عبد الناصر فتح الله .. مشوار خبير إعلامي من الناظور إلى المنامة

استجمع الدكتور المغربي عبد الناصر فتح الله سنوات من الوجود أستاذا بقسم الإعلام والسياحة والفنون في جامعة البحرين، في مسار أكاديمي يعده إغناء لتجربته التي امتدت بين ثلاثة بلدان.

بالرغم من ذلك، يرى فتح الله أنه لم ينجح في المساهمة ضمن تقوية جسور التواصل بين المملكتين المغربية والبحرينية، ليغدو ذلك طموحه خلال الأعوام المقبلة، مع وجود بوادر اهتمام علمية وثقافين على صعيد البلدين.

منطقة الريف

يتأصل عبد الناصر فتح الله من منطقة الريف، رأى النور بمدينة الناظور، وتعلّم بالتدرج بين مؤسسات التربية والتكوين “ابن خلدون” و”الكندي” و”الشريف محمد أمزيان” و”محمد بن عبد الكريم الخطابي” في الحاضرة ذاتها.

الفترة ما قبل الباكالوريا ترتبط في مخيال المغربي نفسه بما عرفته من إقبال على الموسيقى والمسرح كهواية، ومواظبته على قصد مقر “دار الشباب” بحي “أولاد ميمون”، حيث امتد ولعه إلى تأسيس نادٍ غنائي وفرقة ركحية مع أصدقاء تلك المرحلة.

ويقول فتح الله: “الإقبال على الإبداع أسهم في صقل شخصيتي، مثلما خلق توازنا فكريا ومعرفيا في سن مبكرة، كما كان هروبا من السقوط في ممارسات ضارة”.

هجرة داخلية

الرغبة في دراسة الفلسفة قادت ابن الناظور إلى جامعة سيدي محمد بن عبد الله في مدينة فاس؛ لكن قضاء جزء من العطلة الصيفية لدى أخيه أحمد في الرباط، بعيد ختم الطور التعليمي الثانوي، جعل فتح الله يسحب ملفه من “العاصمة العلمية” ليلتحق بالمعهد العالي للصحافة في “العاصمة الإدارية”.

عن هذه “الهجرة الداخلية” من الناظور إلى الرباط، بالنأي عن بيئة النشأة 600 كيلومتر ونيف، يردف عبد الناصر: “كنت أقضي أيام عطلة ضيفا على أخي في مسكنه القريب من معهد الصحافة، فرأيت إعلان تسجيل على أحد جدران المؤسسة لأقرر، فورا، تقديم طلب قيد لقي بالقبول”.

“التأقلم في العاصمة، بما لها من اختلافات عن الناظور، استمر زمنا قصيرا.. وأسعفني في ذلك تكوين صداقات من طلبة المعهد، وكذا الدعم الذي حظيت به من أفراد العائلة المستقرين بالرباط”، يسترسل الريفي عينه.

دكتوراه فرنسية

تخرج عبد الناصر فتح الله مجازا في الإعلام ضمن تخصص الإذاعة والتلفزيون، مستغرقا 4 سنوات في ذلك، مع مزاوجته الإقبال على التعليم العالي باستمرار الاهتمام بالأنشطة الفنية، والاستمرارية في نشر بعض مقالات الرأي على صفحات جرائد متعددة.

لازم الإعلامي نفسه المعهد الذي تخرج منه سنتين إضافيتين، قاضيا الخدمة المدنية بأستوديوهات المؤسسة، ثم ظفر بالموافقة على طلب استكمال التكوين في فرنسا؛ لكنه عاد مرة أخرى إلى “المعهد العالي للإعلام والاتصال” بعد 5 سنوات في جامعة “باريس II”، وافدا بصفة دكتور وهو في سن الثلاثين.

ويقول فتح الله: “توليت مهمة التدريس بالمؤسسة التي تكونت فيها، وقد كنت صغير السن حين شرعت في ذلك؛ إلى درجة أن بعض الطلبة كانوا يخالونني واحدا منهم قبل أن أقف أمامهم مكوّنا.. لقد بقيت في هذا المنصب 13 سنة كاملة”.

الجيش البحريني

بحلول خريف 2002، وجد عبد الناصر فتح الله نفسه في قوات الدفاع البحرينية. وعن هذا التحول، يسرد: “كونت طالبا بحرينيا في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، وحين تخرج لم يعد يربطني به أي اتصال، إلى أن هاتفني شهر أبريل 2002 عارضا عليّ تأطير دورة تدريبية لقوة دفاع البحرين، تستفيد منه الأطر الإعلامية بهذه المؤسسة العسكرية مدة شهر”.

ضبط الدكتور أجندته لإفراغ شهر ماي اللاحق من أي التزامات، ثم حلّ بمملكة البحرين ليمضي 4 أسابيع قبل العودة إلى المغرب؛ لكن الجيش البحريني اقترح عليه مهمة مستشار إعلامي، ليقفل إلى المغرب مستغرقا وقتا في التفكير قبل الاستقرار على الموافقة.

“في شتنبر 2002، بدأت مهمتي الجديدة منتقلا من التدريس إلى الاشتغال في مؤسسة عسكرية.. كانت الأمور بحاجة إلى ضبط وتأقلم، زيادة على مصالحة أكاديمية بين ما ألفته وما غدوت قائما به، وأعتقد أني أنجزت مهمتي بالشكل المُرضي”، يعلق الخبير الإعلامي.

تأطير أكاديمي

استمر عبد الناصر فتح الله في ملازمة العاصمة البحرينية، بعد انتهاء التزامه مع قوة الدفاع في البلاد. وهذه المرة حقق رغبته في العودة إلى المؤسسات التعليمية، بعدما اقترحت عليه جامعة البحرين عقدة تدريس.

بدأ ابن الناظور بالتأطير الأكاديمي في الإعلام الإذاعي والتلفزيوني، بالإضافة إلى بعض المقررات العامة، ثم أخذ في الجمع بين التدريس والمسؤولية، منذ 2012، بعد أن أصبح رئيسا لقسم الإعلام والسياحة والفنون في الجامعة ذاتها.

وعن هذا التموقع يعلق فتح الله: “هذه المهمة أعتبرها مساهمة في صقل مساري المهني وتجربتي الشخصية، خاصة أنها وصلت بين جوانب مهنية محضة وأخرى تدبيرية إدارية، وخلالها تواجدت وسط منجزات عدة حققت”.

يربط عبد الناصر الأرباح المذكورة بربط علاقات أكاديمية بين جامعة البحرين ومؤسسات جامعية عالمية، وإدخال برامج تكوينية جديدة مع بروز “ماجستير في الإعلام” و”باكالوريوس في الفنون والتصميم الغرافيكي”، دون إغفال تطوير الخطط الدراسية الخاصة بالقسم الذي يرأسه.

رسالة إلى اللاحقين

بالهجرة وتنوع المسارات يتحقق إثراء الشخصية، وفق عبد الناصر فتح الله، الذي يزيد: “الإضافات يحققها تراكم الخبرات، بينما الأهم يتمثل في احتفاظ المرء بكنهه، بالرغم من توالي التجارب، ملتزما التطوير ونائيا عن الانسلاخ”.

وفي رسالة إلى الراغبين في اللحاق بركب المهاجرين المغاربة، يشدد الدكتور عبد الناصر فتح الله على أن “الشخصية والطموح والمبادئ ينبغي أن تبقى هي نفسها، لا أن يتم تغيير الشخصية بتبديل الأمكنة؛ لأن من يعيش بشخصيات مختلفة يفقد نفسه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *