أولا
يشدد أحمد مقبول على أن التحلي بقوة الإرادة يجعل المنخرطين في تجارب الهجرة، سواء في الدنمارك وإسكندنافيا أو غيرها من الفضاءات عبر العالم، يلاقون النجاح على الدوام كي يصاحبوا التطور مدى الحياة، لأن أول مصدر للتحفيز يرتبط بالأذهان قبل أن يتصل بمعايير أخرى مجتمعية.
ويرى مستجمع ما يزيد عن 4 عقود من الاستقرار في النرويج أن المزاوجة بين الدراسة والعمل قد تكون استراتيجية ملائمة للجميع، سواء من يعطون أولوية للتكوين أو أولئك المراهنون على التدرج بين المهن للوصول إلى ما يوافق إمكانياتهم الذاتية، خاصة أن الفرص تبقى متاحة للجميع على الساحة النرويجية.
“حتى من قرروا الهجرة في سن مبكرة يمكنهم أن يحصلوا على وضعيات تمنحهم القدرة على تأسيس حياة بديلة، والانخراط في إيقاع عيش مغاير عقب فترة زمنية ضرورية للاستئناس؛ بينما من لا يريدون القيام بالمبادرة يبقون متخبطين في التيه حتى يؤمنوا بضرورة التحرك لإغناء تجربتهم والتفاعل الإيجابي مع المحيطين بهم”، يختم أحمد مقبول.
