مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. خديجة المحمدي ريفية تستثمر في المطبخ المغربي

– طارق العاطفي | أمين الخياري
مازالت خديجة المحمدي تحتفظ بتعابير اللسان الأمازيغي رغم تجاوزها 4 عقود من الاستقرار الفعلي في مملكة الدنمارك، ملازمة لكنة الحسيميين في الحديث بـ”تاريفيت”، وسط فضاء مطعم مغربي قائم منذ بضع سنوات في العاصمة كوبنهاغن، كما تستحضر بعض تعابير “الدارجة” من حين لآخر عند الحديث بكل افتخار عن الوطن الأم.

حصلت المرأة المغربية نفسها على تكوين في التغذية الصحية قبل أن تميل إلى الاشتغال في تقديم المساعدة لشريحة اللاجئين، ثم عادت إلى تخصصها البدئي نفسه من خلال مشروع عائلي يراهن على الأكلات المغربية، كما يحمل رهانات هوياتية وثقافية بارزة تشكل دعاية صريحة لتراث المملكة وشعبها.

هجرة مبكرة
خديجة المحمدي من مواليد بني احذيفة في إقليم الحسيمة، وعاشت في منطقة الريف المغربية فترة قصيرة، لا تتجاوز 4 سنوات، قبل أن تجد نفسها منخرطة في تجربة هجرة أسرية ساقتها، بمعية 3 من إخوتها، إلى الاستقرار في مملكة الدنمارك بمعية والدها الذي سبق الجميع إلى هذا الحيز الاسكندينافي.

وتقول خديجة: “أبي من الجيل الذي قصد الدنمارك نهاية سنوات الستينيات من القرن الماضي بغرض البحث عن عمل، وبعد مدة قرر أن يستقدم أمي وأبناءه البالغ عددهم 4 في ذلك الوقت، وبالتالي صرنا جميعا مطالبين بالانخراط في بيئة العيش الجديدة دون الإقدام على التخلي عن هويتنا الأصلية”.

وترى المحمدي أن صغر سنها، حينها، أتاح لها ضبط اللغة الدنماركية بسهولة بالغة، والإقبال على الدراسة في جو سليم داخل التعليم النظامي، كما تعلن أن الانتماء إلى الثقافة الأمازيغية والهوية المغربية حضر من خلال الإقبال على التواصل بالريفية في البيت مع حضور حصص إضافية لتعلم اللغة العربية.

احترام بلا انصهار
تؤكد خديجة المحمدي أنها، مثل الكثير من المغاربة الذين كبروا في الدنمارك، تشبعت بتقاليد الوطن الأم من خلال الممارسات في البيت الذي يحتضن الأسرة، بينما التعامل في الشارع يتم بطريقة عادية مع كل الدنماركيين بنية الاندماج بطريقة فعالة في فضاء العيش المشترك بين الجميع.

وتورد ذات الأصل الريفي: “كان والداي يصران على حديثنا بالأمازيغية أو العربية في المنزل، جاعليْن من التواصل بالدنماركية ملازما للتواجد خارج المسكن، ومن خلالهما تمكنت من الحفاظ على الانتساب بقوة إلى الإسلام، عكس بعض العائلات الأخرى التي لم تنجح في هذا الجانب”.

وتعترف المحمدي بأن طبيعة النشأة التي حظيت بها، بمعية باقي إخوتها، جعلتها تحقق الاندماج في المجتمع الدنماركي دون انصهار تام يغيب الخصوصية الثقافية والهوياتية الأصلية، كما مكنتها من استحضار الاحترام التام والدائم لكافة مكونات المجتمع الذي يحتضنها، سواء لذوي الأصول الأجنبية أو غيرهم.

أداء إنساني
بعد الحصول على شهادة الباكالوريا تزوجت خديجة المحمدي، ثم تحققت لها رغبة العودة إلى مقاعد الدراسة لاحقا من أجل الحصول على تكوين في التعليم العالي ضمن المجال الصحي، وقد اختارت تحقيق ذلك عبر التخصص في ميدان التغذية، ثم جرها ذلك إلى الإقبال على تكوين ثان.

وتعلق خديجة على هذه المرحلة بقولها: “انجذبت أيضا إلى الجانب الاجتماعي في الطور الموالي من حياتي، ولم أتردد في الاجتهاد لنيل تكوين في تقديم الرعاية للمتقدمين بطلبات اللجوء في الدنمارك؛ وقد اشتغلت في هذا المجال وسعدت بما قدمته إلى أناس يحتاجون كل الدعم والمساندة لتخطي محنهم”.

وحرصت المحمدي، في هذا الأداء المهني الإنساني، على تقديم كل خبرتها النظرية والعملية من أجل توجيه المستفيدين من حق اللجوء إلى الاندماج بكيفية سليمة في المجتمع الدنماركي، بتركيز على برامج تبتغي محاربة الأمية وتعلم لغة البلد، ومخططات موضوعة من أجل التحفيز على التطور والانخراط في سوق الشغل.

المطبخ المغربي
عادت “ابنة الحسيمة” إلى تكوينها الأول في التغذية الصحية من أجل افتتاح مشروع عائلية سنة 2017، وقد تم ذلك من خلال إنشاء مطعم تحت اسم “ساوثهاب”، مستفيدة من مساندة إخوتها في إعلاء شأن هذا المرفق بكيفية تدريجية، وحريصة على جعل الخدمات المقدمة ملازمة لفن الطبخ المغربي وأطباقه الشهيرة.

وتعلق خديجة على هذه الخطوة قائلة: “اسم المطعم مشتق من اسم حي معروف بتواجد مرفأ يستقبل البضائع المنقولة بحرا. ونريد بهذه الدلالة أن نعبر عن تحركنا من قارة إفريقيا، انطلاقا من شمال المغرب تحديدا، للوصول إلى جنوب الدنمارك، وبذلك نشجع من لا يعرفوننا على تذوق أطباقنا لعلهم يكسبون نظرة عما نحن عليه حقا”.

ويحرص مطعم المحمدي على إطلاق أسماء مدن مغربية على عدد من المنتجات التي يقدمها؛ إذ يتوفر على “ساندويتش مراكش” و”ساندويتش الدار البيضاء” مثلا، زيادة على أكلات كالكسكس والبسطيلة وغيرها؛ بينما يوفر جزءا من مداخيله لمساعدة أسر تعاني من الهشاشة أو وضعيات مؤقتة صعبة، كما توجه بعض العائدات إلى دعم التمدرس في الوطن الأم.

المعاملة بالمثل
توج مطعم “ساوثهاب” في كوبنهاغن بـ11 جائزة من منابر إعلامية تشهد له بالتميز على صعيد الدنمارك، كما يراكم شهادات إعجاب من لدن قاصديه الدنماركيين وذوي الأصول الأجنبية، وأيضا من طرف السياح، وهو ما يجعل الساهرين عليه يبتغون الحصول على إشعاع أكبر من خلال تجويد دائم للخدمات.

وتقول خديجة المحمدي بهذا الخصوص: “تتم الإشادة بالتغذية التي نقدمها وفق معايير صحية تلازم أكلاتنا المغربية، كما ينوه الناس بالتعاون الذي يتسم به أداء كل الطاقم المشتغل بالمكان، ويحضر كذلك الانتباه إلى اللحمة العائلية التي تحفز الكل، بمن فيهم عدد من المستخدمين الأكفاء الذين نستعين بهم”.

كما تذكر من تعيش العقد الخامس في الدنمارك أن مشروع أسرة المحمدي، وإن كان حريصا على التطور ماليا وثقافيا، يعمل على تقديم كل المساندة للمشتغلين به من أجل الارتقاء بدورهم، سواء في أحضان المطعم أو بأماكن أخرى، ويتم ذلك بتنمية قدراتهم ودعم ارتقائهم كي يحققوا طموحاتهم ويلازموا أحلامهم، إذ تعتبر خديجة أن هذا النهج يتلاءم مع ما حظيت به، وكل أسرتها، عند الوصول إلى اسكندينافيا.

ازدواجية التحدي
تؤكد المنتمية إلى شريحة “مغاربة العالم” أن أهم شيء للحالمين يبقى ملازمة الإقبال على التعلم، بينما المنخرطون في تجارب الهجرة مدعوون إلى الاندماج في المجتمع الذي يستقرون فيه أيضا، وإن كانت لديهم تقاليد خاصة بهم فإنها لا تعفي من وجوب احترام ممارسات الأطراف الأخرى التي تشاركها فضاء العيش.

كما تعتبر خديجة المحمدي أن التحديات التي تلاقي المغاربة في الهجرة لا يمكن أن تكون مبررا لتبني ممارسات خاصة بذوي أصول أجنبية أخرى، ومن يحترم جذوره يمكنه أن يستوعب، بكل سهولة، الكيفية اللازمة للتعامل مع غيره دون التخلي عن شخصيته بما تحمل من إرث يدعو إلى الافتخار أمام الأمم.

“ازدواجية الانتماء ليست عيبا حتى نتجنب الاعتراف بها، فمثلما المغرب بلدي أعتبر الدنمارك بلدي أيضا، هكذا تربيت ولا أتضرر من هذا الواقع، لذلك أوصي كل المغاربة ممن اختاروا العيش خارج الوطن الأم بأن يعوا وضعيتهم حقا، ويبذلوا كل ما في وسعهم لإعلاء شأنهم وشأن البلدان التي يحملون جنسياتها، وذلك قابل للتحقق بوسائل شتى ما دامت روح التحدي حاضرة لديهم”، تختم خديجة المحمدي.