مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. نعمان العزوزي ريفي يلمع في بذلة المحاماة بكوبنهاغن

طارق العاطفي | أمين الخياري
يتحدث نعمان العزوزي بلسان متعثر عند التعبير باللغة العامية المغربية، بينما تحضر الطلاقة عند التواصل بـ”تاريفيت” مع المحيطين به، ويبرر هذه الممارسة بالتأكيد على أن الولادة في الدنمارك لم تجعله ينهل من الثقافة المغربية غير الممارسات التي نقلتها أسرته المهاجرة من الناظور مطلع سبعينيات القرن المنصرم.

تذبذب العزوزي في اختيار التوجه الدراسي والمهني الملائم لقدراته، مستغرقا ما يحتاجه من وقت في التفكير قبل الإقبال على التخصص في العلوم القانونية من أجل ممارسة المحاماة، ليصير واحدا من الأسماء البارزة في هذا المجال على مستوى مملكة الدنمارك.

الخطوات الأولى
ولد نعمان العزوزي سنة 1973 في أحضان أسرة مغربية مهاجرة إلى الدنمارك، وتلقى تنشئة تجعله متشبعا بثقافة منطقة الريف التي تنغرس فيها جذوره العائلية، وما يعنيه ذلك من الحفاظ على الكلام باللغة الأمازيغية حتى اليوم، رغم اندماجه بشكل تام في فضاء العيش الذي رأى فيه النور منذ الازدياد.

ويقول نعمان: “استقر أبي في الدنمارك سنة 1970 قادما من الناظور، ثم التحقت به أسرتي المكونة من أمي و3 إخوة وقتها، وقد كنت أول الأبناء المزدادين بعد الهجرة، لذلك أعتبر أنني حصلت على عناية خاصة كي أبقى مرتبطا بجذوري الهوياتية، من جهة، واكتساب المهارات التي يتطلبها العيش في المجتمع الدنماركي، من جهة ثانية”.

كما يذكر العزوزي، في السياق نفسه، أن مرحلة طفولته مرت بكيفية تجعله يبحث عن السبل الملائمة للعيش بين ثقافتين متمايزتين دون أي مصاعب وازنة، وبذلك حاول الاستفادة من الجو السليم السائد في كل من البيت والشارع، لينهي طورَي التعليم الأساسي والثانوي، وبعدها ارتأى التوجه إلى الدراسة الجامعية من أجل التخصص في العلوم القانونية.

قلة غير مرصودة
يشدد نعمان العزوزي على أن فضاء عيشه لم يكن يعرف حضورا مكثفا للأجانب خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ما جعل الحيز المدرسي، بدوره، متسما بتواجد صغار الدنماركيين الأصليين إلى جوار قلة من نظرائهم ذوي الأصول الأجنبية، وبالتالي لم يكن أحد ينتبه إلى وضعيته كوافد من ثقافة مغايرة أو يتعاطى معه بطريقة مختلفة عن البقية.
ويضيف الدنماركي المغربي نفسه: “كانت الأمور تسير بشكل جيد جدا قبل الوصول إلى عقد التسعينيات من القرن العشرين؛ ففي هذه الأعوام شهدت منطقة اسكندنافيا، والدنمارك تحديدا، وصول الكثير من الأجانب للاستفادة من حق اللجوء، وانطلقت بعض الصدامات مع متعددي الثقافات”.

في خضم هذه التطورات، حاول نعمان العزوزي الاستقرار على تخصص في التعليم العالي يتيح له العمل في قطاع مهني يليق به، متأرجحا بين الهندسة والتعليم وطب الأسنان، فجاء الحسم باقتناع عقب إصغائه إلى نصيحة من محام يعرفه، ليقرر الإقبال على دراسة العلوم القانونية طيلة 5 مواسم جامعية بنية ممارسة المحاماة.

قضايا الشغل وأداء الشركات
امتثالا للقوانين والقرارات المنظمة لمهنة المحاماة في الدنمارك، احتاج نعمان العزوزي فترة تدريب من 3 سنوات كي يصير محاميا بصفة رسمية، لذلك التحق كمتدرب بأحد المكاتب المختصة من أجل الاعتياد على دراسة الملفات والحضور في المحاكم بمختلف درجات التقاضي، ليفلح في جمع خبرة ميدانية تعود عليه بالنفع لاحقا.

ويقول العزوزي: “كنت متدربا في طاقم أحد المحامين، وفي مكتبه بقيت 10 سنوات إضافية قبل أن أفتتح مكتبا خاصا بعملي، لذلك بقيت معجبا بإطار العمل ضمن فريق متجانس، وأنتمي حتى الحين إلى تكتل من 6 محامين يعمل على توزيع الملفات بين عناصره من أجل الحصول على نتائج إيجابية في النهاية”.

ويحرص المحامي المنتمي إلى شريحة “مغاربة الدنمارك” على التعاطي مع الملفات التي تحتاج استشارات وإجراءات ومرافعات ضمن قضايا الشغل، أساسا، بجانب تلك التي تهمها مضامين القوانين المتصلة بأداء الشركات، بينما الحيز الأكبر من أدائه المهني يخصصه للتنقل نحو بنايات العدالة للإشراف على ما يحتاجه التعامل الميداني مع كل قضية على حدة.

اليقين والدراية
يصر نعمان العزوزي على أن خياراته الدراسية والمهنية، المتعلقة بالعلوم القانونية وممارسة المحاماة، لم تكن تحظى باقتناع تام من لدنه في البداية، موردا أنه ارتأى خوض التجربة بسبب حضور ميول إلى هذه الوجهة فقط، لكن مرور السنين جعله يعترف بالنجاح في الاختيار؛ بانيا ذلك على تحسين وضعه الاجتماعي وتميزه في أدائه الوظيفي.

ويزيد المولود في العاصمة الدنماركية: “الافتخار يحضر حين أنظر إلى توفري على مكتب خاص بي ودعم أدائي من طرف مجموعة من المستخدمين، زيادة على تعاوني مع فريق محاماة من تخصصات قانونية متنوعة؛ كل هذا يعجبني ويحفز طموحاتي المستقبلية”.

ويبتغي العزوزي، وفق إفادته، توسيع مكتب المحاماة الذي يتوفر عليه، ليضم عددا أكبر من الموارد البشرية، وتنمية نشاطاته لتقديم المساعدة للأفراد والجماعات والمؤسسات التي تطلب مؤازرته بغية الحفاظ على الحقوق، ومواصلة البروز في المجتمع بارتباط مع صورة المحامي المتحرك بدراية واسعة.

اللغة والتكوين
يرى نعمان العزوزي أن المقبلين على الهجرة من أجل الاستقرار في الدنمارك يحتاجون إلى ضبط التواصل باللغة الدنماركية أساسا، بينما من يحاولون التواجد في هذه البلاد متواصلين بلغات أخرى يلاقون مصاعب كثيرة، ويلوحون منسلخين عن إطار العيش المشترك عند أول احتكاك مباشر بالآخرين.

ويورد مراكم خبرة 49 سنة من الحياة في كوبنهاغن أن هناك ضرورة ملحة لإقبال الجيل الجديد من الهجرة على التعليم والتكوين، “إذ يصيرون مطالبين بتقديم شواهد رسمية تثبت مهاراتهم عند التقدم للحصول على أي منصب شغل، دون تمييز بين التوجه نحو المهن المعقدة أو قبول الوظائف البسيطة”.

“التواجد في فضاء الهجرة يعني الالتزام بتقديم قيمة مضافة يحتاجها المجتمع المضيف، ما يعني وجوب تطوير القدرات والإلمام بالمستجدات، زيادة على التحلي بالذكاء البراغماتي في استغلال الفرص المتاحة من أجل رسم مسار ناجح يبرز الشخص وبلده الأصل في أبهى حلة عند الغير”، يختم نعمان العزوزي.