راحلون في الذاكرة… 3 ماي 2010محمد عابد الجابري… حين تنجب فكيك و جهة الشرق عقلًا يسبق زمانه

في جهة الشرق، لا تُختزل الجغرافيا في حدودٍ ترسمها الخرائط، بل تمتد لتصير فضاءً للذاكرة والرموز. من هذه الأرض التي عرفت مرور شخصيات كبيرة، مفكرين ومؤرخين ونخبًا صنعت أثرها في التاريخ، تبرز أسماء لم تكن مجرد عابرة في سجل الزمن، بل تحولت إلى علامات مضيئة في مسار الفكر العربي. ومن بين هذه القامات، يسطع اسم محمد عابد الجابري، الذي لم يكن فقط ابن هذه الجهة، بل أحد أبرز من حملوا همّ إعادة بناء العقل العربي.

في مثل هذا اليوم، 3 ماي 2010، فقد المغرب والعالم العربي أحد أعمدة الفكر المعاصر. رحل الجابري عن عمر ناهز 75 سنة، لكنه ترك وراءه مشروعًا فكريًا متكاملًا، ما يزال إلى اليوم يثير النقاش ويحرّك المياه الراكدة في الفكر العربي.

وُلد الجابري سنة 1935 بمدينة فجيج، في بيئة حدودية شكّلت وعيه المبكر بتعقيدات الهوية والانتماء. نشأ في كنف أسرة ممتدة، وتلقى تعليمه الأولي بين الكتّاب والمدرسة الفرنسية، في توازن مبكر بين التراث والحداثة، وهو التوازن الذي سيصير لاحقًا محور مشروعه الفكري. واصل دراسته إلى أن حصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة سنة 1970 من كلية الآداب بالرباط، حيث اشتغل أستاذًا للفلسفة والفكر العربي الإسلامي.

غير أن الجابري لم يكن مجرد أكاديمي، بل كان مشروعًا فكريًا قائمًا بذاته. فقد انصرف إلى تفكيك بنية العقل العربي، عبر مشروعه الأشهر «نقد العقل العربي»، وهي الرباعية التي ضمّت: تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، العقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي. في هذه الأعمال، لم يكتفِ بالتحليل، بل سعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين العربي وتراثه، داعيًا إلى عقلٍ نقدي يوازن بين الأصالة والمعاصرة.

لقد كان الجابري مفكرًا سبق زمانه. لم يكتب للماضي بقدر ما كتب للمستقبل، ولم ينشغل بوصف الأزمة فقط، بل حاول تفكيك جذورها العميقة. ومن خلال مفهومه اللافت “العقل المستقيل”، وجّه نقدًا لاذعًا لذلك النمط من التفكير الذي ينسحب من مواجهة الأسئلة الحضارية الكبرى، مكتفيًا بالتكرار والاجترار.

هذا المشروع الجريء أثار نقاشًا واسعًا في الأوساط الفكرية العربية، وفتح بابًا لجدل عميق، خاصة مع المفكر السوري جورج طرابيشي، الذي ردّ عليه بكتاب “نقد نقد العقل العربي”، في واحدة من أبرز المناظرات الفكرية الحديثة. وهو جدل عكس أهمية المشروع، وحيويته، وقدرته على تحريك الفكر العربي نحو مراجعة ذاته.

امتدت اهتمامات الجابري إلى قضايا متعددة، من التعليم إلى الديمقراطية، ومن الهوية إلى التراث، فكتب أعمالًا بارزة مثل «نحن والتراث»، «التراث والحداثة»، و*«الديمقراطية وحقوق الإنسان»*. كما حظي بتكريمات دولية، من بينها إشادة اليونسكو التي اعتبرته أحد أبرز المتخصصين في فكر ابن رشد.

في 3 ماي 2010، أسلم الجابري الروح في الدار البيضاء بعد معاناة مع المرض، لكن رحيله لم يكن نهاية حضوره. ففكره ما يزال حيًا في الجامعات، وفي النقاشات الثقافية، وفي كل محاولة جادة لإعادة التفكير في واقعنا العربي.

إن استحضار محمد عابد الجابري اليوم، في سياق تكريم رموز جهة الشرق، ليس مجرد وقوف عند سيرة رجل، بل هو استدعاء لمشروع لم يفقد راهنيته. مشروع يدعونا إلى إعادة بناء العقل، لا على أساس القطيعة مع التراث، ولا على أساس الانبهار بالآخر، بل على قاعدة النقد والإبداع.

رحل الجابري…

لكن السؤال الذي تركه ما يزال قائمًا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *