الإبداع في زمن كورونا :مقتطف من سيرة عادية: درس خارج الفصل.

أريفينو : 27 مايو 2020.


*ميمون حرطيت.
كان جالسا لوحده في باحة إحدى مقاهي القرية، مواجها عين الشمس التي لم تتبوأ بعد كبد السماء؛ أمامه كان كأس الشاي الذي طلبه منذ ما يزيد عن ساعة قد قد فقد كل دفئه، واسودّ نعناعه…
في جلسته تلك، كان شاردا، يحاول أن يتأمل من خلال حاضره المهموم مستقبله المضبب؛ لكن سرعان ما عادت به ذاكرته المشحونة بما يدري وما لا يدري، عقدين من الزمن إلى الوراء، وقت كان يربو على سن السابعة من عمره؛ وعيناه مركزتان على لوحة مستطيلة أمامه؛ على بعد بضعة عشر أمتار..
م د ر س ة ،هكذا راح يتهجأ الكلمة…بينما جموع آدمية بريئة تتحرك صوب الباب، بحيوية فيها ما يكفي من النزقية، ثم تنتشر في الساحة كالعصافير؛ براعم صغار؛بعضهم بوزارات بيضاء وزرقاء، وآخرون بدونها، ومحافظ قزحية الألوان…تسارع نبض قلبه، وتمنى لو يعود به الزمن إلى أيام الطفولة لعله يستدرك ما فاته، لكن هيهات!!!
من فرط تأثره، قام؛ وضع بضعة دراهم على الطاولة، وانصرف.
قبيل عصر نفس اليوم، وبينما هو في طريقه مرة أخرى إلى نفس المقهى؛ استرعى انتباهه محفظتان شبه مدسوستين تحت إحدى القناطر، تقدم بضع خطوات ، ثم بدأ ينحذر؛ وإذا بأصوات أقرب إلى الهمس تتناهى إلى مسمعه، وحين أطل خفية؛ تتراءى له طفلان منهمكان في ألعاب الفيديو على هاتفهما النقال..
-ماذا تفعلان؟
-(…)
-أتفضلان هذا الشيء على المدرسة؟
-(…)
-إنكما لا تدركان الآن عاقبة ما تقترفان، أنتما تبدوان لي كمن يود الصعود إلى الطابق العلوي دون استخدام السلم، ولكن عندما تكبران، وتكبر الأمية معكما، مثلما كبرت معي؛ ستندمان، حينذاك لن ينفعكما الندم..
لم يستوعب الطفلان جيدا ما يقوله لهما الشاب؛ غير أنهما راحا بعد ذلك يرفعان رأسيهما شيئا فشيئا؛ حتى أصبح عنقاهما في اشرئباب؛ وهما في حالة من اللجلجة والدهشة.
كان قد أنهى الخطوات التي تفصله عنهما حينما قال بصوت فيه الكثير من الندم، والرثاء.
-إن ما يحدث لكما الآن سبق أن عشته؛ وإن كان في ظروف مغايرة. وقتها كنت في مثل سنيكما تقريبا، ولم أكن أفهم معنى التعلم.
انحنى قليلا؛ حتى تساوى بما يكفي مع قامتيهما، ثم وضع إحدى يديه على كتف أحدهما؛ فيما الأخرى تلاعبت بشعر الثاني، وهو يقول متنهدا: لقد كنت أعتبر المدرسة مجرد سجن يتخذه أبواي وسيلة للتخلص من عربداتي؛ كما كانت المحفظة بالنسبة لي ثقلا كنت أبحث دوما عن مبرر للتحرر منها؛ لقد كنت ميالا إلى اللعب واللهو، وبسبب ذلك كنت أكثر التلاميذ تعرضا للعقاب، كما أنني كنت ولوعا باللعب بالكلل، وعدها؛ إلا أن إعادة عدها في القسم كان بالسبة لي ضروريا. نظر إلى الأفق ، ثم إلى الطفلين، وأضاف بحسرة: وقتئذ لم أجد من ينصحني.
اِنحنى على المحفظتين.. أخذهما بين يديه..تأملهما جيدا، ثم قفل صاعدا. كان الطفلان قد تبعاه، وعندما أصبحا بالقرب منه، سمعاه يقول:ليت المصيبة انتهت هنا؛ بل من هنا ابتدأت…
لقد أصبحت أتغيب، وأقضي معظم وقتي في اللعب، والقيام بأعمال تافهة، ولما تأكد أبي-بعد مدة- من تغيبي، أشبعني ضربا، وشتما، ثم قادني إلى القسم، ليضعني تحت رحمة عصا المعلم؛ وكانت حصة صباح ذلك اليوم آخر عهدي بالمدرسة…
لا شك أنكما تتصوران الآن كبر الفرحة التي يشعر بها من تخلص بشيء ظنه عبءا، لكنكما لن تتصورا عمق الأسى، والحسرة اللذين يحس بهما النادم؛ لأنكما لم تندما بعد عن شيء.
كان الثلاثة قد قطعوا عشرات الأمتار؛ عندما مد لكل واحد منهما محفظته؛ وبصوت آمل قال:ربما لم تفهماني جيدا، لكن تذكرا دوما أنه من الأجدى أن نعرف كيف نواجه المشاكل، وكيف نحلها، وأن نعرف أيضا وأساسا، بأن كل الطرق الممكنة لفعل ذلك؛ تبتدئ من هنا؛ وأشار إلى المدرسة.
تأبط الطفلان محفظتيهما، وهرعا مسرعين، ولما كانا في الساحة، التفتا نحوه، ورفعا يديهما ملوحين.

*أستاذ متقاعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *