هكذا تغير اسعار المحروقات بالمغرب عادات الأسر و سلوكات افرادها؟

أفاد الاستطلاع أن نسبة عالية تصل إلى 99 % من المستجوبين يعبرون عن شعورهم بزيادة تكلفة التموين الشهري للسيارة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، وأن معظم المستهلكين يشعرون بتأثير ملموس للتغيرات في أسعار المحروقات على ميزانياتهم الشخصية، إذ يستنتج أن ارتفاع المحروقات يشكل تحديا اقتصاديا للمستهلكين، مما يمكن أن يؤدي إلى تغييرات في أنماط الاستهلاك والتنقل، حيث تبين أن أكثر من نصف المغاربة لا يتوفرون على استراتيجية خاصة لتوفير استهلاك الوقود بفعالية، وأن استراتيجيتهم غير فعالة بالشكل المطلوب.
وحسب الاستطلاع، فإن الفئة الأكثر إنفاقا في شراء الوقود، تنفق ما بين 600 و1500 درهم شهريا في المحروقات، وتشكل النسبة الأكبر من مجموع المشاركين بنسبة 49.7 %، مما يظهر أن الغالبية من الأسر تنتمي لهذه الفئة، وأن الطبقة المتوسطة هي الفئة الرئيسية التي تخصص مصاريف كبيرة للمحروقات، بينما الفئة التي تنفق ما بين 200 و600 درهم، فتشكل 35 %، وهي نسبة تعكس وجود عدد كبير من الأسر ذات الإنفاق المنخفض والتي تخصص جزء كبيرا من نفقاتها على المحروقات، فيما الفئة التي تنفق ما بين 1500 و2500 درهم وأكثر من 3 آلاف درهم.. فهي نسبة متدنية لا تتجاوز 15 %، مما يؤكد أن نسبة قليلة من الأسر تنفق قيمة كبيرة على المحروقات.
وقد أبدت نسبة كبيرة من المشاركين في الاستطلاع، تبلغ 85 %، استعدادها لتغيير عاداتها الخاصة بالقيادة أو السفر، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، مما يشير إلى أن الارتفاع في تكلفة الوقود قد يكون له تأثير كبير على المستهلكين، بينما نسبة صغيرة جدا لا تتجاوز 5 % من المشاركين، أبدوا رغبتهم في عدم تغيير عاداتهم رغم ارتفاع أسعار المحروقات، لكون الارتفاع لا يؤثر عليهم، حيث أن حساسية المستهلكين تجاه تغيير سلوكهم بسبب ارتفاع أسعار الوقود، يمكن أن يصبح سلوكا مجتمعيا يكون له تأثير سلبي على الاقتصاد الوطني، والتسبب في الانكماش الاقتصادي بسبب قلة الإنفاق، وهو أمر يستدعي النظر في تطبيق إجراءات لتخفيف الضغط على المستهلكين.
وقد صرحت نسبة عالية من المستجوبين تصل لـ 93 %، أن ارتفاع أسعار المحروقات يؤثر بشكل كبير على قدرتهم في توفير الاحتياجات الأساسية والمواد الغذائية الضرورية، الشيء الذي يعكس حجم التأثير الاقتصادي الكبير لارتفاع أسعار المحروقات على الحياة المعيشية اليومية للمواطنين، بينما نسبة صغيرة جدا لا تتجاوز 2 %، قالت أن الزيادة لم تؤثر كثيرا على قدرتهم في توفير المواد الغذائية الأساسية.
وقد اعتبر الاستطلاع أن هذه النتائج تتطلب وضع سياسات اجتماعية تستهدف دعم الفئات المتأثرة بشكل كبير بارتفاع أسعار المحروقات، والتي هي غالبا من ذوي الدخل المحدود، كما تظهر ضرورة اتخاذ الحكومة لإجراءات اقتصادية واجتماعية، تتعامل مع تحديات ارتفاع أسعار المحروقات وتأثيرها على قدرة المستهلك على تلبية احتياجاته الأساسية.
وأوضح الاستطلاع، أن نسبة كبيرة تصل إلى 95.4 % من الأفراد، يضطرون إلى تقليل الإنفاق على الأشياء غير الأساسية، بسبب ارتفاع الأسعار، مما يظهر تأثير الظروف الاقتصادية على عادات الإنفاق، الأمر الذي يبين أن التحديات والظروف التي يواجهها الأفراد في ظل زيادة الأسعار، تجبرهم على إعادة تقييم أولويات إنفاقهم، مضيفا أن نسبة كبيرة 98.8 % من المستجوبين تؤكد على ضرورة اتخاذ تدابير حكومية للتعامل مع ارتفاع أسعار المحروقات، حيث يؤكد هذا الرقم القلق الشديد بين الناس حيال الوضع الاقتصادي، والحاجة الماسة إلى تدابير فعالة، الشيء الذي يفرض ضرورة مراجعة السياسات الحكومية للتصدي لتحديات ارتفاع أسعار المحروقات وتلبية احتياجات المواطنين.
واعتبر 51.6 % من المستجوبين، أن الإجراء الأكثر طلبا في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع أسعار المواد الغذائية، هو تسقيف أسعار المحروقات، وذلك لأجل تقليل العبء المالي المباشر للمواطنين جراء ارتفاع أسعار المحروقات، بينما ترى نسبة 10.5 % ضرورة اللجوء إلى تخفيض الضرائب على المحروقات حتى تنخفض أسعارها، وربط بعض المشاركين في الاستطلاع معضلة المحروقات بضرورة العودة إلى صندوق المقاصة، حيث دعا 29.8 % إلى إعادة الدعم لصندوق المقاصة مع استخدام آليات الدعم الاجتماعية لتخفيف التأثير الاقتصادي.
وخلص الاستطلاع من خلال الواقع المغربي الحالي، أن تسقيف أسعار المحروقات يمكن أن يكون التدبير الأكثر واقعية، والقابل للتنفيذ، إذ سيؤدي إلى تخفيف الضغط على المستهلكين وحماية المواطنين من ارتفاع الأسعار، خاصة الفئات ذوي الدخل المحدود، ثم سيعزز الاستهلاك الداخلي والنشاط الاقتصادي، وذلك بتقليل تكاليف المحروقات، بالإضافة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، إذ يمكن أن يكون للتسقيف تأثير إيجابي على العدالة الاجتماعية من خلال توفير فرص متساوية للجميع في الوصول إلى الخدمات العمومية والتنقل، إلى جانب تقليل الضغط والعبء المالي على الأسر، وبالتالي، يسهم في تحسين مستويات المعيشة.
ووفق ذات الاستطلاع، فإن تسقيف أسعار المحروقات يهدف إلى تحديد سقف أقصى لأسعار الوقود التي يمكن أن تصل إليها، ويتم تحديد هذا السقف بواسطة الحكومة، حيث يتم تنفيذ هذا الإجراء للحفاظ على استقرار الأسعار وحماية المستهلكين والاقتصاد الوطني، وذلك من خلال خطوات وآليات تتمثل في ضبط ومراقبة الأسعار للتأكد من التزام المحطات والشركات بالأسعار المحددة، وتحديد السقف بشكل دوري وفقا للتغييرات في أسعار النفط العالمية والظروف الاقتصادية الوطنية، ثم اللجوء إلى التدابير التصحيحية لضمان استمرار توفير الوقود بأسعار معقولة في حالة ارتفاع أسعارها في السوق العالمية بشكل حاد.
وقدم الاستطلاع مثالين لقطاع المحروقات في الأردن وتونس، حيث تقوم الحكومة الأردنية باستخدام سياسات تسعير مرنة، وتتدخل بشكل دوري في تحديد أسعار الوقود لضبط التكلفة وتقديم الدعم اللازم، حيث ينظم النظام رقم 122 لسنة 2019، نظام تسعيرة المشتقات البترولية، وعمولات المرخص له وتعريفته، بمقتضى الفقرة “أ” من المادة 28 من قانون المشتقات البترولية، حيث تم تشكيل لجنة تسمى “لجنة تسعير المشتقات البترولية”، التي تتولى مراقبة أسعار البترول العالمية وحصرها، وتحديد الأسعار المحلية للمشتقات البترولية استنادا لآليات التسعير وأسسها.
أما في تونس، فيتم تنظيم أسعار المواد البترولية بموجب قرارات حكومية يتم ضبط الأسعار لدى توريد المنتجات البترولية، وعند خروجها من مصفاة التكرير، تتضمن التنظيمات تحديد أسعار البيع للعموم وهوامش الربح بالتفصيل، وتتولى الشركة التونسية لتكرير النفط اقتناء النفط الخام بالسعر العالمي، ومن أجل تعزيز الشفافية والحكامة في قطاع الطاقة وإصلاح دعم المحروقات في تونس، تم ربط الأسعار الداخلية لبعض المنتجات بالأسعار العالمية اعتبارا من يوليوز 2016، حيث تم تنظيم آلية تعديل أوتوماتيكية لأسعار المواد البترولية في السوق المحلية، مع إجراء تعديل كل ثلاثة أشهر وفقا لتقييم دوري.
وبالنسبة لسوق المحروقات بالمغرب وطبيعة المنافسة، يرى غالبية المغاربة المشاركين في الاستطلاع، أن هناك تواطؤا مفضوحا بين الفاعلين في سوق المحروقات، حيث أن 86.4 % من المستجوبين يؤكدون وجود تواطؤ مفضوح في القطاع، بينما يرى 10 % أن هناك تواطؤا نوعا ما، مما يشير إلى أن اللاعبين في السوق قد يتفقون على تحديد الأسعار بشكل مشترك بدلا من المنافسة الفعالة، وذلك قبل صدور العقوبات التي فرضها مجلس المنافسة على شركات المحروقات والتي اعترفت بتواطئها على المستهلك المغربي.
فمن خلال نتائج الاستطلاع المنجز من قبل معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية، فإن الغالبية العظمى من المستجوبين ترى أن الحكومة هي المسؤولة الرئيسية عن الزيادات المتكررة في أسعار المحروقات بنسبة 66.2 %، ويمكن تفسير ذلك بأن المواطنين يرون أن الحكومة لديها دور رئيسي في تحديد السياسات وتوجيه القرارات المتعلقة بالأسعار، كما تبرز نتائج الاستطلاع أن 24 % من المغاربة يرون أن شركات المحروقات تتحمل جزء من المسؤولية في الزيادات، لأن هناك تواطؤا أو سلوكا غير منافس في السوق، بينما نسبة قليلة (8.2 %) تحمل المسؤولية لمجلس المنافسة، مما يعكس عدم الثقة في قدرة المجلس على فرض المنافسة في القطاع، فيما 1.6 % لا يرون أي تأثير للأحداث الدولية على الأسعار المحلية.
أكثر من نصف المغاربة لا يتوفرون على استراتيجية أو رؤية حقيقية لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات، يقول الاستطلاع، وهذا الأمر يترك الباب مفتوحا أمامهم لتبني أي قرار قد يرونه كفيلا بتحقيق تطلعاتهم في ضبط استقرارهم الاقتصادي، كما يظهر الاستطلاع أهمية الفهم العميق للتحديات التي تواجه المغاربة جراء ارتفاع أسعار المحروقات وضرورة التفكير في حلول مبتكرة وفعالة للحفاظ على جودة حياة المواطنين.
في هذا الصدد، يؤكد الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول، أن إصلاح الاختلالات والتفاهمات التي تحصل في سوق المحروقات، وتعزيز الأمن الطاقي، لن يتحقق إلا بإحياء تكرير البترول وإلغاء تحرير الأسعار، ومراجعة الضريبة، وإعادة هندسة القوانين المنظمة للقطاع الطاقي بشكل عام، وقال: “في ظل فشل مجلس المنافسة في ردع ممارسات الرفع من الأسعار والتفاهم حولها من قبل شركات المحروقات، وبعد تعطيل التكرير بشركة “لاسامير”، لم يبق سوى المطالبة بتدخل الدولة، صاحبة السلطة والسيادة، لسحب المحروقات من قائمة المواد المحررة أسعارها، والعودة لتقنينها وفق تركيبة جديدة تضمن حقوق ومصالح الجميع.
