بث المحاكمات على الأنترنت يثير المخاوف؟؟

يبدو أن التوجه نحو بث جلسات المحاكمات العلنية عبر الأنترنيت وجعلها مفتوحة أمام المواطنين في إطار مراقبة العمل القضائي من المتوقع أن يحدث نقاشا مجتمعيا بين الأكاديميين والباحثين في حقل القانون، وأيضا في مجال حقوق الإنسان، بما أن “للشخص المتهم أو أطراف التقاضي الحق في صورتهم الخاصة، لاسيما في وقت صارت خصوصية الأفراد تنتهك داخل الأوساط الرقمية”، وفق متتبعين.

عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، قال، أمام أعضاء لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب: “ما دام أن أي مواطن يمكنه أن يدخل إلى المحكمة، فلماذا لا يمكن لأي مواطن أن يدخل إلى الأنترنيت ويتابع”.

وأضاف وزير العدل موضحا: “لدينا نقاش في الموضوع، والقرار لم نتخذه بعد، وارتأينا أن نستمع إلى السادة القضاة وهيئة حماية المعطيات الشخصية ونفتح فيه النقاش؛ لكن إذا أردتم تحقيق الرقابة على القضاء فهذا الطريق”.

بيد أن الباحثين في الشأن القانوني، اعتبروا أن “الذين يأتون إلى المحكمة في إطار علنية الجلسات يحضرون فقط، ولا يصورون المتهمين أو الجناة، إلخ، لا سيما أن هذه التجربة في أمريكا تواصل طرح إشكالات بخصوص تداول بعض المقاطع والسخرية من أصحابها أو التشهير بهم أو اعتماد صور الجلسات للمساس بهم وبحقوقهم الخاصة”.

“تأهيل قانوني”

عبد العزيز خليل، باحث في القانون، اعتبر أن “بث الجلسات عن بعد لن يخرج عن المقتضيات المعمول بها طبعا في علنية الجلسات، بما أن هناك مجموعة من الجلسات التي تكون سرية وفق تقدير السلطة القضائية، خصوصا القضايا الأمنية والملفات المرتبطة بالأسرة التي تدور فيها أمور خاصة تدخل في إطار حميمية الأسرة”، لافتا إلى أن “هذه القضايا تهم الأشخاص المعنية بالقضية بشكل أساسي”.

وأوضح خليل، أن “بث المحاكمات رقميا يتعين أن يخضع أيضا للمعايير المعمول بها في إطار حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، خصوصا أن الجلسة على الأنترنيت تكون قابلة للتسجيل؛ وهو ما يطرح إشكالا بما أن الرقمية تتعارض مع الحق في النسيان، ويمكن أن تُستعمل ضد أطراف المُحاكمة في وقت لاحق أو تستعمل للتشهير بهم أو المساس بحقوقهم أو بحياتهم الخاصة”.

وشدد المتحدث عينه على أنه من “حيث المبدأ والتصور، تشكل الجلسات المبثوثة رقميا فرصة لمراقبة العمل القضائي، ولتكريس الشفافية، وضمان مُتابعة التعليل الذي تقوم السلطة القضائية ببناء أحكامها عليه ومدى ارتكازه على الأسس القانونية المنصوص عليها في القوانين المتعلقة بالقضية”، مشيرا إلى أن “إدراج البث المُباشر لجلسات يتعين التنصيص عليه ضمن مقتضيات المسطرة المدنية لكي يكون واضحا وأن يكرس الحماية للمتقاضين”.

وسجل أن “إصلاح العمل القضائي وطرق التقاضي يجب أن يخضع لضوابط معروفة، لكوننا نتابع العديد من المحاكمات في أمريكا يتم تداولها رقميا. ومن ثم، على السلطات المغربية التي تفكر في البث الرقمي للجلسات أن ترافق هذا الأمر بتدابير رقمية مثلا كمنع تسجيل بثها وتحميلها وتمكن من رصد كل من يحاول القيام بذلك تحت طائلة المتابعة القانونية لمن استغلها للمساس بحياة الأشخاص، بمعنى أن هذا مشروع له خلفيات وضوابط كثيرة لابد من مراعاتها”.

“صيانة الكرامة”

سمير ولقاضي، الأكاديمي والباحث الجامعي في الشأن القانوني، اعتبر أنه “من الناحية القانونية والمبدئية لا إشكال في الانتقال إلى البث عبر الأنترنيت بالنسبة للجلسات العلنية؛ لأن التصور وراء هذه العلنية هو ضمان الردع. ومن ثم، لا إشكال في تسخير الرقمية في هذا الجانب”، موضحا أن “دولا ديمقراطية عديدة تعتمد على هذا الأمر؛ ولكن الأصل فيها هو أصل العدالة: المتهم بريء حتى تثبتُ إدانته”.

ولقاضي أفاد، بأن “المحكمة لديها ضوابط بخصوص العلنية، والذي يحضر لا يمكنه أن يصور مجريات الجلسة. وبالتالي، لا بد من تأهيل للوعي لحماية كرامة المُتقاضين أو المتهمين وحماية صورتهم من الاستغلال”، مؤكدا أنه “قبل أن نحقق العدالة، لا بد أن نحقق كرامة الأشخاص؛ لأنه إذا تم إخراج هذه العلنية من سياقها وصارت آلية للمساس بكرامة الناس، فستفتح أبوابا لمتابعة هيئة القضاء لجبر الضرر”.

وأكد المتحدث عينه أن “إيجاد أساس قانوني لمبدأ العلنية هو أمر ضروري؛ لكن لا بد من تشريع موازي يمنع استغلال البث الرقمي لأغراض لا تخدم مبدأ العلنية وتضر به وبمفعوله في مسار تحقيق العدالة”، مشددا على أن “الذي يتعين علينا التطرق إليه أيضا هو ما يتصل بضرورة التأهيل الرقمي للقضاء وتوفير الوسائل اللوجستية المناسبة لمرافقة تنزيل هذا المشروع في إطار الرقي بالخدمات الرقمية”.

وسجل الأكاديمي أن “هذا التشريع يسبق الواقع؛ ولكن هناك حاجة لنشر الثقافة القانونية ورفع الوعي بأهمية العلنية لكي يستطيع المجتمع تقبلها وتفهمها وعدم الانزياح عنها”، لافتا إلى أن “استعمال الصورة الخاصة بأطراف النزاعات القانونية أو التشهير بهم يجب أن يكون التصدي له مسألة حاضرة قبل التفكير في تنزيل المشروع في قانون المسطرة المدنية، لكي يؤدي النتائج المتوخاة منه كما يجب”.