الجزائر توجه ضربة جديدة للمغرب هذه المرة من ليبيا؟

في وقت يتشاور الفرقاء السياسيون في ليبيا لعقد جولة جديدة من المباحثات في المملكة المغربية كثّفت الدبلوماسية الجزائرية تحركاتها على مستوى هذا الملف الشائك، الذي يهمّ بلدا عضوا في الاتحاد المغاربي، بحيث زار أحمد عطاف، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج بالجزائر، قبل يومين، ليبيا وناقش ضمن زيارته حل الأزمة الليبية سياسيا.
الجارة الشرقية للمغرب أعلنت كذلك أن الوزير الأول نذير العرباوي سيمثل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون للمشاركة في اجتماع لجنة الاتحاد الإفريقي رفيعة المستوى حول ليبيا، الذي انعقد، الإثنين، في برازافيل، عاصمة جمهورية الكونغو؛ وهو ما طرح تساؤلات كثيرة من طرف مراقبين حول “هذا السعي المتواصل من هذا البلد إلى تقليد الدبلوماسية المغربية في كل تحرك، وإبداء الاهتمام بكل ملف يقترب منه المغرب”، حسبهم.
من ناحية أخرى تظل ثمار وساطة المغرب في ملف طرابلس لا غبار عليها، فقد أشاد محمد تكاله، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، عقب محادثات جمعته بناصر بوريطة، وزير الخارجية والشؤون الإفريقية والمغاربة المقيمين بالخارج، أوائل دجنبر الماضي، بالدور المغربي في التعاطي مع الملف الليبي، معبرا عن ثقته في الرباط واقتناعه بجدية النتائج السياسية التي ستتمخض عن أي مفاوضات تتم على الأراضي المغربية.
“معاكسة المغرب”
عباس الوردي، أكاديمي مغربي وجامعي باحث في العلاقات الدولية، قال إن “ما تقوم به الجزائر من خطوات مكثفة في الملف الليبي يبين أنها مازالت تقتفي أثر الدبلوماسية المغربية الفاعلة على مستوى العديد من القضايا الحساسة المطروحة قاريّا”، مشيراً إلى أن “الجزائر فشلت في مالي وفي النيجر، وهي التي تفتعل نزاع الصّحراء، وهو ما يجعل وساطتها على مستوى إفريقيا محدودة ومحكوم عليها بالفشل”.
وشدد الوردي، بهذا الخصوص، على أن “الدبلوماسية الجزائرية لا تحترم مبدأ الحدود وعدم التدخل في السياسة الداخلية للدول، وهو ما أحرج محاولاتها على مستوى ملفات عدة، على رأسها الصراع بين الأزواديين والحكومة المالية”، موضحاً أن “الجارة الشرقية للمغرب تحاول أن تتوسل هذه النزاعات لأجل الركوب على الأزمات وتسخيرها لابتزاز الدّول التي تعرف تصدّعات داخلية”.
وأشار الأستاذ في جامعة محمد الخامس بالرباط إلى “محاولة الجزائر التدخل في النزاع الليبي سابقاً، إذ سعت إلى التّأثير على ألمانيا لعدم استدعاء المغرب؛ وهو ما تمّ في مؤتمر برلين الأول، لكن الحاجة إلى الصّوت المغربي كانت واضحة، وهو ما حتّم حضوره في المؤتمر الثاني وتبين خفوت دور الجزائر”، مؤكدا “قوة الدور المغربي المبني على الحياد الإيجابي، والبحث عن حل مقبول ومتوافق عليه بين جميع الأطراف”.
وتابع المتحدث شارحاً: “الدبلوماسية العسكرية لا تراجع الدروس ولا تراجع مآلات سياساتها السابقة، التي أكدت أنها تشكل نوعا من سياسة الأرض المحروقة”، معتبراً أن “هذه الدّولة تعاكس المغرب ولا تريد خيراً للمنطقة، لكونها تغذّي الاحتقان، وهو ما قامت به بالضّغط على تونس وموريتانيا، وتحاول القيام به مع ليبيا الآن”، وزاد: “الجزائر تحاول فرملة دور المغرب في الملف، لكن الفرقاء الليبيين لديهم إيمان شديد وراسخ بدور المملكة”.
“دبلوماسية ردّ الفعل”
عبد الواحد أولاد مولود، جامعي وباحث في الشؤون الإفريقية والإستراتيجية، قال إن “الجزائر من حقها أن تعرض وساطتها على من تشاء، لكن السؤال هو هل هذه الوساطة لها أبعاد ودلالات وترتكز على نية حقيقية لحل الملفات العالقة في إفريقيا؟”، مواصلاً بأن “تاريخ الجزائر الدبلوماسي برهن كيف أنها تتعامل بشكل مؤقت وتعطل تحركاتها فجأة، لكونها مبنية على رد الفعل، لمحاولة السير على نهج المغرب”.
وأوضح أولاد مولود، أن “هذه الدولة حاولت أن تمارس دبلوماسية رسمية عبارة عن فعل، لكنها اصطدمت بالنوايا التي تكمن في ذهنية الطبقة العسكرية”، مشيراً إلى أن “الهوة الشاسعة بين المغرب والجزائر انكشفت مراراً على مستوى فاعلية الوساطة في النزاعات التي تفتعل على مستوى القارة؛ وحتى على مستوى القضية الوطنية تبين مرارا أن المغرب عاكف على نهج السبل السلمية”.
ولفت الباحث عينه إلى “تهرب الجزائر من طاولة الحوار في نزاع الصحراء، وهو ما يجعلها دولة لا تتمتع بمصداقية كبيرة على مستوى تدبير النزاعات”، مؤكداً أن “الوساطة المغربية كانت تحفظ المسافة ضمن ميكنيزمات عملها، وتراهن على تحقيق الأمن والسلم الدوليين والإقليميين، ولهذا كان المغرب رائداً على هذا المستوى، بشهادة أطراف النزاعات، التي مازالت تواصل الإشادة بهذه الجهود المغربيّة لخدمة السلام في المنطقة”.
إلى ذلك، أبرز المتحدث عينه أن “الجزائر ترفض التعاون الإقليمي وترفض الحوار مع المغرب، وبالتالي كل أوراقها الرئيسية احترقت”، وزاد: “هذه التراكمات التي تشكلت في الوعي السياسي بالنظر إلى السياسة الخارجية الجزائرية لا تمنحها مصداقية كبيرة في خوض غمار حل الصراعات”، خالصاً إلى أن “اتفاق الصخيرات كان محطة أساسية في تسوية النزاع الليبي، والمغرب حاز ثقة الليبيين في محطات عديدة”.
