لا تفوت زيارة هذه المدينة المغربية الغريبة: وادي الديناصورات يكشف كنوزًا خفية ؟

أريفينو.نت/خاص
“من ضفة واد أم الربيع إلى سفح الجبل، ما هي إلا سهل فسيح، أملس كمرآة، لا تموج فيه ولا حجارة… تربته بنية: تغطيه الحقول بالكامل وتمتد على مد البصر… جداول مياه صافية جارية، وقنوات كثيرة، تسقيه”. بعد قرن ونصف تقريبًا، لا يزال هذا الوصف لمنطقة بني ملال، الذي وثّقه المستكشف الفرنسي شارل دو فوكو، يبدو صالحًا حتى اليوم.
**رحلة عبر الزمن: من مستكشف فرنسي إلى أرض الديناصورات!**
المستكشف الذي عبر الإمبراطورية الشريفية عام 1883، متنكرًا في زي حاج يهودي، توقف في بني ملال، التي كانت تُعرف آنذاك باسم “قصبة بل كوش، مدينة صغيرة يبلغ عدد سكانها حوالي 3000 نسمة، منهم 300 يهودي”. ورغم أن المدينة تطورت بشكل كبير منذ ذلك الحين، حيث بلغ عدد سكانها اليوم أكثر من نصف مليون نسمة، إلا أن بيئتها لا تزال ساحرة. لا شك أن دو فوكو قد رسم هذا المشهد الخلاب من مرتفعات عين أسردون، بالقرب من نبع سخي يغمر بفوائده المنطقة وجزءًا كبيرًا من المملكة. وقد تحول هذا الموقع اليوم إلى حديقة غنّاء، وهي بمثابة قاعدة لأولى التلال الساحرة لجبال الأطلس المتوسط. للوصول إلى أولى الممرات باتجاه الأطلس الكبير، لا يفصلك سوى خطوة عملاقة محفورة في الصخر، كأنها آثار مرور كائنات ضخمة قبل أكثر من 66 مليون سنة. يعرض متحف “جيوبارك مكون” التفاعلي، وهو جوهرة مدينة أزيلال الساحرة، مهمة نبيلة تتمثل في سرد قصة الديناصورات التي كانت تزخر بها هذه المنطقة من البلاد.
**كنوز طبيعية لا تقدر بثمن: من بحيرات الجنة إلى شلالات ساحرة!**
لكن الأمر لا يتعلق فقط بمطاردة عمالقة العصر الجوراسي في هذه الحديقة الطبيعية، التي تُعد كنزًا لا يقدر بثمن من التراث. فالبحيرات الفردوسية، والشلالات الخلابة، والتكوينات الصخرية الشاهقة، التي أبدعتها الطبيعة الأم، تفتح لك دروبًا لرحلات لا تُنسى. رحلة تهدف إلى إبهار حواسك، قبل أن تنتهي في مدينة دمنات الألفية، الواقعة على ارتفاع يقارب ألف متر. طبيعة سخية وثقافة عريقة تنتظرك في هذه الجولة الاستثنائية.
**عين أسردون: نبع السعادة الذي يروي قصة الحياة!**
جنوب بني ملال، يقف أمامك جدار طبيعي شامخ. بعيدًا عن كونه عائقًا، يدعوك هذا الجدار إلى سلك الطريق الجميل المتعرج الذي يخترق أولى مرتفعاته. وسط بساتين خضراء، يبدو هذا الطريق الصاعد وكأنه يعدك بوجهة لا تُنسى. دقائق قليلة أخرى من السفر ولوحة إرشادية تشير إلى مكان واسع لإيقاف مركبتك: “موقف عين أسردون”. مثلك تمامًا، يتوافد الرجال والنساء والأطفال بنشاط نحو مدخل حديقة فريدة من نوعها. ترافق المسيرة لوحات جدارية مدهشة، إحداها تمثل جسد رجل مستلقٍ على ظهره، مرتدياً جلباباً مائلاً للصفرة، ووجهه عبارة عن باقة من الزهور متعددة الألوان. وبإصبع يشير إلى السماء، يلتقط المخلوق الهجين البشري-الزهري قطرة ماء. وهذا هو جوهر هذا المكان المبارك: الماء.
**أم الربيع: شريان الحياة الذي يروي حكايات الخصوبة!**
كما يوحي اسمها، فإن عين أسردون هي في الأساس نبع، وليس أي نبع. فمن جوف المرتفعات الأولى للأطلس المتوسط تتدفق مياه صافية بغزارة، لتلتقي عبر القنوات والرافد بواد أم الربيع، الذي يصبح بذلك ثاني أهم مجرى مائي في المغرب. هذا النهر، الذي يعكس اسمه الشعري (بمعنى “أم الربيع”) طبيعته المغذية، ينبع من مسافة تزيد عن 100 كيلومتر غربًا، تحت جبل حيان، في إقليم خنيفرة. ولكن عند مروره ببني ملال، يزداد عمقًا وحيوية ويواصل مساره نحو المحيط الأطلسي، قبل أن يصب فيه تحت أسوار مدينة أزمور. هذه الرحلة التي يبلغ طولها 550 كيلومترًا هي السبب الرئيسي لخصوبة سهل تادلة. وهو سهل أخضر شاسع يمكنك، كما فعل دو فوكو ذات يوم، التطلع إليه دون عائق في الأفق من مرتفعات أسردون، المصنفة تراثًا وطنيًا منذ عام 1947. في المقدمة، تبدو مدينة بني ملال، بلونها المائل للأصفر، وكأنها ترقد على مساحة خضراء وخصبة لا نهاية لها. هذه البانوراما، التي تحظى بتقدير كبير من قبل السكان والزوار، تجسد جميع وعود منطقة مزدهرة والمدينة التي أصبحت عاصمتها.
**كسر القوة: قلعة عين أسردون تكشف صراعات الماضي!**
يتم الدخول إلى حديقة عين أسردون، التي يفتخر بها السكان المحليون بحق، عبر درج يؤدي إلى فضاء أول يشبه الجنة. على اليمين، يمتد ممر رائع بظلال خضراء، تحفه أشجار مزروعة بترتيب متقن. وفي المقابل، يقف مبنى ساحر مصنوع بالكامل من الخشب، وذلك للحفاظ على تناغم المكان حيث تملي الطبيعة قوانينها بوضوح. نحن الآن أمام مركز تفسير التراث الثقافي لجهة بني ملال-خنيفرة، وهو مؤسسة تابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل. يضم هذا المركز متحفًا يعرض بعضًا من الثروات الثقافية العديدة للمنطقة، بما في ذلك الأزياء التقليدية، ومقتطفات من الفنون الشعرية والموسيقية، ورسوم توضيحية لعمق الممارسة الفروسية، بالإضافة إلى عرض كامل للحرفية الإقليمية في صناعة السجاد. إنه بمثابة بطاقة تعريف موجزة ومفيدة لا بد من استكشافها قبل التجول في حديقة مصممة على شكل مدرجات، تتبع المسار الطبيعي للمياه التي تصب فيها. وهكذا، في نهاية الممر في هذا المستوى الأول، حيث يتجمع الزوار، يتدفق شلال يبلغ ارتفاعه 3 أمتار المياه عبر قناة مخصصة. تحيط هذه القناة من الجانبين سلالم تعلوها مزهريتان كبيرتان للزينة.
