عودة الأبناء الضالين الى المغرب تهز اركان اوربا؟

أريفينو.نت/خاص
في تحول لافت، بدأ المغرب يشهد موجة عودة متزايدة لأبنائه المقيمين في الخارج، ليس فقط مدفوعين بالحنين، بل بمنطق اقتصادي عملي ورغبة في الاستثمار في مستقبل المملكة. فبعد سنوات من اعتبار المغرب أرض مغادرة، أصبح اليوم وجهة عودة للكفاءات ورجال الأعمال الباحثين عن فرص جديدة في ظل مناخ أوروبي يزداد برودة.
من بوردو إلى الرباط: قصة جوليا عزمي
في الخامسة فجراً، أغلقت جوليا عزمي حقيبة سفرها للمرة الأخيرة في مدينة بوردو الفرنسية. هذه الممرضة الفرنسية-المغربية، البالغة من العمر 29 عاماً، أمضت تسع سنوات في فرنسا، كافحت خلالها في المناوبات الليلية، وواجهت التمييز الخفي، وادخرت كل يورو إضافي. قرارها بالمغادرة لم يكن وليد لحظة حنين عابرة، بل تقول: “أنا لا أهرب، بل أركض نحو شيء ما”. ما كان يُعرف بأرض المغادرة، أصبح اليوم، بشكل غير متوقع، أرض عودة.
تحويلات قياسية… ولكن!
ارتفعت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بشكل كبير لتصل إلى 117.7 مليار درهم (11.8 مليار دولار أمريكي) في عام 2023، أي ما يقارب عُشر الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وفقاً لبيانات مجموعة البنك الدولي. لكن الأرقام لا تحكي القصة كاملة. فخلفها ثورة هادئة: مهنيون ومبدعون ورواد أعمال يتخلون عن الترحيب الأوروبي الفاتر ويراهنون على مستقبل المغرب الأكثر دفئاً. جوليا عزمي من بين هذه المجموعة المتنامية من العائدين، مدفوعة ليس بالحنين، بل بالبراغماتية الصارمة. تقول: “غادرت المغرب لأسباب اقتصادية، ولكني اليوم أفكر في العودة لنفس الأسباب”.
أموال تتدفق… ولكن لا تستثمر محلياً بالشكل الكافي
تتدفق التحويلات المالية بالمليارات على إفريقيا، ومع ذلك، يختفي جزء كبير من هذه الأموال في الاستهلاك اليومي. والمغرب، رغم تضخم تدفقاته المالية، لا يزال أداؤه ضعيفاً عندما يتعلق الأمر بتحويل أموال المغتربين إلى نمو محلي. إذ يُنفق الجزء الأكبر – حوالي 60% – على الغذاء والتعليم والفواتير. ويذهب 30% أخرى إلى حسابات بنكية أو تُدخر “تحت الفراش”، دون أن تساهم بشكل يذكر في تحفيز المشاريع. النتيجة: التحويلات تخفف أعباء الحياة الأسرية، لكنها نادراً ما تحرك عجلة الاقتصاد.
بالمقارنة مع نيجيريا وكينيا، حيث من المرجح أن تولد أموال المغتربين نمواً أكبر، يُعاد استثمار ما يقدر بنحو 45% من التحويلات إلى نيجيريا، و35% إلى كينيا، في مشاريع إنتاجية تشمل الأراضي والعقارات والزراعة وتجارة التجزئة.
البيروقراطية: العقبة الكأداء
جزء من هذا التباين يكمن في كيفية استخدام الأموال والثقة فيها. ففي حين يوجه النيجيريون والكينيون الأموال مباشرة إلى أعمال عائلاتهم، تفضل الأسر المغربية الادخار أو الإنفاق. ويبدو أن البيروقراطية هي المتهم الأكبر كالعادة. فبرامج مثل “MDM Invest”، المصممة لجذب دراهم المغتربين إلى مشاريع إنتاجية، لم تحقق نجاحاً يذكر، فبحلول منتصف عام 2022، لم يتجاوز عدد المشاريع الممولة 48 مشروعاً فقط. لا تزال قنوات الاستثمار غامضة، معقدة، وغير مشجعة. بالنسبة للعديد من المستثمرين المحتملين، لا يزال تحويل الأموال إلى المغرب أسهل من بناء شيء فيه.
جيل جديد من المستثمرين العائدين
رغم هذه العقبات، يمضي البعض قدماً. محمد بن زاكور، مستشار تكنولوجيا المعلومات البالغ من العمر 32 عاماً، يجسد هذه الروح المقاولاتية. بعد إغلاق صحي وحيد ومقيد في باريس، عاد إلى المغرب قبل ثلاث سنوات. يتذكر قائلاً: “خلال الجائحة، كنت محاصراً في شقة صغيرة كعلبة الأحذية، معزولاً عن عائلتي. العودة إلى المغرب كانت فرصة لبدء صفحة جديدة”. اليوم، يبني بن زاكور مستقبله في المغرب، ويدير وكالة لتطوير الويب توظف فريقاً مغربياً محلياً. يقول: “في المغرب، هناك شعور مُعدٍ بالإمكانية. الناس يؤمنون بك هنا، وهذا نادر في الغرب”.
وبالمثل، يستعد عمر برادة، 40 عاماً، الذي أمضى أكثر من عقدين في هولندا، لافتتاح مطعم في المغرب. يقول: “البلد الذي تركته خلفي قبل عشرين عاماً قد تغير. الآن، الأمر يتعلق بالازدهار، وليس مجرد البقاء على قيد الحياة”. هؤلاء العائدون لا يسعون فقط للاستثمار في مستقبلهم، بل للمساهمة أيضاً في اقتصاد المملكة، وفقاً لبيانات مكتب الصرف.
إعادة الاتصال بالهوية: دافع أعمق
مع ذلك، بالنسبة للكثيرين، العودة لا تتعلق بالربح بقدر ما تتعلق بالأصل والانتماء. سنوات قضوها في مواجهة برودة أوروبا لم تؤثر فقط على أرصدتهم البنكية، بل فتتت إحساسهم بالذات. العودة إلى الوطن هي، بالنسبة للبعض، فعل استعادة ثقافية. تصف مريم لعبودي، التي عادت عائلتها من بلجيكا قبل خمس سنوات، عودتها بأنها “عودة إلى الديار”. تقول: “في أوروبا، كنا نُحاكم باستمرار على هويتنا. لكن في المغرب، الناس دافئون ومتقبلون. إنه مكان يمكنني أخيراً أن أتنفس فيه”.
ما الذي يعيق المغرب؟
لكن الحماس وحده لن يسد الثغرات المؤسسية. لا تزال البيروقراطية المغربية تشكل عائقاً كبيراً. فالحوافز المجزأة، والأعمال الورقية المعقدة، والدعم الفاتر، كلها عوامل تستمر في خنق استثمارات المغتربين. ولكي لا يضيع المغرب هذه الموجة من المواهب ورؤوس الأموال العائدة، فإنه يحتاج إلى أكثر من مجرد شعارات. إنه بحاجة إلى وضوح في السياسات، وتبسيط للإجراءات، وتغيير في العقليات. فما لم يُصلح المغرب “الأنابيب”، قد يجف تدفق رأس المال – والمواهب – مرة أخرى.
