الإبداع في زمن كورونا / مقتطف من سيرة عادية. كسوة العيد..

أريفينو : 25 أبريل 2020.

ميمون حرطيت*
كان عيد أضحى ذلك العام على الأبواب حين عبرت خيالي اليافع فكرة مفاتحة أبي في شأن كسوة العيد؛ تحينت فرصة انبساط أسارير وجهه، وبادرته بطلبي: أبي هل تسمح لي بشراء كسوة العيد بنفسي؟
-بنفسك؟ وكيف؟
-أقصد ؛ أن أتسوق بنفسي بمقدار ما ستتفضل به عليّ.
-وهل بوسعك فعل ذلك ؟
-أجل؛ فأنا في الرابعة عشر من عمري، وقد آن الأوان لأجرب.
-إنها أجرة أسبوع من العرق؛ فأحسن الإنفاق والاختيار.
سحب أبي من علبة في أعلى أحد الرفوف بضع أوراق مالية، أعاد عدها أمامي، وهو يقول قبل أن يمدها لي: كن يقظا، كن يقظا!
إنها أول مرة أحس فيها بأن عقلي قد قفز إلى جيبي؛ ولم أنم في تلك الليلة إلا قليلا؛ لقد ظللت أعد الورقات وأرتبها حسب فئاتها: ماذا يمكن لمائة درهم أن تشتري؟ سروالا وقميصا وسريدة؟ سردية لا؛ فالفصل صيف؛ أشتري سروالأ، وزوج حذاء أسودين، وقميصا أبيض. كنت في كل مرة أخمن ثمن ما سأشتريه:هذه للسروال، وهذه للحذاء، وهذه للقميص، ثم يبدو لي أن الباقي عندي لا يزال كبيرا، فأضطر إلى إعادة توزيع الأثمنة مرة أخرى. قلت مع نفسي: في الصباح أركب حافلة. ثم عدلت عن ذلك: لماذا لا أذهب ماشيا؛ كما دأبت على ذلك وأنا ذاهب إلى الإعدادية؟ وإذا ما فضل معي بعض دريهمات أركب بها الحافلة عند العودة. اقتنعت بالفكرة،ونمت أخيرا.
* * *
كان كل شيء يسير على أحسن وجه؛ ولما كان الوقت لا يزال مبكرا على العودة إلى البيت ، عندما انتهيت من شراء ملابسي؛ راودتني فكرة مشاهدة شريط سينمائي؛ تحسست جيبي ؛ فإذا النقود المتبقية من مبلغ شراء كسوة العيد كافية للوفاء بالغرض، وعوض العودة راكبا؛ سأتمشى كما اتيت.
اشتريت شطيرة، ثم عرجت منخرطا في طابور ممتد؛ على طول بناية سينما الريف؛ بعد أن حشوت زادي الملفوف في ورق رقيق؛ داخل أحد كيسي الكسوة؛ جمعت كل ذلك في يد، وفي الأخرى هيأت ثمن التذكرة.
كانت الأفلام الهندية في موجتها الأولى ؛ هي المهيمنة على المشهد السينمائي في مدينتي، و أذكر أن عنوان الشريط كان:( الأم الهندية)،وبعد طول انتظار وتدافع؛ اشتريت التذكرة.
في مدخل القاعة أشارت لي المضيفة بضوء كشافها بأن أتبعها؛ مشيت خلفها بضع خطوات، ثم أومأت إلى مقعد في أول الممر ، فجلست بعد أن وضعت الكيسين بمحاذاة قدمي؛ لم يكن الفيلم قد بدأ؛ غير أن الأضواء كانت منطفئة ، لفسح المجال أمام لقطات إشهارية أهمها؛ تلك الطائرة التي كانت تقلع بشكل مفاجئ، و مفزع فوق رؤوسنا؛ مضت بضع لحظات ثقيلة قبل أن يُفرَج عن الشريط؛ قلت مع نفسي: لماذا لا أنتهز لحظة (الجنريك) لأتناول شطيرتي؟ و كذلك فعلت.
شيئا فشيئا بدأت أتفاعل مع أحداث الفيلم الغارق في تراجيديا استبداد الإقطاع؛ مرت ثلاث ساعات كالبرق…انتهى الفيلم، و اشتعل الضوء؛ فإذا كيسا كسوة العيد قد اختفيا؛ هرعت دون تقديم أي اعتذار لمن زاحمتهم في الممر المفضي إلى باب الخروج، كان الليل قد شرع يعتم على المكان؛ نظرت يمينا ، و شمالا، فأماما، ثم خلفا؛ بحلقت في وجوه بعض المارة؛ لكن لا شيء يرد الروح؛ لقد اختفت كسوة العيد!!!عاتبت نفسي لحد العض: ليت اني دخلت سينما (فيكتوريا)أو ليتني تخليت عن فكرة السينما بالمرة!!!
أما ما وقع لي مع أمي قبل أبي عند العودة؛ فتلك حكاية أخرى.
*أستاذ متقاعد.