**الكازار: قلعة مهيبة تحرس كنوز التاريخ!**
بالصعود على الدرج، تصل إلى نقطة منبع العين، وهي الكهف الذي تخرج منه المياه من الأنفاق الجوفية في قلب الجبل لتظهر في الهواء الطلق وتتدفق متبعة منحدر الميل. تقترح عليك حديقة عين أسردون بعد ذلك تتبع مسار هذا التدفق، الذي يشكل الصوت الخلفي الرئيسي للمكان: صاخب عندما تسقط المياه من ارتفاع عدة أمتار، وأكثر هدوءًا عندما تتدفق بهدوء على طول القنوات العديدة التي تخترق هذه المساحة الشاسعة التي تبلغ مساحتها حوالي 20 هكتارًا. في المستوى الأدنى، يجذب مشهد آخر الحشود: حوض كبير تزينه منحوتة ذات أشكال هندسية. ثلاثة مربعات ضخمة، ذات لون أسود، تغوص في مستطيل من الماء، وتتسرب منها المياه أيضًا من فتحات صغيرة موجودة على الجانبين العلويين. في كل مكان آخر، توجد أحواض مختلفة الأحجام، وأرصفة خشبية، ومناطق مخصصة للنزهات، ومقاعد أنيقة تسعد العائلات التي جاءت للتخلص من روتين الحياة الحضرية. وإذا كنت تبحث عن لمسة سحر إضافية، عد إليها ليلاً: ستستمتع عندها بجاذبية غير عادية، حيث تتلون المياه المتجولة في ممرات الحديقة بألوان مختلفة بفضل لعبة إضاءة ذكية.
**ميراث السلاطين: بني ملال وقصة السيطرة والنفوذ!**
كان نبع عين أسردون، الذي يشكل خلفية هذا التصميم النباتي الساحر، في الماضي غير البعيد، مصدرًا حقيقيًا للصراع على السلطة. لا شك أنك لاحظت خلال جولتك: من منصة تقع على ارتفاع يقارب مائة متر على جانب الجبل، يطل حصن رباعي الأبراج متناظر تمامًا على الموقع بأكمله. عند مدخل الحديقة، تشير لوحة إلى المسار الذي يجب اتباعه للوصول إليه. وبعد عشر دقائق من المشي، على منحدر شديد الانحدار أحيانًا، تجد نفسك أمام المبنى. يقع المبنى التاريخي في نهاية ساحة واسعة تساهم في إبراز جماله، وقد تم ترميمه بالكامل، متباهيًا بأسواره الطينية وبوابته الحديدية السوداء اللامعة. ويستخدم المكان، الذي يجذب الزوار الفضوليين والشجعان، اليوم كمساحة للمعارض المؤقتة التي تتيح للفنون في بني ملال فرصة للظهور. كما أنه موقع مثالي للاستمتاع بأجمل إطلالة بانورامية على المنطقة. من الواضح أن اختيار هذا الموقع لم يكن صدفة.
**لغز “قصر عين أسردون”: هل هو مجرد حصن أم أكثر؟**
للحصول على مزيد من المعلومات، طلبنا خبرة متحمس للتراث المحلي، والذي يتناوله بانتظام في كتاباته الصحفية. جمال مايس، وهو أيضًا طالب باحث في التاريخ، ينبهنا أولاً إلى أن “قصر عين أسردون غالبًا ما يكون موضوع خلط بشأن طبيعته الحقيقية”. بدءًا من اسمه. ويوضح: “إنه ليس، كما قد يسمع البعض أحيانًا، قصبة بل كوش، التي هي في الواقع النواة الحضرية لبني ملال، والتي تقع منطقياً في قلب المدينة”. تاريخ تأسيسه أقل عرضة للخلط. يشرح جمال مايس: “يعود تاريخ هذا البناء العسكري إلى أواخر القرن التاسع عشر، على الأرجح أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، لأنه خلال مروره قبل بضع سنوات، لم يذكره شارل دو فوكو، بينما وصف بدقة بقية المنطقة”.
**المياه المباركة: كنوز خفية تروي حكايات الأولياء!**
بسبب موقعه المتميز، المطل على الوادي، يبدو هذا القصر مبنيًا خصيصًا لضمان مراقبة مثالية للمناطق المحيطة. “ولكن ليس هذا فحسب!”، يوضح محدثنا. “لقد تم بناؤه أيضًا كحصن دفاعي. ووفقًا للروايات الشفهية لجيل أجدادنا، فقد علمت القبائل المتحالفة في بني ملال بهجوم وشيك من قبل قبائل منافسة، بهدف الاستيلاء على النبع، أو حتى تحويل المياه لصالحهم”. ويضيف: “عندئذ، شرع السكان على عجل تقريبًا في بناء هذا الحصن، باستخدام الحجر والتراب المستخرج من موقع في الأسفل، والذي لا نزال نطلق عليه اليوم اسم “الحفرة”. ويضيف أن “تحصينًا ثانيًا من نفس النوع كان قيد الإنشاء، إلى أن هدأت التوترات في النهاية بين المتحاربين”. اليوم، يعد قصر عين أسردون نصبًا تذكاريًا رائعًا في إقليم بني ملال، وقد ولد من الصراع على المنطقة، الواقعة على الحدود بين سهل تادلة وأولى ارتفاعات الأطلس. أرض مباركة لم تفشل في جذب العديد من الشخصيات التي، بدورها، صنعت سمعتها. يؤكد لنا جمال مايس أن “بني ملال ومنطقتها القريبة معروفة باحتضان العديد من الزوايا (الطرق الصوفية) بالإضافة إلى العديد من الأولياء، سواء كانوا مسلمين، مثل سيدي أحمد بل قاسم، سيدي عبد الحليم أو سيدي بو يعقوب، أو يهود، مثل الحاخام شلومو عمار”، الذي يعد موضوع حج سنوي.
**قصبة تادلة: تحفة معمارية تروي مجد السلطان مولاي إسماعيل!**
ويشمل هذا الجذب أيضًا رجال السلطة، أو على الأقل أقوى السلاطين، الذين كانوا الوحيدين القادرين على غزو منطقة كانت تقليديًا متمردة على السلطة المركزية. وهذا هو حال السلطان الباني مولاي إسماعيل (1672-1727)، الذي لم يفته أن يترك، كما في أماكن أخرى من المملكة، بصمة لا تُمحى في بني ملال ومحيطها. توجد أكبر التحصينات الإسماعيلية على بعد 30 كيلومترًا شمال بني ملال، وترتبط بها بطريق سريع. تأسست عام 1687 على يد السلطان العلوي وتحمل اسم قصبة تادلة، وهي النواة الحضرية للمدينة التي يزيد عدد سكانها عن 50 ألف نسمة وتحمل اسمها اليوم. يمكنك أولاً الإعجاب بجسر هناك، وهو تحفة هندسية أقيمت فوق جزء مضطرب من واد أم الربيع، ويستند إلى عشرة أقواس ويسمح بالوصول إلى المعقل العسكري من أواخر القرن السابع عشر. ولا تزال الأسوار المحيطة الرائعة تشهد بفخر على أهمية هذه القلعة التي مكنت مولاي إسماعيل من إحلال السلام في كامل سهل تادلة تقريبًا. لكن السلطان لم يتوقف عند هذا الحد: فقد تلتها العديد من التحصينات الأخرى التي حققت نفس الهدف، وغطت عمليًا المنطقة بأكملها.
**المياه المباركة: كنوز خفية تروي حكايات الأولياء!**
من بين هذه التحصينات نذكر قصبة فيشتالة، الواقعة على بعد 13 كيلومترًا شمال شرق بني ملال، مباشرة بعد بلدة فوم الأنصار الصغيرة. يمكن لعشاق التاريخ هناك مشاهدة الآثار التي تشهد، هنا أيضًا، على الأهمية الاستراتيجية للمنطقة للقوى المتعاقبة. يوضح جمال مايس: “توجد تحصينات فيشتالة في الواقع منذ العصور الوسطى، قبل أن تتم إعادة بنائها بالكامل تقريبًا في عهد مولاي إسماعيل”. هذه القصبة، غير المعروفة، كانت موضوع تعليق شعري من شارل دو فوكو. فقد كتب: “تقع فيشتالة على المنحدرات الأولى للجبل، وسط تلال ظليلة بأشجار اللوز، عند سفح صخور كبيرة، حيث ترسم مجموعة من الجداول المتدفقة كالشلالات أخاديد فضية، وسط حدائق رائعة تضاهي حدائق تازة وصفرو”. وكما هو الحال غالبًا في وصف المستكشف، يتحدث عن مصادر مياه وفيرة، ذات قيمة كبيرة منطقيًا في المملكة. توجد بالفعل مصادر مياه كثيرة في المنطقة، كل منها أكثر انتعاشًا من الأخرى. وتعتبر هذه المصادر، التي ترمز إلى الحياة والنقاء، في كثير من الأحيان مقرات للطرق الصوفية، حول أضرحة الأولياء.
**وادي العبيد: جمال أخاذ وقوة هائلة.. هل تغيرت طبيعته؟**
بعد استكشاف ثراء وجمال هذه المنطقة الحدودية بين السهول والجبال، حان الوقت للارتفاع. سيجد عشاق رياضة المشي لمسافات طويلة ضالتهم في المنحدر الجنوبي لمرتفعات عين أسردون، حيث ينتظرهم واد تسيطر عليه قمة تاسميت. هذا العملاق الذي يزيد ارتفاعه عن 2250 مترًا، والذي غالبًا ما يكون مغطى بالثلوج في الشتاء، ودائمًا ما يكتسي بالخضرة في الربيع، يقدم بالفعل العديد من المسارات التي يمكن للمشاة استكشافها مع مرشدين محليين. لاستكشاف المزيد من الأماكن، غادر بني ملال من الغرب، عبر الطريق الوطني رقم 8، قبل أن تتجه جنوبًا باتباع الطريق رقم 25. حتى سفوح المرتفعات، عند مستوى قرية تافوراغت، تحف الطريق بساتين ومزارع، دليل، إذا كان لا يزال هناك حاجة إلى دليل، على خصوبة هذه الأرض. وليس من قبيل المصادفة أن كلمة “تادلة” تعني حرفيًا “باقة قمح” باللغة الأمازيغية. يتغير المشهد بعد بعض المنعطفات المتعرجة، عندما تظهر أولى الأشجار الصنوبرية، وهي علامات مميزة لمرتفعات المملكة. تدريجياً، تصبح المساكن أكثر ندرة، ويصبح المشهد أكثر وحشية. عندها، بالكاد ستقاوم إغراء إيقاف سيارتك، عندما يسمح الطريق بذلك، للاستمتاع بجمال الأطلس الكبير النموذجي.
**سد بين الويدان: تحفة هندسية تروي قصة التنمية!**
على امتداد هذه المنطقة، يمكن الوصول بانتظام إلى “نقاط” للمراقبة، مثل “تيريزيت نوهنية نيزدار”، و”إغرغار”، و”با ميمون”. واعلم أيضًا أن هذه المنطقة مليئة بالبيوت الريفية التي تقدم لك، بالإضافة إلى الإقامة والطعام، بيئة رعوية يمر فيها الوقت بإيقاعه الخاص. على الطريق، تشير اللافتات إلى أنك تقترب من موقع بين الويدان الرئيسي، وهو أحد أشهر البحيرات في البلاد. لن يستغرق الأمر أكثر من ساعة بقليل، من بني ملال، للوصول إلى إحدى عجائب الكتلة الجبلية، وهو مكان مفضل للانغماس الكامل في جمال مياه الأطلس الكبير. على الطريق، رفيقك في الأسفل يمتلك جمالًا آسرًا، لدرجة أنك ستحتاج إلى تركيز شديد للحفاظ على عينيك على الطريق. نتحدث عن واد العبيد، وهو رافد مهم لواد أم الربيع، الذي تغذي مياهه التي تتخذ أحيانًا لونًا أزرق فيروزيًا سد بين الويدان. لقد سلك مساره أيضًا شارل دو فوكو، الذي وصفه بهذه الكلمات: “لا تمل العين من التفكير في هذا المجرى المائي الواسع الذي يتدفق فيه سيله المتدفق بين جدران حجرية هائلة، عند سفح تلك الجبال المظلمة، في هذه المنطقة البرية حيث البقايا البشرية الوحيدة هي بعض “التريميت” (القصور باللغة الأمازيغية) المعلقة على قمة صخرة”. منذ ذلك الحين، هدأ واد العبيد، بعد بناء السد.
**”بين الويدان”: حيث تلتقي الأنهار ويلتقي الحلم بالواقع!**
تم افتتاح سد بين الويدان عام 1954، ولا يزال حتى اليوم أعلى منشأة هيدروليكية مقوسة في القارة والثالثة في المغرب من حيث القدرة، بأكثر من 1.38 مليار متر مكعب. يتميز هذا المسطح المائي، الذي تبلغ مساحته ما يقرب من 4000 هكتار، بكونه يستخدم للري الزراعي في المنطقة ولإنتاج الكهرباء على حد سواء. مع متوسط عمق يبلغ 20 مترًا، تعتبر بحيرته أيضًا مكانًا مفضلاً للاستجمام، حيث توفر العديد من الأنشطة المائية، وكذلك في الجبال. في الفنادق العديدة والنزل الأخرى المحيطة به، ستجد بالتأكيد إرشادات لمسارات المشي لمسافات طويلة، وستتم دعوتك للتجديف بزورق الكاياك على مياهه الهادئة أو للإبحار بالقوارب في مجموعة متنوعة من الرحلات الرومانسية. من بينها، اسلك تلك التي تبحر من نهر أحنصال، المجرى المائي الآخر لبين الويدان… والذي ساهم في صياغة اسم هذا الأخير، الذي يعني حرفيًا “بين النهرين”. في قاربك الترفيهي، أنت تطفو في جوف خانق، محاطًا بجدران صخرية شاهقة: أنت الآن مجرد نقطة صغيرة في وسط عظمة الطبيعة.
**أزيلال: مدينة الجبال الساحرة ومتحف الأسرار القديمة!**
تقع ذروة العرض بعد مسافة قصيرة، في وسط البحيرة: إنها جزيرة أغامبو، وهي شريط من الأرض يخرج من الامتداد الفيروزي. وهي مرصد مثالي للتأمل في روعة المناظر الطبيعية المحيطة، كما أنها محطة ذواقة للزوار، الذين يمكنهم تذوق أطباق الطاجين الشهية من الأطلس الكبير. لكن جولتنا لم تنتهِ من جعلك تشعر بالصغر في أرض العمالقة. عند مغادرة بين الويدان، استعد اتجاه الغرب عبر الطريق الوطني الصعب N 25، الذي يأخذك نحو أزيلال. بعد ما يزيد قليلاً عن ساعة، تستقبلك المدينة الجبلية الأنيقة، التي ترتفع إلى 1400 متر فوق سطح البحر، بطريق ناعم، وأرصفة نظيفة للغاية، ومنازل جميلة ذات أسقف مزدوجة الانحدار، مصممة لجعل الثلوج التي تتساقط بغزارة في الشتاء تنزلق. دوار واسع بنافورة، أكثر إبهارًا بكثير من نظرائه، يخفي هيكلاً ضخمًا ذا طراز معماري غير تقليدي لمدينة ذات ثقافة أمازيغية. يؤدي مخرج هناك إلى مساحة مرصوفة حيث يمكنك ركن سيارتك. مرحبًا بك في متحف أزيلال جيوبارك مكون، معبد المعرفة ومنارة تعزيز التفرد المذهل لهذه المنطقة المحمية الآن. أمامك، مبنيان بلون أصفر ترابي يربطهما جسر زجاجي شفاف. الأول، دائري الشكل، يضم قاعة مدخل متحف تم افتتاحه منذ عام 2023.
