مسارات مغاربة في اسكندنافيا.. محمد فارس ناظوري يبرع في تأطير الجيل الجديد بالنرويج

ـ طارق العاطفي/ أمين الخياري
خبر محمد فارس الهشاشة والتيه في المغرب والنرويج، وحاول تلمس معالم الطريق التي توصل إلى التميز على امتداد تنقله من الناظور إلى أوسلو، ورغم مرور أزيد من ثلاثة عقود في رحلة البحث هذه، فإنه لا يزال يعتبر نفسه حريصا على التعلم، وبدل أن يحتفظ بخبرته يقرر مشاركتها مع من هم أصغر سنا لعلهم يكسبون الوقت ويتقدمون بسرعة كبرى.
حاول محمد التحرك بثبات دراسيا ومهنيا، لاجئا إلى حلول عقلانية من أجل فتح آفاق أرحب لمستقبله في الحيز الجغرافي الاسكندنافي، لكنه ما لبث أن اختار الإصغاء لخيارات القلب، وتتبع إملاءات وجدانه من أجل ملازمة أوراش تأطير اليافعين بكيفية تثير الانتباه في المجتمع النرويجي عموما، وفي أوسلو تحديدا.
وسط الهشاشة
رأى محمد النور أول مرة بمدينة الناظور، أواسط ثمانينيات القرن العشرين، وبها أمضى بضع سنوات قبل أن يغادر الحاضرة الكائنة شرق منطقة الريف المغربية من أجل الالتحاق بوالده على الأراضي النرويجية، متمكنا من بعض المدارك التعليمية والمهارات الحياتية قبل التحرك للبحث عن نظيراتها المتيحة للعيش بسلاسة في منطقة اسكندنافيا.
ويقول محمد: “كانت وضعية الأسرة هشة بمدينة الناظور رغم تواجد الأب في تجربة هجرة، إذ لم يكن المال الذي يجنيه وافرا، وبالتالي عكف على إرسال مبالغ ضئيلة لا تكفي لسداد حاجياتنا كاملة، مما دفعني في زمن مبكر من طفولتي إلى ممارسة بعض الأنشطة المدرة للدخل، وهكذا بقيت على مدى سنوات عديدة”.
في أوائل عقد التسعينيات من الألفية الماضية، وبالضبط عندما وصل محمد إلى ربيعه الثامن، اختار والده استقدام الأسرة للاستقرار معه بالنرويج، ومنحها فرصة التواجد بجواره في المجتمع البديل حتى يحاول أفرادها استثمار فرص التطور المتاحة بهذا الحيز من شمال منطقة أوروبا الغربية، وهو ما حفز طموحات محمد لمعانقة آفاق أرحب.
التأقلم مع التقلبات
يعلن محمد أن وصوله إلى النرويج كان في شهر شتنبر، أي في فصل الشتاء وما تعرفه البلاد من سقوط مبكر للظلام بكيفية لم يعهدها في المغرب، وبالتالي كان التأقلم مع الخصوصيات الطبيعية أول تحد وازن للوافد الجديد من مدينة الناظور، زيادة على التمدرس واستباق ذلك بضبط اللغة النرويجية بكيفية تساعد على استيعاب المحتوى التعليمي.
ويعلق المزداد في الريف على تلك الفترة بقوله: “كنت قد ألفت الدخول إلى المنزل قبيل حلول الليل، لكنني لم أعرف كيف أتعامل مع ذلك في النرويج حين وجدت الظلام يأتي في حدود الساعة الثالثة بعد الزوال، كما وجدت نفسي حائرا صيفا ببقاء نور الشمس سائدا طوال اليوم، وقد احتجت إلى وقت من أجل التعود على كل ذلك”.
تأقلمت أسرة محمد مع وضعيتها الصعبة في الهجرة بفعل تضامن أفرادها، إذ أتاح إقبال الصغار على العمل والدراسة الحصول على مدخول مالي إضافي لتوفير متطلبات الجميع، بينما شكل محمد صداقات مع أقرانه من الجاليات المسلمة لتعلم اللغة النرويجية والتقدم في الدراسة، ثم أضحى الاندماج أكثر قوة عند انتقال الجميع للعيش وسط العاصمة أوسلو.
التميز والنجومية
حاول محمد التأسيس لمستقبل مهني يجعله سباكا، خاصة أن الميل إلى التعمق في الدراسة لم يتمكن منه، فأقبل على الخضوع لبرنامج تكويني من سنتين قبل أن يحسم، بناء على الممارسة الميدانية، بعدم تناسب قدراته الذاتية مع ما يستلزمه الاشتغال في شبكات التزود بالمياه وتصريفها من مهارات، بينما أحس بالارتياح عند تجريب الإشراف على تأطير صغار السن ضمن ورش تشرف عليه بلدية أوسلو.
“التواجد في ميدان التأطير ليس مبنيا على تخطيط من طرفي، بل قبلت عرضا للعمل في هذا الميدان من باب التجريب، وحين رضيت بما يمكنني القيام به في هذا المجال أقبلت على تلقي تكوينات مستمرة لتطوير مستواي نحو الأفضل، لذلك يمكنني القول بأن قضاء 20 سنة في هذا العمل، حتى الآن، غيرني أكثر مما غير الفئات المستفيدة من التأطير”، يكشف محمد.
تغير مسار محمد نحو النجومية بعدما فاز بلقب “شخصية سنة 2017” بكيفية أثارت الانتباه في النرويج، خاصة أن اللجنة المنظمة وضعت اسمه بمعية فاعلين مميزين، أبرزهم فرقة موسيقية شهيرة على صعيد النرويج بأكملها، ليجذب هذا التتويج الأنظار نحو ما يقوم به ذو الأصل المغربي في أوسلو، ويفتح أمامه إمكانية تأطير الطلاب الجامعيين من أجل إكسابهم مهارات تساير التكوين الأكاديمي الذي يخضعون له.
بوابة كرة القدم
انطلق محمد في الأداء التأطيري لصغار السن عقب استجابته لطلب صديق كان يحتاج المساعدة في التعامل مع أطفال يلعبون كرة القدم، وبعدما لم ينجحا في تأسيس ناد رياضي نتيجة التوصل برد إداري يعلن “كثرة مثل هذه الأندية في أوسلو”، قبلا الاندماج في ناد مخصص للمسنين، يعود تأسيسه إلى سنة 1919، بعدما رحب بهما نرويجي يملك هذا المرفق الرياضي.
ويقول النرويجي المغربي عينه: “بدأنا نثير الانتباه بنشاطنا، الذي أسفر عن وضع أسس 13 فريقا كرويا في فئات عمرية مختلفة، من بينها 4 فرق تحتضن 120 فتاة ممارسة للعبة. كما تم تمديد الأنشطة في المؤسسة كي تعمل على تحفيز اليافعين المنتمين إلى أسر في وضعيات هشة، وكلها من أصول أجنبية”.
من جهة أخرى؛ مكن عمل محمد في رعاية الأطفال، بمعية الطاقم المرافق لتجربته الميدانية في أوسلو، من استقطاب عدد كبير من النساء الراغبات في الاستفادة من فضاءات تشجعهن على التحرك لمحاربة الأمراض المزمنة، خاصة أن ذلك يحرص على احترام خصوصياتهن المبنية على توجهاتهن الثقافية والاجتماعية، ثم صارت الورشات المقدمة تمتد إلى أنشطة ترفيهية أخرى هادفة؛ بحضور متميز للفنون التشكيلية والموسيقى على الخصوص.
من أجل الجميع
يعترف محمد بأن ما يقوم به، زيادة على كسبه الدعم العمومي بتدرج واحتشام لا يغني عن اللجوء إلى أشكال تمويل ذاتية حتى الآن، جعله يحصل على مجموعة من الفرص كي يخدم مصلحته الخاصة، لكنه رفض ذلك حتى يبقى محترما لمن يمنحونه الثقة، من جهة، ويلتزم بالعمل من أجل الجميع، من جهة ثانية.
ويفسر “ابن الناظور” ذلك قائلا: “وجدت نفسي وجها لوجه، في فترات عدة، أمام عروض تتيح لي التطور منفردا في ميادين كثيرة، خاصة السياسة، لكنني فكرت مليا في أن أبقى في المجال الذي يسعدني مثلما يبهج المحيطين بي، ولذلك لم أستغل المساندة الشعبية لما أقوم به كي أحصل على منافع انتخابية وبلوغ مواقع تدبيرية محلية ووطنية”.
كما يرى محمد، بخصوص ما يقوم به منذ أوائل سنوات الألفية الحالية، أنه يواصل التركيز على ما يقوم به، والتواجد وسط مجموعة متجانسة في الرؤى والتنفيذ، من أجل المساهمة في رسم مستقبل أفضل للفتيات والفتيان المستفيدين من التأطير، وجعلهم يبتعدون عن المشاكل المحيطة بهم كي ينظروا إلى المستقبل بعيون متفائلة، ويبذلوا كل ما في وسعهم من أجل التقدم بثبات في الحياة بأوسلو وكل النرويج.
معالم الطريق
رغم عدم تقدمه بكيفية جيدة في المسار التعليمي، يرى محمد أن الزمن تغير بكيفية تجعل الدراسة تحتل موقعا مفصليا يوصل إلى النجاح بسرعة، لذلك ينصح ذوي الأصول الأجنبية في النرويج، سواء المولودين بالبلاد أو ممن قدموا إليها، بالحرص على التحصيل الدراسي وفق ما يساير قدراتهم وطموحاتهم.
وبناء على خبرته التأطيرية، المازجة المهنية بمبادرات المجتمع المدني، يعلن المستقر في النرويج منذ ما يعادل 30 سنة أن عددا كبيرا من الناس يقبلون على القيام بأعمال غير قانونية لاختصار الطريق المفضي إلى النجاح، لأنه الأسهل وفق مقارباتهم، ويتناسون المخاطر التي يمكن أن تعصف بهم في دوامات خطيرة عليهم وعلى من يحيطون بهم.
“النرويج بلد الفرص، والحلول الحقيقية لأي مشكل تبقى متصلة بالعمل وحده، وإن تم تلقي يد العون من لدن الأقارب أو الأصدقاء أو الزملاء في الدراسة والاشتغال، فإن الأمور تسير بسلاسة، وهنا أضرب مثلا بأناس ناجحين في الميدان الرياضي، من بينهم عدد وفير من ذوي الأصل المغربي، لذلك يجب أن يفكر كل شخص فيما يلائم قدراته كي يحدد الأهداف ويعمل على تحقيقها مستعينا، أيضا، بالإصرار والصبر”، يختم محمد فارس.
