الكفاءة قبل الولاء… كيف نختار مرشحي انتخابات 2026؟

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يزداد النقاش داخل الأحزاب السياسية وفي أوساط المواطنين حول طبيعة المرشحين الذين سيقودون المرحلة المقبلة. فهذه الانتخابات ليست مجرد موعد عادي لتوزيع المقاعد، بل محطة وطنية حاسمة ستساهم في رسم ملامح المغرب خلال السنوات القادمة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي يعيشها الوطن، واستعداد المغرب لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030.

ومن هنا، يصبح من الضروري طرح سؤال جوهري: كيف يتم اختيار المرشحين؟ وهل ما تزال بعض الأحزاب تعتمد على المال، أو العلاقات الشخصية، أو الولاءات الضيقة، أو النفوذ المحلي، بدل اعتماد الكفاءة والنزاهة والقدرة الحقيقية على تمثيل المواطنين؟

إن اختيار مرشح للبرلمان ليس أمراً بسيطاً، لأن النائب البرلماني ليس مجرد شخص يرفع يده للتصويت داخل المؤسسة التشريعية، بل هو مسؤول عن التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، والدفاع عن قضايا المواطنين، واقتراح الحلول، والمساهمة في صناعة القرار الوطني. ولهذا، فمن غير المنطقي أن يُسمح لأي شخص بولوج هذه المسؤولية فقط لأنه يملك المال، أو ينتمي لعائلة نافذة، أو يتمتع بولاء أعمى لهذا المسؤول أو ذاك.

إن أي مواطن يريد الولوج إلى وظيفة بسيطة في الإدارة أو التعليم أو الأمن أو القضاء، يُطلب منه اجتياز مباريات كتابية وشفوية واختبارات دقيقة للتأكد من كفاءته وقدرته على تحمل المسؤولية. فكيف يمكن أن نقبل بأن يتولى شخص مسؤولية التشريع والرقابة وتمثيل الأمة دون أي اختبار حقيقي لكفاءته الفكرية والسياسية والأخلاقية؟

لهذا، أصبح من الضروري أن تعتمد الأحزاب السياسية آليات حديثة وشفافة في اختيار المرشحين، تقوم على إخضاعهم لاختبارات شفوية صارمة أمام لجان مستقلة وكفؤة، تضم خبراء في القانون والسياسة والاقتصاد والتواصل والإدارة الترابية. وينبغي أن يتم تقييم المرشح وفق معايير واضحة، من بينها:

مستوى الثقافة العامة والمعرفة الدستورية والقانونية.
القدرة على التواصل والإقناع والحوار.
فهم مشاكل المواطنين واقتراح حلول واقعية.
النزاهة والسلوك الأخلاقي والسيرة الشخصية.
القدرة على الدفاع عن قضايا الوطن داخل البرلمان وخارجه.
التوفر على رؤية تنموية حقيقية للمنطقة التي سيمثلها.

كما ينبغي أن تُطرح على المرشحين أسئلة دقيقة حول قضايا التعليم، والصحة، والبطالة، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، والدبلوماسية، والعدالة المجالية، حتى يتأكد الحزب والمواطن معاً أن المرشح يمتلك الحد الأدنى من الكفاءة السياسية والفكرية.

إن الديمقراطية لا تُبنى فقط عبر صناديق الاقتراع، بل تبدأ أولاً من جودة الأشخاص الذين يتم تقديمهم للمواطنين. فحين تُزكّى الكفاءات، يرتفع مستوى النقاش السياسي، وتتحسن صورة المؤسسات، ويستعيد المواطن ثقته في العمل السياسي. أما عندما تتحول التزكيات إلى سوق للمال والولاءات والقرابة، فإن ذلك يؤدي إلى إضعاف المؤسسات وإحباط المواطنين وعزوف الشباب عن المشاركة السياسية.

ومن المؤسف أن بعض الأحزاب ما تزال تنظر إلى المرشح باعتباره “آلة انتخابية” قادرة على جمع الأصوات فقط، بدل اعتباره مشروع رجل دولة أو امرأة دولة قادرين على خدمة الوطن بجدية وكفاءة. والحقيقة أن المغرب اليوم يحتاج إلى نخب سياسية جديدة تجمع بين الأخلاق والكفاءة والخبرة والقدرة على التواصل مع المواطنين بلغة الصدق والعمل.

إن المرحلة المقبلة تتطلب برلماناً قوياً، يضم كفاءات حقيقية قادرة على مواكبة الأوراش الملكية الكبرى، والدفاع عن مصالح الوطن، ومراقبة السياسات العمومية بجرأة ومسؤولية. ولن يتحقق ذلك إلا إذا تحلت الأحزاب بالشجاعة الكافية لتغيير أساليبها التقليدية في اختيار المرشحين.

فالوطن لا يحتاج إلى أصحاب المال فقط، ولا إلى محترفي الولاءات، بل يحتاج إلى رجال ونساء يمتلكون الفكر والكفاءة والنزاهة وروح المسؤولية.
إن مستقبل المغرب يستحق أن نختار الأفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *