بين الواقعي والافتراضي .. البحث عن الحسنات يشجع الوقاحة والتسول الاحترافي

المكان: محور طرقي كبير . ينطفئ الضوء الأخضر، تمر بعض السيارات وتتوقف أغلبها في المحور الطرقي المزدحم، تتقدم امرأة منقبة وتشرع في مسح زجاج سيارة جديدة فاخرة وتردد: “عافاك تعاون معايا الله يسهل عليك”.
سألها السائق: وأنتِ سهّل الله عليكِ؟.
المتسولة: لا.
ابتعدت المرأة عن الزجاج بينما استخدم السائق “السويغلاص” ورش زجاج سيارته فنظفه.
اقترب شيخ بلحية بيضاء يبيع “كلينيكس” من نافذة السيارة نفسها، منحه السائق صدقة دون أن يأخذ السلعة ودون أن يلمس يده.
انطلق الشيخ يدعو للرجل بالصلاح والفلاح وحسن الختام والرحمة للوالدين…
هذه مظاهر تسول احترافي ممتد في الزمن. في كل موقف ضوء إشارة هناك أربعة متسولين على الأقل. يبدو أن هناك تقسيما متفقا عليه حول مناطق النفوذ.
هذا مشهد يتكرر في أماكن مختلفة: متسولة عزباء تحمل طفلا وتزعم: “حكمت عليّ الظروف بالتسول”. يظهر من مشيتها أنها لم تحبل ولم تنجب.
شابة منقبة تتسول في شاطئ أبي رقراق وتردد: “تعاون معانا”. متسولة في صحة جيدة، تتعيّش من التسول الاحترافي، نادرا ما يعطيها عابر مالا، ينكشف من حركات جسدها المشدود أنها لا تستحق التعاطف.
بمجرد أن يجلس أحدهم في مقهى يصير فريسة للمتسولين المكشوفين والمقنعين الذين يبيعون “كلينكس”.
كتب أحدهم على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي:
“المغرب هو البلاد الوحيدة التي يجلس فيها متسولون أمام المساجد ولا يصلون وينتظرون خروج المصلين ليدعوا لهم بالبركة”.
الآن عدد المتسولين أكثر من عدد المساجد.
هذا تسول واقعي. وهناك تسول رقمي يبتز الفريسة: “يا رب أتوسل إليك بحق أسمائك الحسنى أن ترزق صاحب اليد التي تضغط ‘لايك’ ومتابعه لصفحتي فرحة عظيمة يسْجد لها باكيا، وتهبه يا رب رزقا ومالا كثيرا لا ينتهي.
اللهم آمين. يا رب”.
صارت أسماء الله الحسنى وسيلة لتسول “لايك” و”أبوني” ومشاركة ليعم التسول والفائدة.
يمجد المتسول الواقعي والافتراضي الصدقة. يدعيان التشاؤم من الحياة الأرضية الملعونة الوسخة ويطلبان النقود والمشاركة على “اليوتيوب”.
يتبع المُتسول إستراتيجية فيها تناقض: يمتدح القناعة ويطلب النقود من الغير؛ يتسول ويرفض العمل في مهن الفلاحة مثلا.
تروّج أدبيات التسول الشفوية قيم وثقافة تبخيس المصلحة الاقتصادية باسم “وسخ الدنيا”، بينما يبدو غريبا قبول إذلال النفس للحصول على المال. لقد بلغ انحطاط الارتزاق بالبؤس سقفه لينقلب على نفسه.
لم تعد مسكنة الروح تناسب العصر. لا يمكن استغلال كرم المغاربة للعيش على حسابهم.
في حالات كثيرة تنقلب الأدعية. تجلس متسولة وتنظر لمن يقتربون منها وتردد أدعية الصحة والسلامة ورحمة للوالدين… أدعية مبالغ فيها تنقلب عنها بمجرد أن تبتعد الفريسة. من حسن الحظ أن الفريسة الموالية تسمع الشتائم والأدعية المضادة “الله يلكيها ليك”.
تفهم الفريسة أن تلك الأدعية المبالغ فيها تخفي نفسا قذرة تتجمل بكلمات لا تقصدها. إذا لم تعطِ تشتم.
ليتوقف تمجيد التصدق أولا لأنه يكثر من اليد السفلى في البلاد؛ وثانيا لأن البحث عن الحسنات يشجع التسول والوقاحة. قديما كتب إيسوب: “تساعد الآلهة الذين يساعدون أنفسهم”.
