مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. محمد العزوزي ناظوري يبرع في تحليل البيانات الرقمية

– طارق العاطفي | أمين الخياري
طولب محمد العزوزي بتحقيق الاندماج الاجتماعي مرتين، الأولى في المغرب والثانية في الدنمارك، ويرى أن ما استشعره من صعوبة في القيام بذلك، على شوطين في بيئتين متباينتين، تبدد بحكم صغر السن والدعم الذي توفر له من خلال أفراد الأسرة والعائلة، ما جعله يسير بثبات نحو الاشتغال في مجال البرمجة.
وبعدما أمضى سنوات بصفة أجير في إحدى الشركات، مستهل مساره المهني، قرر محمد العمل لحسابه الشخصي، والمساهمة في خلق فرص شغل للآخرين، وبذلك سطر مسارا شخصيا ومهنيا متميزا في ميدان تحليل البيانات الرقمية، متعاملا مع حاجيات الزبائن في الدنمارك وعموم اسكندنافيا، ومراهنا على بلوغ مستويات أخرى عالمية.
العودة إلى المغرب
رأى محمد العزوزي النور في الدنمارك سنة 1977، وعلى تراب هذه المملكة الاسكندنافية نشأ حتى بلغ السنة السادسة من عمره، ثم قرر والداه توجيهه إلى بيت الأجداد في المغرب، بغية الاستقرار والدراسة في مدينة الناظور، تماشيا مع خيار سبق اتخاذه، أيضا، في حق أخ له يكبره عندما وصل إلى السن نفسها.
ويقول محمد: “قصتي مختلفة عن تلك التي ترتبط بذوي الأصل المغربي المزدادين في الدنمارك، إذ ازددت في الهجرة ونشأت فيها قبل الرحيل نحو الوطن الأم، لكن هذه التجربة الفريدة من نوعها كانت مصدر سعادة تستمر حتى الآن، وقد دامت 4 سنوات بالتمام”.
شرع العزوزي في التمدرس بمؤسسة ابن خلدون الابتدائية في الناظور، حريصا على تخطي ضعفه في الدارجة المغربية واللغة العربية الفصحى من خلال التواصل بالأمازيغية الريفية التي ضبطها بحكم الاستعمال في بيت الأسرة بكوبنهاغن، ثم عاد إلى الدنمارك من أجل البحث عن اندماج جديد بجوار والديه.
نحو البرمجة المعلوماتية
يرسم محمد العزوزي ابتسامة عريضة على وجهه حين يتذكر أنه اضطر، رغم كونه مواطنا دنماركيا بالولادة، إلى القيام بمحاولات اندماج مع إيقاع العيش في هذا الفضاء الاسكندنافي عند الوصول إليه، من جديد، بعد بضع سنوات من الاستقرار في منطقة الريف المغربية، وأنه صادف مشقة في تحقيق المبتغى.
ويورد المنحدر أصلا من الناظور: “عملت على الاندماج في المغرب، مستفيدا من دعم جدي وجدتي، زيادة على تأطير أخي الأكبر الذي سبقني إلى هناك، وحين وفقت في التأقلم مع الناس، في الحي والمدرسة، كان علي أن أعود إلى الدنمارك لخوض التجربة نفسها، وقد خدمني صغر السن في تجاوز كل الصعوبات التي لاحت وقتها”.
وحرص العزوزي على الجمع بين الدراسة النظامية وتجريب العمل في أنشطة مختلفة كمساعد، زيادة على الانخراط في حزمة من الأنشطة الجمعوية لاكتساب مهارات غير تلك التي تصقلها المؤسسات التعليمية، وبعدما نال شهادة الباكالوريا ظفر بالإجازة في العلوم الاقتصادية، ثم “ماستر” في البرمجة المعلوماتية.
تفضيل المغامرة
يفتخر محمد العزوزي بالتخرج من مؤسسة للتعليم العالي مشهورة دنماركيا وأوروبيا، من طينة “مدرسة التجارة لكوبنهاغن”، ثم الحصول على شهادة الدراسات العليا في البرمجة من مؤسسة تعادلها سمعة، خاصة أنه، بمعية عدد ممن ينتمون إلى الفوج نفسه، أفلح في الولوج إلى سوق العمل دون أي مشاكل مرتبطة بنوعية التأطير النظري.
بدأ مسار ذي الأصل المغربي من التواجد بين صفوف مستخدمي إحدى المقاولات المتوسطة، وبعد اكتساب تجربة مهنية على مدى 4 سنوات اختار إطلاق مشروع خاص به، إذ فضل القيام بالمخاطرة عوض الاكتفاء بقبض أجرة شهرية، وارتأى التعمق في ميدان تخصصه بدل الالتزام ببضع مهام موكولة إليه في ما يجيد.
ويقول العزوزي إن هذه الخطوة الاستثمارية، المرتبطة بإنشاء شركة تحت اسم “نويتسو”، أتاحت له الانفتاح على آفاق أرحب في ميدان تخصصه، من خلال توفير برامج لتحليل البيانات بمختلف أحجامها، والحصول على صفقات مع مؤسسات كبرى من أجل تطوير أدائه نحو الأفضل، ورفع قيمة مقاولته بشكل متواصل.
من القروض إلى الصحة
بدأ النشاط المهني المستقل لمحمد العزوزي بالتعاطي مع حاجيات مجموعة من المصارف في دراسة مخاطر منح القروض لكل حالة على حدة، وقد استمر هذا الأداء لسنوات طويلة حتى أضحى تخصصا لشركة “نويتسو” والأطقم التي تستعين بها، ثم امتد تحليل البيانات إلى توفير خدمات لشركات أخرى، في قطاع تمويل شراء السيارات وفي ميدان بيع الهواتف بالتقسيط، زيادة على محطات التزود بالوقود التي تمنح زبائنها بطائق لتأجيل الدفع.
ويقول ذو الأصل الريفي: “نعمل حاليا على الاشتغال خارج المجالات التي ألفناها طيلة السنوات الماضية، منفتحين على توفير برامج تلائم كل زبون على حدة في ما يحتاج من تحليل لكم البيانات التي تتصل بنشاطه، وأحدث التعاملات تعتني بالبيانات الرياضية لمجموعة من الأندية كي يتم الوقوف على تطور لاعبيها في الأداء المطلوب منهم”.
من جهة أخرى؛ يعكف العزوزي على توجيه أحدث الأبحاث في شركته نحو التعامل مع حاجيات الموارد البشرية في القطاع الصحي، مراهنا على الوصول إلى تقنيات حديثة في تحليل معطيات الخاضعين للاستشفاء حتى يتم رصد التطورات المقلقة حتى إن غاب رصدها من طرف الأطر على مدار الساعة، وبالتالي يتم إجراء التدخلات الاستعجالية بكيفية فورية.
الإلحاح في العبور
يصر محمد العزوزي على أن الراغبين في النجاح بالدنمارك مطالبون بجمع أكبر قدر من الدبلومات المثبتة كفاءتهم في ما يريدون القيام به، بينما المهاجرون يحتاجون، زيادة على ذلك، إلى تقوية الشق العملي في أدائهم المهني، والإقبال على كل ما يتيح لهم جمع التجربة تلو الأخرى.
ويزيد الدنماركي المغربي عينه: “البنيات التعليمية الدنماركية مليئة بالطلاب، لذلك يحتاج الوافد عليها من بلدان أخرى إلى تأكيد قدرته على توفير قيمة مضافة لهذه البلاد الاسكندنافية، وبالتالي يصير للخبرة وزن ثقيل في إمالة الكفة تجاه ذوي الأصول الأجنبية؛ سواء كان مصدرها من العمل أو من أنشطة للمجتمع المدني”.
“الإنسان يعبر الأماكن مثلما يعبر الزمن، لذلك عليه أن يبقي نظره على المستقبل أينما تواجد، وذلك يعني أن يختار الميدان الملائم له قبل التحرك من أجل تعميق المدارك وتطوير المهارات. واليقين أن كل شخص متميز يبقى قادرا على شق مساره الشخصي المتميز وإن طال الزمن نسبيا”، يختم محمد العزوزي.
