سلسلة حوار : أمنة برواضي في حوار “مع الناقد”الحلقة الثالثة، مع الدكتور نور الدين أعراب الطريسي

أمنة برواضي في حوار “مع الناقد” :

الحلقة الثالثة، مع الدكتور نور الدين أعراب الطريسي

السلام عليكم دكتور.

أولا أرحب بكم وأشكركم على تفضلكم بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي.

ليكن أول سؤال:

1 ـ من هو نور الدين أعراب الطريسي؟

جواب:

بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

بداية، أود قبل أن أبدأ في الإجابة عن أسئلة هذا الحوار الشيق أن أتوجه بخالص شكري وتقديري العميقين لكِ أستاذتنا وأديبتنا المحترمة للا أمينة، وعلى هذه المبادرة الراقية والالتفاتة الطيبة لمبدعي ونقاد المنطقة.

نور الدين أعراب الطريسي، خلق من خلق الله جميعا.. يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، عبدٌ من عباد الله، متواضع لجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. أبصرت النور في إحدى لحظات وساعات يوم الرابع عشر من غشت سنة 1972، بقبيلة تمسمان إحدى مناطق الريف التي أنجبتْ العديد من الأبطال والعلماء وكان لها تاريخ حافل بالأمجاد والبطولات في مقاومة الاحتلال الاسباني للمغرب.

بدأت دراستي منذ نعومة أظافري بالالتحاق بالكتّابِ القرآني وأنا ابن سبع سنوات، وأعتبر هذا من حسن حظي ومن أسباب العناية الإلهية، لأن بداية حياة أي إنسان بتعلم القرآن ودراسته لا شك سيكون لها الأثر العظيم والبالغ على نفسه وذهنه وعقله وشعوره وهو تأثير يظل يصاحبه طيلة حياته، فضلا عن التأثير الذي يتركه على ملكته اللغوية وسليقته الأدبية. هذا بالنسبة لأولى المؤثرات في حياتي، أما المؤثر الثاني في حياتي فهو المكان نفسه، إذ أنني ترعرعت في منطقة خلابة من البادية المغربية، وقضيت بها طفولتي، وهي منطقة معروفة بطبيعتها الخلابة ومناظرها الساحرة وهوائها النقي والصافي.

وهذا العامل الطبيعي كان له الأثر البالغ في عشقي للطبيعة وهيامي بسحرها وجمال مناظرها المختلفة، كما ساهم ـ إلى حد بعيد ـ في تكوين وشحذ قريحتي الشعرية وحب الشعر.

أما العامل الثالث فهو الوسط العائلي الذي نشأت فيه. وذلك أن والدي عمل أستاذا للغة العربية، فكان مولعا باقتناء الكثير من الكتب والمجلات في مختلف التخصصات، فكنت ألتهم كل ما يقتنيه منها. وأتذكر أنني كنت أخصص عطلتي الدراسية منذ طفولتي للقراءة والكتابة.

بعد حصولي على شهادة الباكالوريا التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط.

ولا أكون مبالغاً إذا قلت بأني في الرباط أحسست بميلادي الثاني. ذلك أن هذه المدينة الرائعة جدا قد منحتني الكثير، ليس فقط على المستوى العلمي والمعرفي، بل على مستويات متعددة؛ إنسانية ونفسية واجتماعية كما وسعت مداركي العقلية والوجدانية والمعرفية، لأن الرباط فضاء عالمي يستوعب العديد من الجنسيات والثقافات والحضارات واللغات…

وسأقتصر هنا فقط على الأثر المعرفي، فقد حصلت منها على الإجازة ثم شهادة الدراسات العليا فشهادة الدكتوراه في النقد الأدبي وتحليل الخطاب سنة 2007.

 كما حصلت على شهادة التبريز في اللغة العربية من المركز التربوي الجهوي بالرباط سنة 2010 الرتبة الثانية على الصعيد الوطني.

وكان لي شرف التعلم على أيدي أساتذة ونقاد كبار لهم باعٌ طويل ويشهد لهم على الصعيد العربي والعالمي، ومنهم: أحمد أعراب الطريسي والمرحوم إدريس بلمليح ومحمد بنيس وناظم عبد الجليل وبشير القمري وسعيد يقطين وعبد الحميد عقار وأحمد بلبداوي وحسين بحراوي وأحمد الطريبق ..وغيرهم كثير. وكان لكل هؤلاء فضل كبير في صقل معرفتي بالشعر والرواية والسرد والنقد، ولا زلت أكن لهم كل تقدير ومحبة وعرفان بالجميل.

سؤال:

 2 ـ دكتور، أصدرتم لحد الآن عدة كتب في النقد وديوانين شعريين، أرجو أن تطلعوا القارئ عليها، إضافة إلى مشاركتكم في عدة مهرجانات وطنية وعربية كالمعرض الدولي للكتاب بالقاهرة ما السر وراء هذا الإشعاع الثقافي الكبير؟

جواب:

بالفعل، أصدرت في مجال النقد الأدبي عدة كتب هي: المقارنة بين الصورة البلاغية ( إبداعات نقدية).

والاستعارة في الشعر المغربي المعاصر، ومتخيل المنفى في الشعر العربي الحديث، والصورة والإيقاع في شعر أمل دنقل ( دراسة بنيوية) إضافة إلى كتب مشتركة وجماعية هي: الأدب والأسطورة

والكتابة النسائية في الوطن العربي ( مهرجان الرواية بوجدة) و…

ثم لدي أيضا ديوانان شعريان الأول بعنوان ” قمر الغياب”

والثاني ” يخون سيده الورد”

إضافة إلى عشرات الدراسات النقدية المبثوثة والمنشورة في منابر وطنية متعددة، ومنابر عربية كصحيفة القدس العربي والزمان العراقية و” الثورة ” العراقية أيضا.

وقد تجاوز هذا الإشعاع الثقافي والأدبي المستوى الوطني، ـ ولله الحمد ـ ليصل إلى المستوى العربي بأكمله، وكان آخرها مشاركتي في المعرض الدولي للكتاب بالقاهرة السنة الماضية ( يناير 2019 ) بتوقيع إصداراتي النقدية والمساهمة بمداخلات وندوات على هامش هذا المعرض، ولقاء نقاد وكتاب وشعراء مصريين وعرب.

أما السر وراء هذا الإشعاع ، فلا شك أنه يكمن في العزيمة والإصرار والقراءة المستمرة والبحث الدؤوب والمحموم عن المعرفة، وكذلك عشقي للأدب وهيامي بالشعر، إذ أنني بذلت مجهودا كبيرا في قراءة ودراسة الشعر العربي قديمه وحديثه منذ العصر الجاهلي والعباسي إلى العصر الحديث، فتعرفت على جميع مراحل هذا الشعر وخصائصه الفنية المختلفة وبنائه اللغوي والعروضي والإيقاعي والبلاغي المتنوع إضافة إلى إغناء رصيدي من الثقافة النقدية العربية قديمها وحديثها. دون أن أنسى الدور الكبير الذي قام به انفتاحي على النقد الفرنسي الحديث، حيث قرأت لكبار النقاد الفرنسيين بلغتهم واعتمدت عليهم في إنجاز أطروحتي للدكتوراه مثل رولان بارت وجيرار جينيت وبول ريكور.

وما دمت باحثا في النقد الحديث كان لزاما علي معرفة ما كتبه النقاد الفرنسيون باللغة الفرنسية ثم ترجمته إلى اللغة العربية، ثم ميشونيك أيضاً، كل هؤلاء كتبوا في الصورة والإيقاع والاستعارة.

وأخيرا ما كان لي أن أطلع على كل هذه التيارات النقدية واللغوية الواسعة لولا وجودي ودراستي في الرباط. فهي مركز عالمي تلتقي فيه كل اللغات والحضارات والشعوب ويجمع الثقافة العربية والفركفونية معاً، ويمنح الإنسان طاقة إبداعية هائلة.

سؤال:

3 ـ يقال إن الناقد مبدع فاشل، لكن للناقد نور الدين الطريسي ديوانان شعريان يشهدان له بالقدرة على الإبداع ـ بشهادة العديد من النقاد ـ كيف أمكنكم الجمع بينهما؟

جواب:

بالعكس، تماما، الناقد الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا مبدعا محترفاً في أقصى درجات احتراف الكتابة الأدبية، والنماذج عديدة في المشهد الأدبي المغربي الحديث والمعاصر، يمكن أن أذكر على سبيل المثال إدريس بلمليح ومحمد بنيس وأحمد بلبداوي وأحمد الطريبق… وغيرهم كثير… فالمبدع الذي يكون مُلِماًّ بنظرية الأدب وبقواعدها ويكون على دراية بمناهج النقد الأدبي وعناصر الخطاب الأدبي سرداً كان أم شعرا .. يكون أقدر من غيره على كتابة وإنتاج نص أدبي خاضع لشروط الجنس الأدبي أو النوع الأدبي. وهذا ما يمنح للنص الذي يكتبه شرعيته وحجته الأدبية والنقدية.

 وما دمنا نتكلم عن تجربتي الخاصة في هذا المجال، كيف أمكنني أن أفرض صوتي الشعري المتواضع على الساحة الإبداعية الشعرية محليا وجهوياً ووطنيا وعربيا، وأدافع عن هذا المكسب الشرعي الثمين، وأصمد به في وجه الأعاصير والتيارات الجارفة لولا هذا الصرح النقدي والبلاغي المتين الذي اكتسبته وتعلمته. أعطيكِ مثالاً واحداً على ذلك: حينما بدأت كتابة الشعر، في بداية التسعينيات ، لم أكن أتوفر على جُلِّ القواعد والشروط الأساسية لهذه الكتابة، لكن معرفتي وتخصصي في النقد الشعري ـ في ما بعد ـ هو الذي جعلني أكتب نصوصا شعرية جيدة، وفق قواعد وشروط النص الشعري الحديث. وهذا ما جعلني أنتقل إلى كتابة شعرية أرقى وأكثر نضجاً بفضل معرفتي بعناصر وقواعد وشروط النص الشعري مثل: المعجم اللغوي والصور الشعرية وأنواعها المختلفة من تشبيه ومجاز واستعارة ثم الإيقاع الشعري وفي مقدمته علم العروض وما يتضمنه من أوزان وتفعيلات وقوافي لذلك أختم بالقول: إن أي شخص لا يمتلك هذا الرصيد العلمي والموروث النقدي والمعرفي، فهو يجازف ويغامر ويقامر بكتابة الشعر.

ويمكنني أن أقول في الأخير إنه بفضل هذا الرصيد النقدي الغني الذي أمتلكه، استطعت أن أرفع رأسي في مجال الشعر بكل فخر، لأنه أعطاني إحساساً لا يعوض بأنني أكتب من داخل أسوار الشعر المنيعة وليس من خارجه، أو متطفلا عليه، ويكفيني ذلك.

سؤال:

4 ـ من موقعكم كناقد، كيف ترون مستقبل النقد مع كثرة الإصدارات الأدبية؟ وما تقييمكم للحركة الأدبية والثقافية بالمنطقة الشرقية؟

جواب:

النقد دائماً يعلو ولا يعلى عليه. أنا متفائل جدا بمكانة النقد وقيمته الحقيقية، رغم أن النقد الحقيقي في وقتنا الراهن تكاد تنطمس معالمه وسط ركام هائل من النقد المزيف والمغشوش والمهترئ. والدليل على ذلك أن الناقد الحقيقي الذي يحترم نفسه يظل دائما مقدراً في أعين الناس، مُهاب الجانب لأنه لا يرضى لنفسه الانخراط المجاني في لعبة التملق والتعلق والتسلق. ولكن، في النهاية، لا يصح إلى الصحيح والبقاء للأصلح دائماً.

صحيح ما ذكرته من أن الإصدارات كثيرة جداً، وأنه ربما عجز النقد عن مواكبتها جميعا، ولكن السؤال المطروح: هل كل ما يظهر في الساحة الأدبية يستحق أن يدرس وأن يلتفت إليه؟ وأظنك تعرفين الجواب جيداً وشرح الواضحات من المفضحات ـ كما يقال ـ دائما.

وأعتقد أن بلاغة المقام تقتضي في كثير من الأحيان الصمت بدل الكلام، والتجاهل أيضا.

وإذا كانت نسبة كبيرة جدا من الإصدارات تتسم بالتهافت والتسرع وعدم الإلمام بقواعد الشعر والقصة والرواية واستعجال الظهور والشهرة، فلا أظن أن النقد عليه أن يتدخل لتحقيق التوازن، ولا يجب أن نلومه أيضا، إذا كان هناك لكل قبيلة ناقد ولكل جمعية ناقد ولكل حزب سياسي ناقد أيضا وهلم شرا… فالنقد الحقيقي موجود دائماً وعلينا أن نبذل مجهودا للبحث عنه. أما بالنسبة للحركة الأدبية بالمنطقة الشرقية، فإنها، بحق، تستحق كل تنويه وتشجيع، رغم ما تحدثنا عنه من مشاهد ومظاهر سلبية. وهي حركة استطاعت أن تصل بالمنطقة إلى المستوى العربي ولا أدل على ذلك من المهرجان السنوي للرواية العربية الذي تنظمه جمعية المقهى الأدبي بمدينة وجدة، بكل احترافية ورقي وانتظام، ويحضره، كل سنة، مثقفون وأدباء ونقاد من جميع أقطار الدول العربية. فالشرق المغربي يشق طريقه ويقود قاطرة الأدب والثقافة، ومدينة وجدة تحولت إلى عاصمة للثقافة العربية، ومنطقتنا تزخر بطاقات وأطر في مختلف مجالات الأدب، وفيها خصوبة وعطاء مستمر وإبداع وحيوية، وهذا مبعث فخر لنا جميعا.

سؤال:

5 ـ لو لم تكن أستاذاً، ما المهنة التي كنتم ستختارونها؟

جواب:

في الحقيقة تصعب الإجابة عن هذا السؤال، ومرد هذا الإحساس إلى إيماني بأن القدر يلعب دورا كبيرا في حياة الإنسان وتقرير مصيره. فقد يتمنى الإنسان حصول أشياء كثيرة في حياته، لكن القدر يريد شيئا آخر. وعلى العموم، أعتقد أن مهنة التعليم تناسبني إلى حد بعيد، رغم صعوبتها وإكراهاتها، وكيف تتحول يوما بعد يوم إلى مهنة شاقة ومليئة بالمشاكل والتعقيدات والصعوبات والمخاطر أيضا. لكن عشقي للغة العربية وللأدب يجعلني أمارس هذه المهنة بكل محبة وسهولة ويُسر، لأنني أعتقد ـ جازما ـ أن محبة الشخص لمهنته وميوله إليها يمثل نصف النجاح في أداء هذه المهنة، ويبقى النصف الآخر عائدا إلى مسائل تقنية وتواصلية وعملية. وأنا أشعر براحة عميقة حينما أدرس ما تعلمته من معارف لغوية وأدبية متنوعة، وأنقلها إلى المتعلمين من دروس في البلاغة والعروض والنقد والتحليل والشعر والسرد… وهذه السعادة التي يشعر بها المرء وهو يؤدي مهنة يحبها وواجباً يتقنه غاية الإتقان، لهي سعادة لا تعوضها أموال الدنيا كلها، ولا تقدر بأي ثمن آخر. لذلك أقول: لو لم أكن أستاذاً، لكنت أستاذاً ( ههه ).

شكراً لكم أستاذي الفاضل وفقكم الله في مسيرتكم.

         حاورته: المبدعة أمنة برواضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *