كشف سر الخطة المغربية الكبرى.. ممرات سرية نحو جزر الكنز !

أريفينو.نت/خاص

ألقى تقرير تحليلي حديث صادر عن "المركز المغربي للاستشراف الاقتصادي والاجتماعي" ضوءاً كاشفاً على المبادرة الاستراتيجية الطموحة "مبادرة الأطلسي" التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس. وتهدف هذه المبادرة إلى إعادة صياغة وتحفيز الديناميات الأفريقية انطلاقاً من الساحل الغربي للقارة. يستعرض التقرير "الروافع الملموسة" لهذه الرؤية الملكية، والتي تشمل تطوير موانئ مترابطة، إقامة ممرات لوجستية استراتيجية، تعزيز الأمن البحري، وتحقيق تنمية مشتركة في مجال الطاقة. إنها مقاربة طموحة للغاية، صُممت خصيصاً لإعادة التوازن إلى "أفريقيا الداخلية"، والحد من التبعيات والتقسيمات التي تعيق تقدمها.

الواجهة الأطلسية الأفريقية.. كنز من الموارد ينتظر التثمين والتحول

يُشدد التقرير على أن الواجهة الأطلسية الأفريقية، التي طالما تم تجاهلها في السياسات العمومية الأفريقية، تعود اليوم لتكون في صلب الرهانات الجيواقتصادية الكبرى. إنها الطموح الذي تجسده مبادرة الأطلسي، المشروع الملكي الذي تم تحليله بعمق في هذه المذكرة التحليلية الأخيرة. ويرى مؤلفا التقرير، السيدان مشيخ الكركري وعلي الران بوري، أن الأمر لا يتعلق بمجرد إطار للتعاون البحري، بل بـ "تحول جذري في النسيج الاستراتيجي للقارة". ويكتبان أن "الأطلسي الأفريقي يمكن أن يصبح فضاءً للتضامن الوظيفي، الأمن الطاقي، التنمية الذاتية، والدبلوماسية الجهوية". ومع انتقال المنطق العالمي من الكتل إلى الممرات والشبكات، يرى المؤلفان أنه يجب على أفريقيا أن تستثمر بشكل كامل في سواحلها الأطلسية لتتحرر من التبعية اللوجستية والتوترات غير المتكافئة.

قلب جيواستراتيجي.. رؤية ملكية للواجهة الأطلسية

في تأكيد على الأهمية الاستراتيجية لهذه الواجهة، نقل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، يوم الخميس، رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس في هذا الشأن. حيث أكد أن "أفريقيا الأطلسية لا يمكن أن تكون هامشاً في عالم اليوم المعولم، بل هي قلب جيواستراتيجي، واجهة ديناميكية بين القارات، ومصفوفة للابتكار والصمود".

تحرير الإمكانات الاقتصادية.. موارد هائلة وتجارة بينية ضعيفة

يشير التقرير إلى أن الواجهة الأطلسية الأفريقية تزخر بثروات طبيعية هائلة وغير مسبوقة، تشمل الغاز الطبيعي، المعادن، الأراضي الفلاحية الخصبة، التنوع البيولوجي البحري، ومصادر الطاقة المتجددة. لكن هذا الرأسمال، للأسف، لا يزال "قليل التثمين، قليل التحويل، وقليل التبادل بين الدول الأفريقية نفسها". فمع بقاء التجارة البينية الأفريقية عند مستوى أقل من 13%، تستمر القارة في التجارة مع الخارج أكثر مما تتاجر بين دولها. تطمح مبادرة الأطلسي إلى عكس هذا المنطق بالتركيز على تطوير سلاسل القيمة الجهوية، التحويل المحلي للموارد، والتصنيع المشترك بين الدول. ويُستشهد بالمغرب كمثال في هذا الصدد، خاصة استثماراته في مجالات الأسمدة، الفوسفاط، الطاقة الشمسية، والمنصات اللوجستية. ويؤكد المؤلفان أن "الواجهة الغربية يمكن أن تصبح مختبراً للتنمية المشتركة الأفريقية، شريطة أن ترتكز الاستثمارات على استراتيجيات جماعية ومصالح مشتركة".

الموانئ والممرات اللوجستية.. قلب الإستراتيجية نحو التكامل الإقليمي

يُعد تطوير الموانئ رافعة أساسية وثالث محاور المبادرة المقترحة، حسب رؤية مؤلفي التقرير. ويُقدم ميناء طنجة المتوسط كـ "أهم ميناء للعبور في أفريقيا"، والذي سيوفر، مع ميناء الداخلة الأطلسي قيد الإنجاز، "قدرة مزدوجة للمغرب: نحو أوروبا شمالاً، ونحو أفريقيا جنوباً".

لكن الرؤية تتجاوز بكثير الحدود المغربية. يُشدد التقرير على ضرورة بناء شبكة موانئ متناسقة ومترابطة تمتد من داكار، نواكشوط، لاغوس، لواندا، وصولاً إلى والفيس باي. الهدف واضح: تحويل الموانئ الوطنية إلى "منصات جهوية" مترابطة عبر ممرات لوجستية وطاقية. ويلخص السيدان مشيخ والران بوري الأمر بالقول: "الاندماج المينائي ليس مجرد حركة سلع، بل هو حركة سيادة". نجاح هذا التصور يبقى رهيناً بقدرة الدول المعنية على مواءمة تنظيماتها، تجميع استثماراتها، والتفكير بشكل مشترك في التكاملات الاقتصادية التي تخدم مصالح الجميع.

رهان إدماج دول الساحل.. كسر العزلة الجغرافية وفتح "باب أفريقيا" على العالم

من أبرز الجوانب المبتكرة في مبادرة الأطلسي، رغبتها القوية في إدماج دول الساحل غير الساحلية (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد…) ضمن الدينامية الأطلسية. ويُقر التقرير بأن "هذه الدول تعاني من عزلة جغرافية تُعيق تنميتها", وأن "الأطلسي يمكن أن يصبح ولوجها الاستراتيجي للعالم". عملياً، يتطلب ذلك فتح "ممرات آمنة وتنافسية" تربط هذه الدول بالموانئ المغربية أو الموريتانية، وتزويدها بمنصات للتصدير، التخزين، التحويل، أو التوزيع. الرهان هنا اقتصادي وسياسي في آن واحد: "إدماج هذه الدول يعني تعزيز صمودها، جاذبيتها، واستقرارها"، كما يؤكد المؤلفان. هذا الخيار الاستراتيجي يستجيب لحاجة ملحة: خلق بديل للممرات التقليدية التي غالباً ما تكون مكتظة وغير آمنة، وتقديم مرساة ترابية مستدامة لاقتصادات هشة تتأثر بشكل كبير بالتغيرات المناخية والأزمات الغذائية.

المغرب.. محفز المبادرة وشريك ذو مصداقية لقيادة التنمية المشتركة

يتناول المحور الخامس من التقرير دور المغرب، الذي يُقدم كمحفز للمبادرة وفاعل ذي مصداقية في مسار الاندماج الأفريقي. ويُبرز التحليل الخيارات الهيكلية التي اعتمدها المغرب خلال العقدين الماضيين: ميناء طنجة المتوسط، شبكة الطرق السيارة، الطاقات الخضراء، دبلوماسية اقتصادية نشطة، ومشاريع ذات أثر قوي في غرب أفريقيا. لكن القيادة المغربية، كما يُشدد المؤلفان، "يجب أن تبقى تعاونية، تشاركية، ومبنية على المصلحة المشتركة". ويستشهد التقرير بمشاريع كبرى مثل غاز الأنبوب نيجيريا-المغرب، مشروع وحدات إنتاج الأسمدة مع مجموعة OCP، والاستثمارات في قطاعي الفلاحة واللوجستيك، كنماذج لشراكات أفريقية ترتكز على الرؤية طويلة المدى. ويُمكن القول أن "المغرب لا يقترح نموذجاً ليتم تقليده، بل يقترح منهجية ليتم تكييفها: منهجية ترتكز على الاستقرار، الرؤية، والتضامن"، حسب التقرير. إنها منهجية قائمة على تقارب الجهود وتكاملها، لا على هيمنة مقنعة.

تفعيل المبادرة.. حوكمة، تمويل، مواءمة تنظيمية وتنمية القدرات البشرية

لضمان ألا تبقى مبادرة الأطلسي مجرد مشروع نظري، بل أن تتحول إلى "مصفوفة فعل"، يشدد مؤلفا التقرير على ضرورة إقامة حوكمة واضحة، شاملة، ومستدامة. ويدعوان إلى إنشاء هيكل مؤسساتي مشترك يضم الدول الساحلية ودول الساحل، يُكلف بقيادة، تنسيق، ومتابعة جميع مكونات المشروع. هذا الهيكل سيضمن الاستمرارية الاستراتيجية ويعزز الثقة بين الشركاء الأفارقة حول رؤية موحدة.

بالتوازي مع ذلك، يوصي التقرير بإنشاء صندوق أفريقي مخصص لتمويل البنية التحتية الأطلسية، خاصّة الممرات اللوجستية، الربط الطاقي، والمنصات الصناعية. يمكن لهذا الصندوق تجميع مساهمات عمومية وشراكات تقنية مع المؤسسات الجهوية والدولية، شريطة ضمان حوكمة شفافة واستهداف فعال للأولويات.

تُعد المواءمة التنظيمية أيضاً عنصراً أساسياً. ويدعو المؤلفان إلى تقريب تدريجي للسياسات المينائية، الجمركية، الضريبية، والطاقية بين الدول المشاركة، لتسهيل حركة المبادلات، تجميع الموارد، وتعزيز التنافسية الجهوية. الهدف هو بناء إطار متجانس وجذاب للاستثمارات الخاصة، بتقليل الحواجز الإدارية وتقوية الأمن القانوني.

أخيراً، يتوقف نجاح المبادرة أيضاً على تنمية قدرات الموارد البشرية الأفريقية. يدعو التقرير إلى جهد مشترك لتكوين الكفاءات في المجالات المينائية، اللوجستية، البحرية، الطاقية، والرقمية. ويُشدد على أهمية إدماج الشباب والجاليات الأفريقية في هذه الدينامية، بتوفير فرص حقيقية للمشاركة في المشاريع الكبرى. ويُقدم إشراك القطاع الخاص كرافعة لا غنى عنها، سواء في التمويل أو الابتكار. يخلص التقرير إلى أن "نجاح هذه المبادرة يعتمد على ثقة سياسية متبادلة، مؤسسات ذات مصداقية، ونتائج قابلة للقياس. لا يتعلق الأمر فقط ببناء بنية تحتية، بل ببناء سيادة جماعية".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *