كنوز المغرب تُنقذ من الاندثار: أكثر من 48 ألف شاب يبعثون الحياة فيها!

أريفينو.نت/خاص

كشف كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، أن حوالي **48.325 شابًا وشابة تلقوا تكوينًا في مهن الصناعة التقليدية بين عامي 2022 و2024**. يأتي ذلك في إطار برنامج طموح يهدف إلى الحفاظ على المهارات التقليدية المهددة بالاندثار، وضمان انتقالها بين الأجيال، وتشجيع إدماج الشباب في النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

الحفاظ على التراث: برنامج وطني استراتيجي بلمسة ملكية

في رد مفصل على سؤال كتابي موجه من قبل رئيس المجموعة الحركية بمجلس النواب، الدكتور إدريس السنتيسي، قدم السعدي البرنامج الوطني لإنقاذ مهن الصناعة التقليدية المهددة بالانقراض، واصفًا إياه بأنه “**أولوية استراتيجية**”. وأكد أن هذا البرنامج يندرج ضمن التوجيهات الملكية السامية الداعمة للحفاظ على التراث الثقافي اللامادي للمملكة وتطويره وتثمينه. تماشيًا مع التزامات المغرب في حماية التراث الثقافي اللامادي، وفي إطار تنفيذ اتفاقية اليونسكو لعام 2003، أطلقت الوزارة برنامجًا طموحًا بالشراكة مع المنظمة الأممية، حسبما أضاف، مشيرًا إلى أن هدفه هو ضمان **إنقاذ المهارات التقليدية المهددة بالزوال وضمان انتقالها للأجيال الشابة**.

من “المعلم” الرقمي إلى “كنوز” بشرية: استراتيجيات مبتكرة لتوثيق ونقل الخبرات

في هذا السياق، قام كتابة الدولة بإنشاء نظام رقمي لتوثيق المعارف التقنية والحرفية، حيث تم بالفعل توثيق 32 حرفة تقليدية ذات حمولة ثقافية عالية في مجالات الخشب، الجلد، الفخار، النسيج، والمعدن، بما في ذلك العديد من الحرف المرتبطة بالهندسة المعمارية التقليدية. وأوضح المسؤول أن منصة إلكترونية أُطلق عليها اسم “**المعلم**” تدعم هذه المبادرة من خلال نشر المحتوى وتوفير التدريب.

علاوة على ذلك، أشار السعدي إلى أنه بفضل التعاون المعزز مع منظمة اليونسكو، تم اعتماد نهج مبتكر يشمل **تحديد وتصنيف الحرفيين أصحاب المعارف النادرة كـ “كنوز حرفية مغربية”**، مع مهمة نقل مهاراتهم إلى الشباب. ففي عام 2023، شهدت النسخة الأولى من البرنامج اختيار ستة معلمين حرفيين وتدريب 57 شابًا في حرف مثل صناعة السروج المطرزة، الزليج التطواني، القفطان الوجدي، التطريز السلاوي، حياكة الخيام، وصناعة الآلات الموسيقية. أما النسخة الثانية، التي انطلقت رسميًا في ديسمبر 2024، فقد مكنت من تعبئة 10 حرفيين لتدريب 1000 شاب في تخصصات مثل المنتجات النباتية الجنوبية، قفطان الرباط، الزجاج المنفوخ يدويًا، الخشب المنحوت بالصويرة، الجلد الزيواني، خزف مكناس، تطريز الساتورميا، البناء بالتراب المضغوط في طاطا، وصناعة المعاطف التقليدية. وتتناول النسخة الثالثة، التي يجري إعدادها حاليًا، 16 حرفة مهددة بالانقراض، منها “الخوليرة”، البلغة الفارسية (تامك)، الصباغة النباتية، الركاب، هيكل السرج العظمي، لجام الفرس، تطعيم خشب العرعار، المصنوعات الجلدية الجنوبية، سجادة بني وراين، الحايك والبرنوس الفجيجي، قماش ترغة تازرزيت، حصيرة سلا، سجادة الرباط وتطريز القفطان المغربي التقليدي.

تكوين مهني شامل: دعم ريادة الأعمال وإدماج السجناء

إلى جانب النقل المباشر للمعرفة بين المعلمين الحرفيين والشباب، شدد السعدي على أهمية التكوين المهني كرافعة أساسية لإنقاذ وتثمين مهن الصناعة التقليدية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز المهارات التقنية وريادة الأعمال لدى الحرفيين والحرفيات، من خلال تعبئة عدة إجراءات هيكلية.

يُشكل تنويع عروض التكوين محورًا رئيسيًا، مع التركيز بشكل خاص على المهن ذات الإمكانات العالية في الفروع الإنتاجية والخدماتية. إضافة إلى ذلك، يُخصص جهد كبير لإنشاء وتوسيع مراكز التكوين على المستوى الوطني، وتحديث المناهج البيداغوجية، وفتح مسالك جديدة تتكيف مع واقع القطاع. يُعد تشجيع روح المبادرة وريادة الأعمال أيضًا من الأولويات، مع دمج وحدات مخصصة لإنشاء التعاونيات والمقاولات الصغيرة جدًا، كما أكد كاتب الدولة. وأوضح أنه تم وضع خطة تدريب سنوية تهدف إلى الوصول إلى 20 ألف يوم تدريبي سنويًا. وتشمل هذه الخطة أيضًا وحدات متعددة التخصصات تتناول الصحة والسلامة المهنية، التسويق الرقمي، التثقيف المالي، وتعلم اللغات.

بين عامي 2022 و2024، مكنت هذه الجهود من تكوين 48.325 شابًا، منهم 1.896 داخل مؤسسات تكوين متخصصة و 9.682 عبر مسار التكوين المهني بالتدرج. هذا النمط الأخير، المتماشي بشكل خاص مع احتياجات السوق، يُدعم بتعاون وثيق مع مكتب التكوين المهني، غرف الصناعة التقليدية، ومؤسسة محمد الخامس للتضامن.

وفي السياق ذاته، سلط السعدي الضوء على الجهود المبذولة لتعزيز إدماج الفئات المستهدفة، والاعتراف بالمهارات المكتسبة ميدانيًا، وتحسين اندماج الحرفيين في النسيج الاقتصادي. وهكذا، سمح برنامج المصادقة على المكتسبات من الخبرة المهنية بتقييم 1.641 حرفيًا وحرفية، منهم 1.019 حصلوا على شهادات رسمية، مما يشهد على إتقانهم للمهارات المطابقة لمهنتهم.

وتعمل الوزارة أيضًا على إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني للسجناء، حيث يتم تدريب حوالي 1000 سجين سنويًا في مهن الصناعة التقليدية ذات الطابع الفني والإنتاجي. تُنفذ هذه المبادرة بالشراكة مع المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وكذلك مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء.

في المقابل، تمر استراتيجية تنمية القطاع عبر تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، لا سيما مع غرف الصناعة التقليدية. ولهذا الغرض، تم إنشاء مجالس للمؤسسات في مراكز التكوين.

علاوة على ذلك، يتم ضمان التنسيق الفعال مع الفاعلين الوطنيين في مجال التوظيف، وبالأخص الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC). تنظم هذه الأخيرة دورات تكوينية لفائدة الخريجين، تغطي مجالات متنوعة مثل تقنيات البحث عن عمل، إنشاء المقاولات، التنمية الذاتية، ومهارات الحياة. وبفضل هذا النهج المتكامل، يتجاوز معدل إدماج خريجي مراكز التكوين المهني اليوم 85%، كما خلص كاتب الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *