فقراء المغاربة هم من سيدفع ديون اخنوش؟

في لحظة حرجة تمر بها المالية العمومية في المغرب، يبدو أن الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش، التي تحمل على عاتقها تدبير الشأن الاقتصادي للبلاد، قد وضعت نفسها في مفترق طرق صعب. إذ تواصل المديونية العمومية تصاعدها بشكل مقلق، ما يثير تساؤلات عميقة حول عواقب هذا التوجه على الاستقرار المالي واستقلال الاقتصاد الوطني. الأرقام الأخيرة تشير إلى تجاوز المديونية 70% من الناتج الداخلي الخام، وهو مستوى ينذر بتداعيات اقتصادية ثقيلة قد تطال الطبقات الشعبية والمستقبل المالي للمملكة.
المديونية.. حصاد “سنوات” حكومة أخنوش
حسب المعطيات الرسمية، ارتفعت ديون المغرب بشكل متسارع، حيث سجلت زيادة تقدر بحوالي 130 مليار درهم بين 2022 و2024، أي ما يعادل تقريبًا ضعف ما كان يستدان في الأعوام السابقة. هذا التصاعد المقلق في حجم المديونية، مع تراجع الإيرادات الضريبية الناتج عن ضعف الأنشطة الاقتصادية في قطاعات حيوية، يضع الحكومة في وضعية صعبة حيث تزداد نسبة الديون بشكل يتجاوز المعدلات المقبولة اقتصاديًا. وقد عبّر العديد من الخبراء الاقتصاديين عن قلقهم من أن هذا الارتفاع المستمر في الديون قد يؤثر بشكل كبير على السيادة المالية للمغرب.
في هذا السياق، يرى مصطفى زكريا، الأستاذ الباحث في الاقتصاد بجامعة محمد الخامس، أن “الزيادة المفرطة في المديونية تجعل الحكومة أمام تحديات ضخمة في التحكم في عجز الميزانية، وهو ما يعنى المزيد من الاعتماد على القروض الخارجية، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى فقدان جزء من استقلالية قرارات السياسة المالية والاقتصادية”. ويضيف زكريا أن المغرب قد يجد نفسه في المستقبل القريب مضطراً إلى المزيد من التقشف أو تخفيض الإنفاق الاجتماعي في حال استمرت هذه الديناميكية.
عبء المديونية على الطبقات الشعبية.. التفاوت الطبقي في أوضح صوره
المثير في هذا السياق هو أن الدين العام لا يتوزع بالتساوي بين مختلف فئات المجتمع. فبينما تستمر الحكومة في استدانة المبالغ الضخمة من الأسواق المالية الدولية، يبدو أن الطبقات الاجتماعية الأكثر هشاشة هي من تتحمل النتائج السلبية لهذه السياسات. “الحكومة، بدل أن تركز على تحفيز النمو الاقتصادي بشكل شامل، تواصل تحميل الفئات العاملة والمتوسطة عبء الضغوط المالية من خلال زيادة الضرائب على الأجور، في الوقت الذي يتم فيه إعفاء الشركات الكبرى من دفع حصتها العادلة في النظام الضريبي”، يقول مصطفى زكريا.
نقد الموازنة الاجتماعية وتعميم الحماية الاجتماعية.. أهداف معلنة بلا آليات حقيقية
من جهة أخرى، تتزايد الأصوات الناقدة حول السياسات الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية التي وعدت الحكومة بتعميمها على جميع المواطنين. ففي الوقت الذي تبدي فيه الحكومة حماسة في عرض أرقامها “الإيجابية” عن التحسن الاقتصادي، يواجه المواطنون واقعًا مُرًا، حيث تواصل الحكومة إقصاء فئات واسعة من الحماية الاجتماعية، كما هو الحال مع العديد من المستفيدين من “راميد” الذين تم استبعادهم من “أمو تضامن” في خطوة أثارت جدلاً واسعًا بين مختلف الأطراف السياسية والنقابية.
وقد عبّر أحد المصادر النقابية التي تم التواصل معها عن امتعاضه من هذه الإجراءات، حيث صرح قائلا “الحكومة تتغنى بمشاريع ضخمة لتحسين الحماية الاجتماعية، ولكن الواقع يظهر أن هذه السياسات لا تشمل جميع المواطنين، بل تقصي الفئات الأكثر احتياجًا”، مضيفًا أن “هذه السياسات تزيد من فجوة اللامساواة وتزيد من الأعباء على الأسر المغربية”.
النظام الضريبي.. تفشي التفاوت بين الطبقات الاجتماعية
النظام الضريبي في المغرب لا يزال موضع انتقاد كبير. فمن جهة، تتحمل الطبقات العاملة الجزء الأكبر من الضرائب على الدخل، حيث يُقدّر أن الأجراء يمثلون 74% من إجمالي الضريبة على الدخل. وفي المقابل، تجد الشركات الكبرى والقطاعات الأكثر ربحية نفسها بعيدة عن الملاحقة الضريبية الفعلية، وهو ما يشكل خللاً فادحًا في العدالة الضريبية. ويعزو بعض المحللين الاقتصاديين هذا الخلل إلى ضعف آليات المراقبة والشفافية في النظام الضريبي، وهو ما يسمح لبعض الشركات بالتهرب من واجباتها الضريبية، في حين أن الأجراء البسطاء لا يجدون بدًّا من دفع حصتهم بالكامل.
ويتابع الخبير مصطفى زكريا “النظام الضريبي في المغرب يعاني من اختلالات كبيرة. لا يعقل أن تتحمل الطبقات العاملة العبء الأكبر في حين يتم منح الامتيازات الضريبية للشركات الكبرى. هذا الوضع يتطلب إصلاحًا شاملاً للنظام الضريبي لكي يتحقق التوازن الاقتصادي والاجتماعي”. مضيفا أن الإصلاح الجبائي يجب أن يشمل تحسين جمع الضرائب من الشركات الكبرى، بالإضافة إلى ضمان العدالة في توزيع أعباء الضرائب على جميع الفئات.
استراتيجية نمو أم استراتيجية استدانة؟
لكن الأهم من كل ذلك هو السؤال الأكبر، هل ما تشهده البلاد من تسارع في معدلات الديون هو جزء من استراتيجية حقيقية للنمو أم مجرد محاولة للاستمرار في تمويل العجز؟ ويشير العديد من المحللين إلى أن الحكومة تتبع سياسة اقتصادية تستند في المقام الأول إلى الاستدانة بدلاً من استراتيجيات تنموية طويلة الأمد، “من المؤسف أن الاقتصاد المغربي يعتمد بشكل متزايد على الديون لتمويل المشاريع، في حين أن الاستثمارات التي يمكن أن توفر مصادر مستدامة للتمويل المحلي ضعيفة جدًا”، يقول أحمد بن عبد الله، أستاذ في الاقتصاد السياسي.
حكومة من رجال الأعمال.. أولوية المصالح الخاصة أم العامة؟
عزيز أخنوش، الذي ترأس الحكومة المغربية في 2021، يعد من أبرز رجال الأعمال في البلاد، حيث يمتلك مجموعة “أكوا” التي تشمل العديد من القطاعات الاقتصادية مثل الطاقة، والصناعات الغذائية، والتوزيع. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى تأثير مصالحه الشخصية ومصالح شركاته على القرارات الحكومية. فقد شهدت السنوات الأخيرة العديد من القرارات التي تعزز هذه الصورة، بدءًا من تشجيع الاستثمارات الكبرى في قطاعات معينة وصولًا إلى تمرير صفقات مشبوهة قد تخدم مصالح قلة من رجال الأعمال على حساب الفئات الشعبية.
كما تؤكد المصادر أن غالبية الوزراء في حكومة أخنوش هم من رجال الأعمال أو لهم ارتباطات قوية بعالم المال والأعمال، مما يثير شكوكًا حول مدى قدرة هذه الحكومة على اتخاذ قرارات تمثل مصلحة المواطنين بشكل عادل. ويعزز ذلك الانتقادات المتزايدة حول سياسات الحكومة التي يراها البعض تسير نحو تحسين أوضاع الطبقات الثرية والشركات الكبرى على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة.
