الإبداع في زمن كورونا :مقتطف من سيرة عادية: إسقاط “فيتو” السيدة “بيزا”.

أريفينو : 21 مايو 2020.

ميمون حرطيت*
كانت المسافة التي تفصل دارنا عن الكُتّاب الوحيد في مدشر “عرّيض”وقتذاك؛ تتطلب مرافَقة ذات ثقل، ومزودة بما يلزم من سلاح، للدفاع عن النفس، فقد كان نصف المسافة حقولا من القمح تارة، و من نوار الشمس تارة أخرى، و من الشعير ثالثة؛ يثير الكثير من الرهبة في نفس طفل دون السابعة؛ أما النصف الآخر من الطريق، فقد كان الجحيم عينه؛ خصوصا في الصباح الباكر؛ فقد كان يؤثثه نبات الصبار الكثيف من كلا الجانبين، ومصيبة تتمثل في كلبة تدعى”بيزا”.
في أصباح بعض الأحيان، كان يجلبني أبي معه على متن جرار..لكم كان يعجبني ذلك برغم الإبكار، وبعض البرد الذي كان يلفح وجهي في الأيام الشتوية؛ ووقوفي الطويل أمام باب الكتاب في انتظار قدوم الفقيه. كنت أصاب بنوبة تشفّ وأنا أبصر الكلبة “بيزا “تأكل نفسها” نباحا، وعدوا جنب إحدى عجلات الجرار الخلفية العظمى، ولست أدري ما الذي كان يشدني إلى التمعن في وجه أبي الذي لم تكن تبدو عليه أية علامات الانشغال بنباح” بيزا”.
في الأيام التي يكون فيها أبي غائبا، في نوبة حرث أو حصاد، كانت أمي تتكبد عناء مرافقتي؛ إلى ما بعد انقضاء صفي الصبار، وانتهاء سلطة السيدة”بيزا”، ولم تكن تنسى أن تتزود بعصا تتركها دوما خلف الباب عند العودة؛ وكم من مرة رأيتها تنحني للتسلح بمزيد من العتاد؛فكان ذلك يثير في نفسي رهبة أكبر: هل الكلبة أقوى من أمي؟وإلا ، فما الذي يجعلها لا تكتفي بنفسها؟ لذا كنت من حين لآخر؛ وأنا امشي مهرولا خلفها؛ أعمل على التقاط ما اتصوره مسعفا على ردع الكلبة. ذات مرة تخلصت -وأنا برفقة امي- من عدة حصي لأتزود يقرن خروف، لأنني حسبت هذا الأخير أقوى من الكلبة”بيزا” بدليل نطحه لي وطرحي أرضا قبيل ذات عيد؛ في ما “بيزا لم تستطع سوى ترهيبي بنباحها المسترسل.
في الكُتاب؛ لم يكن الفقيه يتردد في أمرنا بتضييق الحلقة حوله؛ على شكل حذوة حصان؛ لم أفهم الغرض من ذلك إلا في ما بعد؛ فقد كانت غايته أن تصل لسعات عصاه الأفعوانية إلى كل واحد منا.، دون أن يتململ من مكانه. كنت أحس – وأنا في جوقة المكررين للآيات الكريمة المطلوب من كل واحد منا حفظها- أنني في سوق تتداخل فيه الأصوات والكلمات؛ حيث يرتفع صوت(كلا سوف تعلمون…)ثم ينخفض، ليعود آخر(إن للمتقين مفازا..) ليتداخل الصوتان مع ما كنت بصدد حفظه، ثم يختلط ذلك كله بكابوس”بيزا” ليتبخر كل ما حفظته أو كدت…
كنت من حين لآخر أسترق النظر إلى الفقيه؛ فأجده مغمض العينين، شبه مائل برأسه المطوق بعمامة لا تفارق رأسه إلا لماما؛ يغمغم بين الفينة والأخرى بكلمة؛ أو كلمتين؛ يلتقطها الجميع، ليعلو الصخب بعد ذلك من جديد. قلت مع نفسي: لو كنت تمر من طريق “بيزا” لما غمض لك جفن.
قالت لي أمي ذات صبيحة يوم شتوي، وهي طريحة الفراش بسبب نزلة برد حادة؛ في ما كان أبي غائبا: ها أنت ترى حالي يا ولدي! فلا حرج عليك إن لم تذهب هذا اليوم. قلت بتمتمة كسلى: بلى!
لم تعلق أمي بكلمة؛ لكنها لما تأكدت من تجاوزي لعتبة الباب الخارجي؛ قالت: أنت رجل؛ فتعلم كيف تعتمد على نفسك. لم أكن قد أوصدت الباب خلفي بعد؛ حينما سمعتها تنادي: لا تنس العصا يا ولدي!
كان كل أملي إلا تعترض الكلبة طريقي؛ لم يحدث- مع ذلك – أن شعرت بنبض قلبي مثلما حدث لي في ذلك الصباح. كنت أمشي يخطو بطيء ، وألتفت في كل مرة إلى الخلف؛ لعل مارًا ينقذني من ورطتي، أفكر في العودة إلى المنزل، ثم أكابر، فأقول: لا. وبعدها اوبخ نفسي: لمَ لم تتسلح بالعصا؟ ثم أستعرض قول أمي: أنت رجل.
وأنا داخل في مملكة السيدة” بيزا” كانت عيناي لا تستقران على مكان بعينه، فكل فراغ في دغل الصبار هو وجارها،فكم من مرة فاجأتنا من هذا التجويف أو ذاك، حتى أنها كادت ذات مرة أن تنهش لحمي لولا العصا التي كانت تلوح بها أمي.
أين أنت يا أبي؟ فأنت وحدك بجرارك تجعل الكلبة مثل أية حشرة لا تقوى على شيء!
رفعت رأسي بعدما كدت أخرج من حدود مملكة السيدة” بيزا”؛ فإذا هي تقعى جامدة في وسط الطريق أذناها منتصبتان ، وشفتاها منحسرتان إلى الخلف تكشفان عن أنياب تشي بخطر محدق، اقشعر بدني،و وهنت ركبتاي. في أية ورطة أوقعت نفسك يا شقي! استجمعت بعض جأشي؛ وشرعت أرشقها بما جمعت من أحجار؛ كانت كلما ارتطمت حجرة بالأرض؛ إلا و سارعت إلى التقاطها؛ وهي تزمجر؛ وكأني بها تقول لي: هكذا سأفعل بك.
لم أشعر وأنا أرميها بالحجارة ؛بأنني في كل مرة أتقدم نحوها في ما هي تتقهقر؛ إلى أن أصبتها في خطمها، فندت عنها صرخات متتالية أشبه بالأنين؛ اختفت بعدها خلف نبات الصبار؛ وبينما كان أنينها يخفت شيئا فشيئا؛ كنت أنا قد أجتزت بنجاح أول أختبار في الصراع مع “بيزا.
مع مرور الأيام كنت كلما مررت من تلك الطريق آخذ حذري؛ ثم أتذكر بأن “بيزا قد نفقت.
انتهى.

أستاذ متقاعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *