أبطال الرصيف الناظوري: حين يصبح الابتزاز فناً صيفياً بامتياز!


كتب: عماد الرافعي
مع كل نسمة صيف حارقة تهب على مدينة الناظور، ومع كل سيارة تحمل لوحة ترقيم أوروبية تعبر بفخر شوارعنا التي تئن تحت وطأة “التخطيط الحضري المذهل”، تزدهر مهنة نبيلة، وخدمة جليلة يقدمها لنا “مهندسو الأرصفة” و “خبراء تنظيم الفراغات” – أو كما يحلو للبعض تسميتهم بتواضع: “حراس السيارات العشوائيين”. يا له من تواضع! فهم في الحقيقة رواد أعمال بالفطرة، يكتشفون فرصاً استثمارية في كل شبر فارغ.
إنهم هناك، منتشرون كالفطر السام بعد ليلة ماطرة (أو بالأحرى، كأعشاب ضارة في حديقة مهملة)، يستقبلونك بابتسامة صفراء تكشف عن أسنان خبرت مرارة الحياة (وربما مرارة أشياء أخرى لا مجال لذكرها). يلوحون لك بيد متمرسة، كأنهم قادة أوركسترا يقودون سيمفونية ركن السيارات المستحيلة في مدينة تحولت شوارعها إلى حلبة مصارعة إغريقية، والبقاء فيها للأقوى… أو للأكثر استعداداً للدفع.
ويتميز هؤلاء الأفذاذ، وغالبيتهم – ويا للمفارقة السعيدة – من خريجي مؤسسات إعادة التأهيل الاجتماعي (لندعُ الأشياء بمسمياتها الراقية!)، بقدرة خارقة على تحويل أي زاوية أو ركن بريء إلى مصدر دخل مضمون.

لا يهم إن كان الرصيف مخصصاً للمارة، أو مدخل بناية، أو حتى أمام باب مسجد – فبمجرد أن تلمح سيارتك، يتحول المكان بقدرة قادر إلى “موقف خاص” يتطلب رسوم حماية… عفواً، رسوم “رعاية”.
والأجمل من كل هذا، هو ذلك الترحيب الحار الذي يخصون به أبناءنا العائدين من ديار الغربة، هؤلاء الذين أتوا ليستمتعوا بعطلتهم ويستثمروا “عملتهم الصعبة” في اقتصاد مدينتنا المزدهر.

فما أن تطأ إطارات سياراتهم الفارهة أرض الناظور الطيبة، حتى يجدون في استقبالهم هؤلاء “السفراء” غير الرسميين للسياحة الابتزازية.

“مرحباً بك في بلدك الثاني… والثالث هو جيبي!”، لسان حالهم يقول.
أما السلطات المحلية في الناظور، فلها منا كل الشكر والتقدير على هذه الرؤية “الثاقبة” في إدارة الفضاء العام.

يبدو أنهم يتبنون فلسفة “دعه يعمل، دعه يبتز”، وهي استراتيجية، وإن كانت غير معلنة، إلا أن نتائجها “المبهرة” تملأ شوارعنا صخباً وإبداعاً في فنون التهرب من الدفع أو الخضوع للأمر الواقع.

فمن قال إن الفوضى ليست نوعاً من النظام؟ نظام خاص جداً، أبطاله هؤلاء “الحراس” الذين يضمنون لنا أننا لن ننسى أبداً تجربة ركن السيارة في الناظور.
فلماذا لا نعلن الناظور عاصمة عالمية للسياحة الرصيفية العشوائية؟ لماذا لا نُدرج “حارس الرصيف الناظوري” ضمن التراث اللامادي للمدينة، ونقيم له تمثالاً عند مدخلها، يرتدي “جيلي” فسفورياً ويمسك بيده “وصولات” وهمية كرمز للكفاءة والاحترافية؟
لقد آن الأوان، يا سادة، أن نعترف بهذه “الكفاءات” وأن “ننظم” هذا القطاع… ربما بمنحهم تراخيص رسمية وتزويدهم بأجهزة دفع إلكتروني لتحصيل “إتاواتهم” بشكل أكثر حداثة و”شفافية”.

أو، وربما هذا اقتراح ثوري جداً، أن تقوم الجهات المعنية بعملها فعلاً، وتُعيد الرصيف للمارة، والشارع للسيارات، والقانون لهيبته المفقودة بين ثنايا “الجيلي” الأصفر.
إلى متى سنستمتع بهذا “التنظيم” الفريد من نوعه الذي يجعل من مدينتنا الناظور، درة المتوسط، مثالاً يُحتذى به… في الفوضى الخلاقة؟ يبدو أن الصيف سيكون حاراً جداً، وجيوبنا أخف وزناً، وأعصابنا… حسناً، الأعصاب تحتاج إلى مقال آخر!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *