قصة قصيرة جدا: غلة، ولكن…

أريفينو : 21 يونيو 2020.

ميمون حرطيت*

كنا نحن الثلاثة؛ كلما اقتربنا أكثر من الحقل، ارتفع صوت الحصادين وتبينت لنا ألفاظ “لازمتهم”؛ هرولت خلف أبي وعمي اللذين كانا يحملان على التوالي؛ إبريق لبن سُحب للتّو من البئر؛ وقصعة كسكس كبيرة بلحم رأس العجل. اما ملاعق الخشب وأقداح الخزف فقد كُلفتُ بحملها؛ وكانت بالنسبة لي مسؤولية كبرى.
قال أبي لعمي: تكلف بترتيب “القعدة”، أما أنا فسأعود إلى الدار لجلب مزيد من المرق.
كان حقلنا محاطا بأشجار التين والرمان؛ اِختار عمي إحدى الأشجار الوارفة القريبة من الحصادة؛ سوّى بقدمه التربة ، ثم فرش عليها قطعة قماش حيث وضع القصعة ، أسند الملاعق على حافتها بعدد الأفواه، وكذلك فعل مع الأقداح، خفت صوت الحصادين لما بَدَوْنا لهم، وكذلك أصوات المناجل في الزرع.
حين لاح أبي اخيرا؛ أشار لهم بصفير، أن هلموا إلى الطعام. مر بعضهم بساقية بها بقية ماء ليغسلوا ايديهم ؛ في ما توجه الآخرون مباشرة إلى حيث تفوح رائحة المرق، بعد أن تخلصوا من أدوات الوقاية. وأنا أتأملهم، بدت لي قمصانهم متسخة أكثر في محيط الإبط وعلى الظهر؛ حيث امتزج الغبار بالعرق .
تحلق الحصادون السبعة حول القصعة، بين متقرفص و متقرد، وساد صمت، إلا ما تحدثه الملاعق في القصعة، وجرجرات اللبن في الأجواف.
لقد كانت ظلال شجرة التين وارفة، تحث على الاستلقاء؛ غير أن الحصادين ما إن انتهوا من طعامهم، حتى التحقوا ؛ وهم يعيدون تركيب التجاويف القصبية على أصابعهم وقاية لها من ضربات المناجل، ويعيد بعضهم شد الوقائي الجلدي على صدورهم حماية لها من الأشواك.
تأملت الحصادين وهم ينحنون ويستقيمون تحت رحمة شمس يونيو الحارة؛ قدرت بيني وبين نفسي أنهم ينفقون ما يربو عن الدقيقة بين كل انحناءة لنجل الزرع، واستقامة لتقميط الحزمة؛ اي ما يناهز خمسمئة انحناءة في يوم عمل، و في آخر النهار لا يحوز كل واحد منهم سوى على بضعة دراهم، فيال قساوة العيش.!
في صباح اليوم الذي تلا آخر يوم حصاد، قام أبي وعمي مبكرين، والتحقا بمنطلق الحصاد لجمع ما غفل عنه الحصادون، قالت لي أمي، وأنا ما زلت أتمرغ في الفراش: انهض والحقهما ببعض الفطور.
بدا الحقل بعد انتهاء الحصاء في هيأة أخرى، حزم الزرع المسندة إلى بعضها ، تبدو كشيوع متراكمة لا تفصل بينها سوى بضعة أمتار: “إنه موسم جيد” قال عمي وعلامات الرضا بادية على محياه القمحي..
أما أبي فقال ، وهو يجمع بعض اللوازم: لن نحكم على وفرة الغلة إلا بعد الدرس وتحصيل المحصول، هز عمي رأسه كعلامة على الموافقة، وقفلنا عائدين إلى الدار.
قبيل حلول الليل ذبح عمي ديكا للعشاء فرحا بانتهاء الحصاد.
ونحن على مائدة العشاء؛ قال العم لأبي في ما يشبه الاستشارة: متى سنبدأ الدرس في رأيك؟
لست أدري يا أخي؛ هل ننتظر انتهاء جارنا، أم نسبقه؛ نحن سنكون كما تعلم ؛ في حاجة إلى بغلته.
قالت زوجة العم : لو نتمم ما بدأناه يكون أحسن.
غدا يوم التسوق، وبعده يحلها الحلال؛ هكذا حسم ابي في الأمر.
قبيل الفجر بقليل، رزم الرعد، فاستفاق الجميع مخلوعين ؛ خرج أبي يستطلع الحال، فإذا الأرض يابسة، غير أن هزيم الرعد لم يكف عن الدّوي، وحين أصبح الصباح، فرح أفراد العائلة بنجاة المحصول؛ ولكن ما هي إلا لحظات حتى تصاعدت صوات ولولات واستغاثة وصل صداها إلى مسامع أبي وعمي اللذين كانا بصدد إعداد دابتيهما للذهاب إلى السوق،وحين خرجا يستطلعان الأمر؛ صدما بما شاهدا؛ سيول مائية تغطي حقول بعض الجيران، وتزحف بقوة نحو حقلنا؛ يا رب ما العمل؟!
حث أبي وعمي بغلتيهما، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، غير أن رأس السيل كان أسرع، ولم تمض إلا دقائق حتى كانت حزم الزرع تطفو ، يقودها رأس الحملة نحو المجهول؛ فال أحد المفجوعين : لا شك أن المطر قد هطل مدرارا في الجبال، وزاد جازما بأن المجرى الذي سلكه السيل لم يسلكه منذ أربعين سنة؛ فلا ثقة في الوديان.
ظل أبي وعمي يخوضان في مياه الواد التي كانت تتجاوز الركبة؛ يجمعون بعض الحزم التي تمكنوا منها لتكون علفا للدابتين، وكان ذلك كل نصيبنا من الغلة.

*أستاذ متقاعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *