سلسلة حوار: أمنة برواضي في حوار ” مع الناقد” الحلقة الثامنة مع الدكتور عيسى الداودي

أمنة برواضي في حوار” مع الناقد”
الحلقة الثامنة من سلسلة” مع الناقد” مع الدكتور عيسى الداودي.
السلام عليكم دكتور:عيسى الداودي.
أولا، أرحب بكم وأشكركم على تفضلكم بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي.
شكرا الأخت أمنة برواضي على تفضلك بهذا الحوار معي، ودمت من محبي وداعمي الأدب والفن.
1- ليكن أول سؤال، من هو عيسى الداودي؟
جواب:
عيسى الدودي، من مواليد فرخانة 1973. درست في مرحلتي الابتدائي والإعدادي بفرخانة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى ثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور للدراسة في المرحلة الثانوية، أما المرحلة الجامعية بجميع أسلاكها فقد كانت بجامعة محمد الأول بوجدة حتى حصولي على شهادة الدكتوراه في الأدب الأندلسي سنة 2006.
أعمل أستاذا للتعليم الثانوي التأهلي منذ حوالي عقدين من الزمن. كما عملت في إطار التعاقد لمدة ست سنوات في الكلية المتعددة التخصصات بالناظور حتى سنة 2013، وهي السنة التي انتقلت فيها إلى العمل في المعهد الإسباني لوبي دي بيغا بالناظور الذي ما زلت أعمل فيه لحدود الساعة.
لدي ثلاث مؤلفات:
– فضاءات النص المقارن / 2007.
– النص والنص الآخر / 2012.
– أنطلوجيا القصة القصيرة جدا/ 2011، وهو كتاب مشترك مع الدكتور جميل حمداوي.
بالإضافة إلى ذلك، نشرت عشرات المقالات في مجلات ودوريات مغربية وعربية، كما شاركت في ملتقيات أدبية وثقافية في المغرب وخارجه. وفي الوقت نفسه أنشط ثقافيا في إطارات ثقافية وجمعوية مختلفة، مثل فرع الناظور لاتحاد كتاب المغرب، وجمعية ملتقى الفن والإبداع…
سؤال:
2- من موقعكم كناقد كيف ترون مستقبل النقد مع كثرة الإصدارات الأدبية؟
جواب:
في الوقت الذي نلاحظ فيه وتيرة متسارعة في مجال إصدار الكتابات الإبداعية، نسجل بطئا شديدا في المواكبة النقدية، لأن النقد الأدبي يحتاج إلى الدربة والمراس وامتلاك الآليات النقدية التي تتأتى عن طريق المتابعة المستمرة لكل ما يصدر في مجالي النقد والإبداع. ثم إن العملية النقدية هي عملية معقدة تتطلب حيزا زمنيا واسعا لمقاربة عمل أدبي معين والإحاطة بجوانبه المختلفة بطريقة أكاديمية رصينة ومتينة، وهذا يمارس ضغطا كبيرا على الناقد خاصة إذا لم يكن متفرغا لهذه المهمة، وليس لديه الوقت الكافي لإنجاز وإعداد مقارباته النقدية والأدبية. ونسجل في هذا الإطار أن فئة عريضة من النقاد يشتغلون في التعليم المدرسي حيث ترهقهم الساعات الطوال من العمل داخل الفصول، ويسترقون بعض ما يتبقى من وقتهم لإنجاز أعمالهم النقدية.
وأرى كذلك أن النقد آخذ في التراجع لأنه لا ينبع في كثير من الحالات من ذات الناقد، وإنما هو نقد تحت الطلب، فينجز الناقد دراسات لأصحابه وأصدقائه ومقربيه حتى وإن كانت هذه الأعمال الإبداعية التي يدرسها ضحلة وضعيفة. ونضيف كذلك، أن الوضع الأكاديمي يعمق هذا الانحدار، لأن بعض المبدعين بحكم مواقعهم الأكاديمية يحضون بعشرات وربما المئات من الدراسات، في حين أن الذين لا يملكون هذا الاعتبار الوظيفي/ الأكاديمي لا يلتفت لأعمالهم حتى وإن كانت غاية في الجودة والإتقان.
سؤال:
3 -دكتور ما هي المواصفات التي يجب توفرها في العمل الإبداعي ليجد صداه عند النقاد؟
جواب:
أظن أن الكثرة الكثيرة من الإصدارات الإبداعية التي تملأ الساحة الأدبية راجعة بالأساس إلى الاستهانة بالإبداع الأدبي، إذ يعتقد بعضهم أنه مجرد هواية لتجزية الوقت، أو ضربة حظ قد تصيب وقد تخطئ، أو الكتابة من باب المهم المشاركة والمساهمة. في حين أن العمل الإبداعي هو كل متكامل لا يحظى بالقبول لدى المتلقي إلا إذا توفرت فيه شروط وقواعد ومواصفات أساسية تضمن له الانتماء إلى الحقل الأدبي.
العمل الإبداعي كيفما كان نوعه يتكون من شقين: رسالة الأدب وأدبية الأدب، وتغليب أحدهما على الآخر أو ترجيح كفته هو مساس بهذا التوازن، يعقبه اعتلال وخلل في النص الأدبي برمته. وهكذا، فإن تغليب الرسالة أو المضمون يعني تحويل النص إلى مكون دعائي هدفه الأساس الترويج للفكرة، وهذا العمل يقوم به السياسي ورجل الدين ورجل التربية… وبهذه الطريقة يتم تحويل النص الأدبي إلى بوق للدعاية ومحاولة التأثير في المتلقي. وفي المقابل فإن أدبية الأدب أو الجانب الفني والجمالي فيه هو الذي يرفع مقامه إلى مصاف الأدب ويضفي عليه صفة الأدب، إذ أن المكونات الفنية والعناصر الجمالية والتقنيات الحديثة في الكتابة هي التي تجعل النص يدخل عالم الأدب من بابه الواسع. وهذا لا يعني بتاتا أن الأديب يجب عليه أن يغرق النص بالخيال والإيحاء والرمزية إلى درجة التعقيد والإبهام ليثبت أنه أديب أو بالأحرى أن أدبه ينتمي للأدب الرفيع، لأن النص الذي يتحول إلى رموز وعلامات ولا يقول شيئا ولا يومئ إلى ظاهرة أو قضية هو نص هلامي يعيش خارج دائرة زمنه ويعلن موته بنفسه لأنه في قطيعة مع الواقع وانفصال عن الذات والمجتمع. وبذلك، فإن درجة نجاح العلمية الأدبية نابعة بالأساس من القدرة على الموازنة بين هذين الجانبين ومدى الانسجام بينهما في النص الواحد.
سؤال:
4 – ما هو تقييمكم للحركة الثقافية بمدينة الناظور؟
جواب:
شهدت مدينة الناظور في العقود الأخيرة حركة ثقافية دؤوبة في مختلف مجالات الثقافة؛ من إصدارات إبداعية ومهرجانات ثقافية وندوات فكرية وأدبية غطت مختلف صنوف الفن والأدب من شعر ومسرح وقصة ورواية ونقد… ويعود الفضل في ذلك إلى فئة عريضة من المهتمين بالثقافة الذين ينشط أغلبهم في إطار جمعيات ثقافية. وهذا لا ينفي أن هذه الحركة تعرف من حين وآخر مدا وجزرا حسب الدافعية التي يملكها الفاعلون الثقافيون، والشروط الموضوعية التي توفرها البيئة الحاضنة.
وإذا كانت الحركة الثقافية هي حركة تنبع بالأساس من المجهود الفردي، فإنها لا تقوم لها قائمة إلا في إطار العمل الجماعي، وبذلك فإن تضافر الجهود وتعميق التعاون بين المثقفين سيغذي المشهد الثقافي بطاقة جبارة تجعل الثقافة تطفو إلى السطح داخل الإقليم وخارجه.
ولتقوية المشهد الثقافي والرقي به في هذه المدينة، لابد من وضع الثقافة في مكانتها اللائقة، وتشجيعها بكل الطرق والأشكال لتجاوز النقائص التي تعتريها، والتي يمكن أن نذكر منها.
– الافتقار للقاعات والمركبات الثقافية التي تحتضن التظاهرات الثقافية.
– الحاجة إلى قاعة للعرض والتنشيط المسرحي.
– توفير مكتبة عمومية لها مواصفات ترقى إلى تطلعات أبناء المنطقة للقراءة والمطالعة، وتوفر لهم فرصة الاطلاع على كل جديد في المجالات الثقافية والأدبية والفنية…
– صيانة المآثر التاريخية بالمنطقة، والتي تعرض كثير منها للإهمال والضياع وعبث العابثين. وهذا الجانب يجب أن يتناغم مع الرغبة في جعل المدينة قطبا سياحيا كما الحال بالنسبة لمشروع مارتشيكا. وكما هو معروف،فالسياحة لا ترتبط فقط بالمركبات السياحية والمناظر الجميلة بل كذلك بالمآثر التاريخية والرصيد التراثي والفني والمعرفي والجمالي من متاحف ومكتبات ومآثر وتماثيل ونصب تذكارية وحدائق جميلة ومنتزهات خلابة.
سؤال:
5 – من موقعكم كناقد هل تعتقدون أن هناك أدبا نسائيا وأدبا رجاليا أم أن الفرق الجوهري بين كتابة الجنسين يكمن في درجة الإبداع ومدى تحققها في العمل الإبداعي؟
جواب:
الأدب النسائي هو موضوع مستورد من الغرب جاء تبعا لإشكالية الصراع بين الرجل والمرأة في المجتمع، بحيث امتد إلى الأدب ليطرح مظلومية المرأة وخصومتها مع الرجل في إطار أدبي.
صفة الإبداع جامعة مانعة يمكن أن نسم بها من ينتج عملا إبداعيا سواء كان رجلا أو امرأة، ويتم اكتساب هذه الصفة بالمغايرة والمخالفة والإتيان بمنتوج ينفرد به صاحبه عن غيره بغض النظر عن جنسه ولونه وصفته. وإذا سلمنا بوجود أدب نسائي فهذا يعني أنه في المقابل هناك أدب رجالي، وهذا سيقودنا حتما إلى ثنائية غير محمودة تنأى بنا عن مفهومي الأدب والإبداع وتدخلنا في متاهات وتجاذبات الساحة الأدبية عموما في غنى عنها. وعدم الإيمان بهذا التقسيم لا يعني تفضيل أحد الجنسين عن الآخر، وإنما الفضل يعود بالأساس إلى درجة الإبداع والمستويات الفنية والجمالية للعمل الإبداعي.
من ناحية أخرى، هناك من يربط الأدب النسائي بالمضمون، بحيث أنه يتطرق لهموم النساء ومشاكلهن وصراعهن مع الرجل والسعي لإثبات مكانتهن في الواقع. لكن هذا لا نصادفه في الإبداع إلا لماما بحيث أنه يمثل الاستثناء لا القاعدة؛ إذ أن كثيرا من الأقلام النسائية تتخذ من الرجل محور العمل الإبداعي، وفي الغالب الأعم يتم تناول قضايا اجتماعية دون الالتفات لمدى ارتباطها بالرجل أو المرأة. وفي هذا الاتجاه، نصادف كذلك كتابات رجالية تستحضر المرأة وتركز عليها وتجعلها مركز العملية الإبداعية دون أن يكون القصد هو الرفع من المرأة على حساب الرجل.
سؤال:
5 – أصدرتم عدة كتب في النقد منها “فضاءات الأدب المقارن” و”النص والنص الآخر”. ماذا يعني لديكم النقد؟
جواب:
النقد هو إصدار أحكام على الأعمال الإبداعية بشكل موضوعي وحيادي، وإظهار مواطن الجودة والضعف فيها انطلاقا من المعايير الأدبية التي درج عليها الأقدمون والتي استحدثها المحدثون من مناهج ونظريات واتجاهات في الأدب. ويحتاج الناقد في هذا الباب إلى اطلاع واسع على تاريخ الأدب، وضبط سيرورته التاريخية والتحولات التي عرفها قديما وحديثا، وامتلاك ناصية اللغة وعلومها ومكوناتها من علوم اللغة كالبلاغة والعروض والنحو واللسانيات… ومتى كانت قواعد النقد ثابتة ومضبوطة فإن الأحكام تكون صحيحة وثاقبة بعيدة عن المجاملات والإخوانيات.
سؤال:
6 – ما هي رسالتكم للمبدعين خاصة الشباب منهم؟
جواب:
الإبداع ليس مغامرة في اتجاه المجهول، أو جرأة زائدة لولوج عالم الأدب، كما أنه ليس مشروعا تجاريا يحتمل الربح أو الخسارة، وإنما هو استعداد داخلي ودافع باطني يحتاج لمؤهلات ذاتية وقدرات تخييلية تكسر طوق المعهود والمألوف. وكلما كان المبدع في إبداعه متفردا ومتميزا كلما كانت له أوفر الحظوظ في دخول عالم الأدب والإبداع من بابه الواسع. وكلما كان مقلدا ومجترا لسابقيه ومعاصريه فيما يكتب كلما كان أدبه وضيعا تنتفي فيه صفة الإبداع.
وبلوغ المقام الرفيع في الأدب لا يتحقق إلا بكثرة المقروء الذي يغذي المخزون الفكري ويشحن حويصلة الخيال، فيعمد المبدع بعد ذلك إلى التصرف في هذه المادة فيحورها ويشكل تضاريسها وفق تصوره الخاص، فتخرج إلى الوجود كلا متكاملا ومنسجما يملك كل مقومات التشويق والإثارة والغرابة. ومما يفسر كثرة المتساقطين على طريق الأدب والإبداع هو قلة الزاد المعرفي والخيالي، في حين أن الذين يملكون ناصية الأدب هم الذين خبروه جيدا وتبحروا في تخومه وأعماقه، وبذلك فهم يتوفرون على مقومات الاستمرارية وإثبات الذات في عالم الأدب.
سؤال:
8 -دكتور تهتمون باللغة الإسبانية، وبعض كتباتكم لها علاقة بالأدب الأندلسي ومسألة التأثير والتأثر بين الأدب العربي والأدب الإسباني. هلا حدثتنا قليلا عن هذا العشق؟
جواب:
في مرحلة مبكرة من اهتماماتي الأدبية كان لدي ميل واضح إلى الدراسات الأدبية التي تروم البحث في مواطن الالتقاء بين الآداب عموما والأدب والعربي والأدبي الإسباني خاصة. ومن هنا كانت ولا زالت كثيرا من قراءاتي ترتبط بالأدب الإسباني خاصة الإبداع منه نظرا لمكانته على الصعيد العالمي، وكذلك الأدب الأندلسي لما يتميز به من الغنى والخصوبة والحيوية.
وهذا الاختيار طبع مساري الدراسي خاصة في المرحلة الجامعية، فقد درست الأدب المغربي والأدبي في مرحلة السلك الثالث (الدراسات العليا المعمقة 1998-2000)، وكان لدي ميول خاص للأدب الأندلسي، لهذا كان بحثي معنون ب “ابن قزمان في دراسات المستعربين الإسبان”، ثم جاء لاحقا بحث الدكتوراه 2006 بعنوان “ابن قزمان جسر بين الشرق والغرب”. بعد ذلك توالت الدراسات التي نشرتها حول الأدبين الأندلسي والإسباني في مجلات ودوريات مختلفة والتي ضمنت بعضها لاحقا مؤلفاتي.
سؤال:
9- ما هي الوظيفة التي كنتم ستختارونها لو لم تكن مدرسا؟
جواب:
المهنة التي أفضلها والتي أرى أنها في مقام التربية والتعليم هي مهنة الطب، لأن الأستاذ يغذي الجانب الفكري والروحي والداخلي للمتعلم، في حين أن الطبيب يتولى الجانب الفيزيولوجي والجسدي والعضوي، وكلا الجانبان متكاملان كل واحد منهما يكمل الآخر. . وهنا أود أن أصارحك أنني في حدود مرحلة التعليم الإعدادي كانت لدي ميول نحو المواد العلمية خاصة الرياضيات التي كنت أجيدها وأحصل فيها على نقط متقدمة، لكن حبي لأحد أساتذة اللغة العربية الذي كانت لديه شخصية قوية، وكان يجمع بين الأدب والفن والرياضة، صرفني عن التوجه العلمي، فأقبلت في هذه المرحلة على قراءة الشعر والرواية حتى أصبحت شديد الارتباط بالأدب. وفي الاتجاه نفسه تجدر الإشارة كذلك، أن جميع إخوتي لديهم توجه علمي في مسارهم الدراسي، وأنا الوحيد من بينهم الذي اختار الأدب، وبذلك فأنا أمثل الاستثناء بالنسبة لأخوتي وأفراد أسرتي.
سؤال:
10-هل هناك مشاريع في الطريق وإذا وجدت هلا حدثتنا عنها؟
جواب:
طبيعة العمل الذي أقوم به حاليا يأخذ مني كثيرا من الوقت، وهذا أثر بعض الشيء على منشوراتي وإصداراتي في السنوات الأخيرة، ولكن رغم هذه الإكراهات أنا بصدد عدة أعمال تتعلق بالدراسات النقدية والترجمة، بعضها وصلت فيه مرحلة متقدمة، وسأصدرها إن شاء الله بعد الصقل والتنقيح.
شكرا لكم أستاذي الفاضل، وفقكم الله في مسيرتكم.
حاورته المبدعة: أمنة برواضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *