الفاهيم: الاكتفاء بتلقي اللقاح لا يتيح القضاء على “كورونا” بصفة نهائية

 محمد الراجي 

في غمرة الترقب العالمي لمستجدات متحورات فيروس “كورونا” الجديدة، يسود توجس من طرف الباحثين والخبراء في علم الفيروسات من ظهور متحورات جديدة ذات قدرة على المناورة لتجاوز صدّ المناعة.

في هذا الحوار مع الأستاذ مصطفى الفاهيم، المسؤول عن المنصة الجينومية بالمركز الوطني للبحث العلمي وعضو في ائتلاف مختبرات اليقظة الجينومية التابعة لوزارة الصحة، نتطرق إلى مختلف الأسئلة المتعلقة بمستجدات “كوفيد-19”.

من المعروف أن الفيروس حين يتكاثر تحدث فيه طفرات. فيروس “كورونا” يتميز بعدد من الخاصيات، أولاها أنه عندما تقع فيه طفرات يحتفظ بالطفرة التي تؤهّله لكي يتكاثر ويلتصق في المُستقبِلات ويدخل إلى خلايا الجسم بسهولة، وإذا كانت الطفرة لا تساعده على ذلك يقوم بتصحيحها.

الخاصية الثانية التي يتميز بها فيروس “كورونا” هي أن الطفرات التي تنبثق عنه تكون على حساب الجسم المستقبِل، فإذا كان الجسم المستقبل لديه مضادات طبيعية، أي جهاز المناعة، ولديه مضادات مكتسبة، من خلال التطعيم، ومضادات من خلال الأدوية، فإن الفيروس يطور نفسه من أجل الإفلات من كل هذه المضادات عن طريق الطفرات.

خلال الآونة الأخيرة ظهر عدد من المتحورات. متحور “ألفا”، مثلا، تكوّن لدى إنسان بإنجلترا بقي فيه الفيروس مدة طويلة وخرج المتحور، واكتسب خاصية في البروتين الشوكي تتمثل في الالتصاق بالمستقبل في خلايا الرئتين، وقام بطفرة مكنته من الدخول بسهولة، وكذا التكاثر بسهولة.

وبالنسبة لمتحور “بيطا”، وكما تتبعتم، كان هناك نقاش وأسئلة حول سبب عدم استمرار جنوب إفريقيا في استعمال لقاح “أسترازينيكا”، والسبب هو أن الفيروس الذي تطور عندهم اكتسب قدرة أخرى على الإفلات من المناعة المكتسبة.

قدرة فيروس “بيطا” على الإفلات قلصت النجاعة المناعية للقاح “أسترازينيكا” في جنوب إفريقيا من 76 في المئة إلى 10 في المئة فقط، بمعنى أن 10 في المئة فقط من الأشخاص الذين لُقحوا بـ”أسترازينيكا” هناك، هم الذين لديهم مضادات حيوية كابحة des anticorps neutralisants وصاروا محميين، بينما 90 في المئة المتبقون لا يتوفرون عليها.

وبالنسبة لمتحور “دلتا”، فما ميزه هو أنه اكتسب القدرة على الدخول إلى الخلايا بسهولة لا تُتصور، وإذا قارناه بمتحور “ألفا” نجد أن كمية الفيروسLa quantité de virus ، التي تنشأ في القصبة الهوائية العليا (الأنف والحنجرة)، هي أكثر من متحور “ألفا” بألف مرة، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نجد عبء الفيروس “Charge virale” هائلا عندما نقوم بالتحليلات في المختبر.

هذه الحالة تعني أن الفيروس تكاثر بكميات كبيرة، وبالتالي تزايد احتمال نقل العدوى من الشخص المصاب إلى أشخاص آخرين، ويمكن أن ينزل بسهولة كبيرة إلى الرئة، وإذا نزل إلى الرئة يعمل جهاز المناعة على مقاومته، لكن سرعة انتشار الفيروس تسبق سرعة مقاومة جهاز المناعة.

ما الهدف من اليقظة الجينومية التي تقومون بها عبر المنصة المخصصة لهذا الغرض بالمعهد الوطني للبحث العلمي؟

الهدف من اليقظة الجينومية أن نعرف هل وقعت طفرة في البروتين S، وهل اكتسب قدرة على اقتحام الخلايا بسرعة، وهل وقعت طفرات في مناطق في البروتين S، حيث يمكن أن يهرب من المناعة.

يتساءل عدد من الناس لماذا الأشخاص الملقحون يصابون بالفيروس. هذا راجع إلى نجاعة اللقاح. فإذا كانت النجاعة في حدود 70 في المئة، فهذا يعني أن 70 في المئة من الملقحين سوف تكون لديهم مناعة وسيكتسبون أجساما مضادة كابحة، لكن 30 في المئة المتبقين يظلون معرضين للإصابة، ولكن المرض يظل مكبوحا ولا يصل إلى الحالة الخطرة، اللهم الأشخاص الذين لديهم أمراض مزمنة.

هل معنى هذا أن اللقاح لن يقضي على فيروس “كورونا” بصفة نهائية؟

اللقاح سلاح من بين الأسلحة، ولا يمكن الاعتماد عليه لوحده. لو كان اللقاح ناجعا بنسبة 100 في المئة، فهذا معناه أن جميع الملقحين سيكتسبون أجساما مضادة كابحة، لكن لا يوجد أي لقاح لحد الآن يتوفر على نجاعة تامة.

وما هو الحل إذن؟

لا تزال تجرى أبحاث لإيجاد أسلحة أخرى لمواجهة هذا الفيروس، ومن الأسلحة التي يمكن أن تساعد هناك لقاح الأنف Vaccin nasal، وهو لقاح خاص بجهاز القصبة الهوائية العليا، عبارة عن قطرات في الأنف، وعلى إثرها تتشكّل أجسام مضادة في الجهاز التنفسي العلوي لأنه المدخل الذي يتسرب منه الفيروس، وإذا كانت هناك أجسام مضادة في هذه المنطقة فعندما يتكاثر الفيروس يُكبح، وبالتالي تنخفض سرعة انتشاره.

السلاح الثاني هو الأدوية (المضادات)، مثل الكلوروكين، وهناك مضادات خاصة تشتغل عليها شركة “فايزر” وشركات أخرى. ولكي تكون هذه الأدوية فعالة ينبغي أن تكون سهلة الاستعمال. ويبقى السلاح الأهم لمواجهة “كورونا” هو الوقاية الذاتية عبر ما يقوم به الإنسان من أجل حماية نفسه.

ما طبيعة الأبحاث المتعلقة بفيروس “كورونا” التي تقومون بها هنا في المركز الوطني للبحث العلمي؟

بالإضافة إلى اليقظة الجينومية، فأنا أشتغل بصفتي المنسق الوطني لائتلاف البحث العلمي حول “الكوفيد” الممول من طرف أكاديمية الحسن الثاني للعلوم التكنولوجية. لدينا ستون باحثا منكبون على إشكالية “الكوفيد”، وهي تتوزع على أربعة توجهات كبرى للبحث Axes de recherche، أولها فهم الجينوم الذي نتحدث عنه، ولماذا هناك أشخاص يصابون بالفيروس ويقاومونه ويتخلصون منه، بينما أشخاص آخرون يصابون به ويتحولون إلى حالات حرجة.

هناك مجموعة من الأشخاص يمكن أن يتطور لديهم المرض إلى حالة خطرة، وإذا عرفناهم من خلال العلامات الوراثية les marqueurs génétiques، سنتمكن من الحد من حالات الإصابة الحرجة بالفيروس، عبر إعطائهم الأولوية في التلقيح، ومراقبتهم.

المحور الثالث في البحث الذي نقوم به يرتكز على المناعة، حيث نعمل على تحليلها وفهمها، لكي نتمكن من معرفة كيف يستطيع الفيروس أن يهرب من المناعة، وهل نتوفر فقط على المناعة الخلوية، وكم مدتها، وهل يمكن تطوير أدوية لتقوية المناعة لكي تقاوم.

نحاول أيضا أن نفهم لماذا يحدث عند بعض الأشخاص ما يسمى بـ”الإعصار السيتوكيني”، أو الإصابة التي تأتي على أجزاء كبيرة من الرئة قد تصل إلى 80 في المئة.

حين نصل إلى هذه المرحلة فإن الأمر لا يتعلق بالفيروس، لأن جهاز المناعة قضى عليه، لكن هذا الأخير يقوم بإلهابinflammation الموقع الذي أصابه الفيروس، وكأنه ينهج “سياسة الأرض المحروقة”، ذلك أنه يجد نفسه أمام خلايا يتكاثر فيها الفيروس ولا يستطيع التغلب عليها بسرعة، فيعمد إلى قتل خلايا الرئتين، وربما يتكاثر الفيروس في القصبة الهوائية، وهنا نلجأ إلى استعمال الأدوية. ولكن لكي يكون الدواء فعالا يجب استعماله في الوقت المناسب.

إذا استعمل الشخص، مثلا، مضادات الالتهاب وهو ما زال في بداية تكاثر الفيروس، فهذا يسهل عليه المأمورية ليتكاثر، لأن هذه المضادات تخفض قوة المناعة في الوقت الذي يتكاثر الفيروس.

الأدوية التي تخفض الالتهابات يجب أن تكون في وقت مناسب، ولهذا فالأطباء المعالجون هم الوحيدون الذين يعرفون الوقت المناسب لاستعمالها، بناء على مؤشرات يتم استقاؤها من إجراء تحليلات الدم. نحن العلماء نعطي فقط المعلومة العلمية، أما توظيف هذه المعلومة فيبقى من اختصاص الأطباء.

أود هنا أن أؤكد على ضرورة أن علينا ألا نستخف بالمعلومات، وأن نأخذها بجدية، وأن نتخذ الاحتياطات اللازمة. هناك كارثة تقع تتمثل في أن عددا من الأشخاص يشعرون بأعراض الإصابة بالفيروس ويستخفون بها، ويعتقدون أنهم أصيبوا بنزلة برد.

لا بد كذلك من تطبيق البروتوكول الصحي الوطني. هناك بعض الأطباء العموميين لا يصفون دواء الكلوروكين للمصابين، رغم أنه يدخل ضمن البروتوكول العلاجي، ولا نفهم لماذا.

الكلوروكين مهم جدا، لأنه يساعد الزنك الذي نتناوله لكي يدخل وسط الخلايا لمقاومة الفيروس، وإذا استعمل المصاب الزنك ولم يستعمل الكلوروكين، فهذا يقلل نسبة فعالية الزنك.

هل هناك توقعات بشأن متى سيختفي فيروس “كورونا”؟

ليست هناك أي مؤشرات حول متى سيتم القضاء على هذا الفيروس، لأنه فيروس جديد، ولا يمكن لأي كان أن يتنبّأ بما ستؤول إليه الأمور.

ما يمكن قوله هو أن ما سيأتي بعد الطفرات الحالية قد يكون أسوأ، ولهذا يجب أن يكون هناك استعداد بكل جدية، سواء الاستعداد على المستوى الفردي أو الجماعي، وكذا استعداد المنظومة الصحية، وأن نكون على أهبة اليقظة للتقليل من تداعيات هذا الوباء، عوض أن ننتظر حتى نغرق لنبحث عن الحلول.

لحسن الحظ أننا نملك اليوم الوسائل العلمية والتقنية التي تمكننا من معرفة ما هو الفيروس وكيف يتطور، وهذا لم يكن متوفرا من قبل. مثلا الإنفلونزا الإسبانية دامت خمس سنوات لأن الإمكانيات العلمية في ذلك الوقت لم تكن متوفرة مثل اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *