قصة حياة قاضي ناحية الناظور الفقيه العلامة محمد أشرڭـي يرويها حفيده

عبد العزيز اشركي
كان جدي: الفقيه العلامة محمد أشرڭـي، تغمده الله بغامر رحمته ورضوانه، قاضيا للناحية على إقليم الناظور (بالمغرب) قيد حياته. كان رجلا متفقها في الدين، ضليعا في الأحكام الشرعية وفي مدارك أخرى لم تغِب عن إلمامه. لم تكن الدنيا مَبلغ غايتِه ولا المنصبُ غايةَ مَبلغِه. كان همه الإخلاص لله في عبادته وفي خدمة عباده، وأداء أمانته وإتقان مهمته. وكان حبه للقراءة والنهل من مَعين العلم والمعرفة مستحوذا على فكره وكيانه؛ حيث كان يقضي أوقات فراغه داخل غرفته في مراجعة وثائقه وتدوين ملاحظاته، ويُمضي لياليه في مطالعة الأسفار والمخطوطات التي تزخر بها مكتبته وينكب على دراستها إلى أن يغلبه النوم جالسا والكتاب بين أنامله. كان بيت جدي الفسيح في قريته الأمازيغية “ثَعَمَّاث” (التابعة لقبيلة آيت توزين المجاهدة بجبال الريف الأشَم) مفتوحا لكل ضيف وعابر سبيل ولكل شخص قصدَه أو استجار به؛ بِغض الطرف عن دينه أو عرقه أو لغته أو جنسيته. ومن شدة ارتباطه بقريته، ذات الإطلالة البانورامية على محيطها الطبيعي، وتَعلقه ببيته الذي عاش فيه مع أسرته وكُتبه، فضلاً عن ورعه وزهده وبساطة عيشه رغم المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها كقاض للناحية في عهده، فقد كان جدي يرفض الإقامة في المنزل الوظيفي المخصص له بمدينة الناظور، ويوثر العودة إلى بيته في قريته، وتجشُّم مَشاق الطريق الجبلي الوعر الموصل إليها راكبا على دابته..

جايَل جدي الأميرَ محمد بن عبد الكريم الخطابي: “مولاي موحند” (قائد ثورة الريف المدفون في أرض الكنانة وبطل معركة أنوال المجيدة) الذي كان صديقَه وزميلَه في الدراسة كما في العدالة؛ فكلاهما درسا بجامعة القرويين في فاس العالمة، وكلاهما عملا بقطاع القضاء في فترة متزامنة وضِمن حدود متقاربة (الزعيم الفذ ابن عبد الكريم كان قاضيا ثم قاضيا للقضاة بثغر مليلية المجاور لمدينة الناظور وقتَ اشتغال جدي قاضيا للناحية على إقليمها). وقد كانا يكنان أحدهما للآخر تقديرا وتوقيرا كبيرين (تشهد على ذلك رسائلهما البينية)، كما كان الخطابي يستقصي جدي أحيانا بشأن بعض القضايا والمنازعات المتصلة بأطراف يقيمون بالإقليم خارج مليلية. ومن الوقائع التي حدثني عنها والدي: محمد محمد أشرڭـي، عليه رحمة الله الواسعة (اشتغل هو أيضا في حياته قاضيا)، والتي تُبين مدى الإجلال والاحترام المتبادلين والدائمين بين الرجلين، مهما كانت الظروف وكيفما كانت الظرفية؛ حادثةٌ طرأت بعد أن ترك الخطابي سِلك العدالة وسَلك طريق المقاومة. كان والدي (وهو أكبر إخوته) حينها شابا يافعا، وكان يومَها واقفا بالقرب من بيت العائلة عندما دنا منه شخص بحذر شديد وأمارات الجزع عليه بادية، لم يكن والدي قد رأى ذلك الزائر من قبل ولم يعلم هل قدِم من المدينة أم أنه من أهالي البادية. همس الغريب بصوت مرتعش في أذن أبي راجيا منه أن يخبر الفقيه محمد أشرڭـي بأن: فلان الفلاني (ذكر له اسمه) يستحلفك بالله أن تجيره وتنظر إليه بعين الرحمة. ولج والدي المنزل وقد استبدت به الحيرة، وما إن نطق اسم ذلك الشخص وبسط طلبَه أمام جدي حتى امتقع وجهه وتجهَّمت أساريره وبقي صامتا لبرهة، ثم ما لبث أن أمر أبي بفتح الغرفة المرصودة لمَبيت الزوار خارج الدار ليمكث فيها المستجير ما شاء من مدة، لكنه أكد على والدي أن يُعلِمه بألا يطمَع في رؤيته بالمرة. مرت أيام عدة، لزِم فيها الزائر تلك الغرفة؛ يمدّه أبي، بناءً على تعليمات الجد، بما يلزمه يوميا من أكل وشرب وماء ساخن للوضوء، من غير محادثة إلا في الحدود الضرورية. وذات صباح غائم، بعد انقضاء فترة ليست بالقصيرة منذ حلوله بالمكان، طلب الضيف من أبي الذي جاءه بالماء والطعام كالعادة، أن يبلغ جدي عظيم امتنانه وتبجيله، وأن ينبئه بأنه مغادِر في تلك اللحظة. لم ينصرم وقت طويل عقِب نقل والدي فحوى الرسالة إلى أبيه حتى سُمع دوي الرصاص في الأرجاء ووُجد المغادِر على بعد أمتار من أرض جدي جثة هامدة. فيما بعد، علِم والدي أن المقتول تم إعدامه من طرف المقاومين في صفوف ابن عبد الكريم لكونه كان قد أفشى سرا عسكريا للعدو؛ فكانت نهايته على ذلك النحو مستحقة. ولكن، لأنه استجار على إِثر هروبهِ بحِمى الفقيه محمد أشرڭـي، ظل المجاهدون الذين اقتفوا أَثره يراقبونه من بعيد كل تلك الفترة، ولم يتم تنفيذ عقوبة التصفية في حقه حتى غادر أراضي قاضي الناحية، احتراما لحرمة منزل هذا الأخير ومكانتِه الاعتبارية..

تلقى جدي محمد أشرڭـي تعليمَه الأولي على يد والدته الفقيهة الجليلة: السيدة هَمُّوتْ، رحمها الله وأحسن مثواها. شكَّلت هذه المرأة العظيمة استثناء حقيقيا وحالة فريدة ـ جديرة بالتوثيق ـ في منطقة الريف خلال تلك الحقبة العصيبة وحتى في الآونة المعاصرة. ففي وقت لم يكن لمعظم الرجال فيه نصيب من التعليم فبالأحرى للنسوة، كانت الجدة هَمُّوتْ أو “جِدَه هَمُّوتْ”، كما كان يناديها أحفادها، متعلمة وحاملة لكتاب الله وفقيهة متنورة صاحبة حكمة متبصرة؛ يستفتيها الناس في أمور الدين والدنيا لدرايتها بقواعد الشريعة ومقاصدها. مما جعل أهلها وأهل القرية يسمونها “السِّي هَمُّوتْ” إكبارا لها ولدرجةِ عِلمها ولشخصيتها الفذة. ومما عُرف عنها كذلك: صوم الدهر، مع العمل اليومي الدؤوب والقيام بكل أشغال المرأة القروية (رغم ضآلة جسمها)، والاضطلاع بتربية الأبناء والأحفاد وتعليمهم منذ الصغر؛ تماما كما فعل والدها معها مُذ كانت صبية. وقد حكى لي أبي (حفيدها) كيف كانت توقظهم هو وإخوته من النوم ساعة الفجر للتوضأ وأداء الصلاة، ثم تشرع في تحفيظهم القرآن الكريم وتلقينهم تعاليم الدين. وقد تعلَّم جدي (ابنها) على يديها بنفس الطريقة، وكانت تحبه حبا جما. بعد وفاته المبكرة، أمضت بقية حياتها حزينة على فراقه حزنا عميقا. وفي أواخر عمرها، أوصت والدي (حفيدها البكر) بأن يعتني بإخوته الأصغر منه (وقد تفاني بعد رحيلها، كما فعل بعد رحيل والده من قبل، في تأدية هذا الدور). وكان من جملة ما أفضت به إليه، وهي تُوصيه، نبوءة ختمت بها كلامها (وتحققت لاحقا بصورة عجيبة) إذ قالت له: إني راضية عنك تمام الرضا، وإني أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه أبدا. اذهبْ! لن يصيبك مكروه مهما لقيتَ من محن؛ حتى لو وقعتَ في مياه البحر الغارقة. توالت الأعوام، جرت خلالها مياه كثيرة تحت الجسر، وانتقل فيها أبي رفقة أسرته الصغيرة للعيش والعمل بمناطق أخرى في شمال المملكة؛ منها الحسيمة، فالناظور؛ التي وقع فيها حادثُ غرقِ أربعةٍ من إخوتي؛ وهو الحادث الذي أعاد إلى الأذهان نبوءة الجدة الجليلة. ففي يوم عطلة من أيام الزمن الجميل بمدينتي الناظور (التي ترعرعتُ فيها ولا زلت أقطنها إلى حد كتابة هذه السطور)، بينما كان والديَّ، رحمهما الله وأسكنهما الجنة، يقومان بنزهة عائلية صحبة خمسة من أبنائهما قرب ساحل بحيرة “مارتشيكا”، في موضع بعيد عن أنظار العامة، راح ثلاث من شقيقاتي وأكبر شقيقيَّ يلهون ويمرحون جنب البحيرة. وفي غفلة من أبويَّ، تخطَّوا ضفتَها ودخلوا مياهَها الغائرة وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض دون أن يشعروا بالخطر الداهم الذي كان يتربص بهم. فجأة، انتفضت والدتي، التي كانت قد انشغلت قليلا في الاعتناء بشقيقِي الثاني الرضيع وقتَها (أنا أصغر إخوتي ولم أكن قد ازددت بعدُ زمنئذ)، وألقت ببصرها إلى حيث كان يلعب أطفالها الآخرون، ثم أطلقت صيحة رهيبة زلزلت أركان المكان؛ الخالي من الناس والمارة. هرولَ أبي، الذي كان في الجوار، مرعوبا، وأدرك أن ثمة خطب جلل قد حل بالأسرة. ودون أن ينبس ببنت شفة أو يسأل أمي عن سبب صراخها، انطلق كالسهم بكامل ثيابه في اتجاه فلذات كبده المفقودين، الذين لم يكن يظهر منهم سوى شعر إحدى شقيقاتي طافيا فوق سطح البحيرة. ما حدث بعدئذ يشبه المعجزة؛ فوالدي الذي لا يتقن العوم والذي لم يسبق له السباحة في البحر قط قبلئذ، استطاع أن يغوص في مياه ذلك اليَم الذي ابتلع أبناءَه الأربعة مثل وحش لا يرحم، وأن ينقذهم الواحد تلو الآخر، وكأنَّ قوة خفية حفيَّة كانت تسري في أوصاله كلها وتمده بتينك الطاقة الهائلة والقدرة الخارقة اللتين بفضلهما كُتبت له ولأبنائه حياة جديدة. كلما تذكرتُ هذه الواقعة التي كان والدي يسردها على مسامعي بعينين مُغرورقتين بالدموع (دموع الفرح لنجاة أطفاله من موت محقق دفعة واحدة) ولسانٍ لاهج بحمد الله، إلا واقشعر بدني وامتلأت مُقلتاي بالعَبرات أنا الآخر، وشكرت بدوري خالقي على طِيب الأبوة والأمومة اللتين ظفِرتُ بهما وبرضاهما، وفضْل الأجداد الأكرمين، ودِفء الأخُوة التي تُعضِّد أزري، ونعمة البُنوة التي تضيء سماءَ دُنياي ومِنَّة الزوجةِ الصالحة…

#Abdelaziz_Achargui
Nador : 06/10/2019.

(هذه الصورة لجدي القاضي محمد أشرڭـي معلقة على حائط خزانة محكمة الاستئناف بالناظور إلى جانب صورة والدي القاضي محمد محمد أشرڭـي وصورة عمنا القاضي محمد الشريف محمد أشرڭـي رحمة الله عليهم جميعا).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *