مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. مصطفى الطيبي ناظوري يتخصص في التخزين والتوزيع

طارق العاطفي | أمين الخياري
ينحدر مصطفى الطيبي من جماعة بني سيدال الجبل المنتمية إلى النفوذ الترابي لإقليم الناظور، وهي المنطقة التي رأى فيها نور الحياة أول مرة واستقر بها حتى العام السابع من عمره، قبل التحرك إلى مركز الإقليم لإكمال الدراسة، ويستقر في مملكة الدنمارك منذ سنة 1984.
يعد الطيبي واحدا من الأسماء البارزة بعطاءاتها الجمعوية في الدنمارك، وعموم الحيز الجغرافي لاسكندنافيا، بينما مساره المهني، الذي تطور بروية على مدى أعوام طويلة، يرتبط بتوفره على شركة متخصصة في خدمات توزيع المطبوعات الإعلامية وتسليم أصناف متنوعة من الإرساليات.
الهدر المدرسي
النشأة الأولى لمصطفى الطيبي كانت في جماعة بني سيدال الجبل، التي تعد ساكنتها من قبيلة “قلعية” في منطقة الريف، وبهذا التجمع السكاني القروي، حينها، نجح في القيام بخطواته الأولى وسط أسرة محافظة، واستهل تعليمه بالمدرسة الابتدائية التي تتواجد وسطه.
يقول: “غادرت بني سيدال إلى مدينة الناظور في سن مبكرة، وقد واصلت تعليمي في مركز الإقليم لفترة قصيرة؛ إذ غادرت صفوف الدراسة بعد الوصول إلى المستوى الرابع ابتدائي بعدما فقدت الرغبة في ذلك”.
اتسمت طفولة الطيبي بالانخراط في العمل منذ سن الطفولة، متدربا على الاعتماد على نفسه وطامحا إلى الهجرة خارج المغرب للالتحاق بأبيه الذي غادر منطقة الريف إلى مملكة الدنمارك من أجل العمل.
اندماج مكرر
لازم مصطفى الطيبي حلم الهجرة حتى تحقق أواسط ثمانينات القرن العشرين بالوصول إلى اسكندنافيا، واحتاج مدة زمنية قصيرة من أجل الاندماج في المجتمع الدنماركي رغم تباين نمط العيش بين بلد الاستقبال ومنطقة الريف بالمغرب.
في هذا الشأن، يقول الطيبي: “لم يصعب عليّ التأقلم في الدنمارك لأنني خبرت تغيير فضاء العيش منذ الطفولة؛ فالهجرة من هدوء البادية إلى صخب المدينة، أي من بني سيدال نحو الناظور، احتاج أن أندمج، كما أنني اشتغلت في مدينة مليلية المحتلة في وقت سابق لأتوفر على إلمام بكيفية التعامل مع غير المغاربة”.
حرص متقن اللغة الإسبانية مسبقا على الاستعانة بها من أجل محاولة التواصل مع بعض من يفهمونها في الدنمارك، وذلك حتى تمكنه من التواصل بلغة البلد والمضي قدما في رسم مساره الجديد، معتبرا أن هذه المحطة من حياته قد مرت دون صدامات ثقافية مع المتواجدين بفضاء العيش المشترك.
استراتيجية عصامية
لازم مصطفى الطيبي النفور من مقاعد الدراسة حتى في الدنمارك، مقبلا منذ وصوله على سوق العمل، مستهدفا الحصول على مردود مالي يدعم به أسرته ويخصص قسطا منه للحصول على احتياجاته اليومية.
“لم أهاجر إلى الدنمارك بغرض التعلم طبعا، نشأت في سوق الشغل وما زلت ألازم ذلك حتى الآن، وبمجرد وصولي إلى ضواحي كوبنهاغن بدأت في مساعدة أبي على تخطي وضعه المالي الهش بفعل الالتزام بمصاريف عائلية كثيرة”، يورد الطيبي.
وبنهج عصامي، طور الوافد على الدنمارك من المغرب وضعيته المهنية؛ إذ بدأ بغسل الأواني في مطعم ليصير صاحب شركة خاصة، مرورا بفترات عطالة والانتماء إلى العمالة المرتبطة، على الخصوص، بقطاعات غاز التدفئة ونقل البضائع وخدمات الإطعام.
في دوامة الإدمان
عبر المسار المهني لمصطفى الطيبي وسط دوامة إدمان بتجربة استمرت على مدى 7 سنوات كاملة؛ إذ ظفر بفرصة شغل في مركز لتقديم المواكبة للمتعاطين أصنافا مختلفة من المخدرات والمشروبات الكحولة، وبقبول هذا الالتزام الوظيفي حصل على نظرة مغايرة للمجتمع الدنماركي.
يقول المنتمي إلى صف الجالية المغربية: “التعاطي اليومي مع المدمنين كان صدمة حقيقية، وبسبب ذلك تغيرت نظرتي إلى نفسي، من جهة، وإلى المجتمع بأكمله، من جهة ثانية، ورغم بساطة الأداء واقتصاره على مرافقة المستفيدين خارج المركز إلا أن الاستفادة تحققت باستيعاب معنى الاستسلام والوعي بتبعاته الوخيمة”.
وفي هذه الفترة، شرع الطيبي، تحت وطء الصدمة، في البحث عن السبل التي تمكنه من تأسيس مشروع خاص به، مبتغيا العمل بجد من أجل تطوير مستواه الاجتماعي، واستثمار تجاربه السابقة في الحصول على مردود مالي أوفر، مركزا على التدبر في مبادرات ناجحة لمعرفة ما يلائم قدراته الحقيقية.
“نقل الطيبي”
أسس مصطفى الطيبي شركة “MT للنقل”، بعدما اختار ولوج ميدان توزيع المطبوعات الصحافية والإعلامية في كوبنهاغن ونواحيها، مفتتحا الأداء بكيفية عقلانية تتيح له البحث عن إنماء مشروعه بروية وفعالية، مراهنا على طول النفس للانتقال بالشركة إلى صف الناجحين في هذا المجال الاستثماري التنافسي.
يصرح الطيبي قائلا: “بدأت العمل بمركبة واحدة، وقد كان ذلك بالإقبال على توزيع الجرائد في المساء، بينما أخذت أشتغل نهارا في توزيع المجلات في المرحلة الموالية، ثم ساهم الرواج في اقتنائي مركبات إضافية وتشغيل أناس يعملون معي، لكن الطفرة حضرت بإبرام صفقة مع مطبعة تحتاج خدمات الشركة للتعاطي مع الإرساليات في الدنمارك وبلدان كثيرة”.
يتوزع نشاط “MT” اليوم على جبهات متعددة في الدنمارك وخارجها، أبرزها تجميع وتوزيع إرساليات مختلفة الإحجام، منها الجرائد والمجلات، والتكلف بتوجيه مقتنيات التجارة الإلكترونية، زيادة على خدمات تهم تخزين بضائع مستوردة من لدن موردين قبل إعادة إمدادهم بها حسب الطلب في السوق.
الوعي بالقدرات
يعي مصطفى الطيبي قدراته الحقيقية، ويعترف بكونه خريجا لمدرسة الحياة بعصامية، ثم يعترف بأن ما مر به في بني سيدال إلى عموم اسكندنافيا قد ساهم في تقوية شخصيته وتمكينها من الشجاعة في اتخاذ المبادرة، كما علمه استحضار العقلانية قبل اتخاذ أي خطوة موالية.
يورد ذو الأصل المغربي: “حصلت على فرص عديدة من أجل تنمية الشركة إلى مستويات أعلى، لكن لدي خبيرة في المحاسبة تذكرني دوما بأن زيادة وتشعب النشاط المهني يتصل أيضا بتصاعد في المشاكل، كما أن تكويني في الحياة يجعلني موقنا بأن التطور ينبغي أن يتم حتى الحد الذي تسمح به القدرات البدنية والذهنية”.
من هذا المنطلق، يحاول مصطفى تخصيص حيز يومي من الزمن للإنصات إلى من لديهم تجارب وأفكار أفضل، معلنا رضاه عن المستوى الذي وصل إليه على الصعيدين الشخصي والمهني، معتبرا أن القنوعين ليسوا متوقفين عن معانقة الأحلام، بل ممتنعين عن الخلط بين المبادرة والمقامرة.
النقد الذاتي
الجدل الرائج في اسكندنافيا والدنمارك بشأن العنصرية يحتاج استنهاض النقد الذاتي، حسب مصطفى الطيبي، من أجل استجلاء حقيقة من يعلنون التعرض لهذه الممارسات المبنية على الميز، كما يرى المستقر في الدنمارك منذ 4 عقود أن الناس ينبغي أن يتحملوا مسؤوليتهم في التصرفات التي تجعل الآخرين يتفاعلون.
ويفسر الطيبي ذلك بالقول: “حين وصلت إلى الدنمارك كان نمط الحياة مغايرا لما هو كائن اليوم، لا السيارات تقفل ولا الأبواب تغلق، لكن موجات اللجوء من مناطق اندلعت فيها حروب غيرت كل هذا بشكل سيء، لكن منسوب العنصرية يبقى ضعيفا وإن كان هناك من يقارب حالاتها المعزولة بكيفية تجعلها تنمو يوما بعد يوم .. ولا عيب في القيام بنقد ذاتي”.
كما يعتبر مصطفى أن المرتقين بالسلوك التمييزي إلى درجة الظاهرة في الدنمارك يقومون بالمبالغة، خاصة أن السياسات العمومية توفر السكن للجميع والتمدرس لكل الراغبين فيه، وهناك رهان على صيانة الكرامة والارتقاء إلى الرفاهية، ويحضر أيضا توفير مساعدات يتم إرسالها إلى البلدان التي ينحدر منها ذوو الأصول الاجنبية.
رصيد جمعوي
يراكم المزداد في بني سيدال رصيدا وازنا في العمل المدني انطلاقا من الدنمارك؛ إذ كانت البداية من بلدية “توستروب” بضواحي كوبنهاغن حين شارك في تأسيس “النادي المغربي” بالحي الذي يقيم فيه، ثم توالت الأنشطة المقربة بين الثقافتين المغربية والدنماركية.
“التأسيس جاء عند محاولة التفكير في ورش يلائم الدعم المالي البلدي المقدم إلى الحي من أجل تفعيل أنشطة تهم الساكنة، ثم جاءت اشتغلالات موازية في المراحل الموالية، ومع مرور الوقت قمنا بإنشاء مسجد أفضى إلى تشييد مساجد أخرى في العاصمة الدنماركية ونواحيها”، يعلق مصطفى الطيبي.
يشارك “سليل الريف” حتى الحين في تفعيل برامج جمعوية ثابتة تستحضر الأصل المغربي والاستقرار بالدنمارك، والمواطنة المرتبطة بالمملكتين معا، مع الالتزام بمقاربات تتيح التقاربات الثقافية والعقدية والاجتماعية، كما تخلد أعيادا وطنية مغربية بالدنمارك يقبل عليها عدد وفير من الجالية باسكندنافيا.
مساهمات في التنمية بالمغرب
إلى جانب طواقم متعددة الأفراد، يساهم مصطفى الطيبي في مبادرات تبتغي المشاركة في جهود التنمية بالمغرب، بتركيز على محاربة الهشاشة، منطلقا من فضاء الصبا ببني سيدال وتقديم الدعم لتواجد مقرات لروض أطفال ودارَي الثقافة والمرأة، وفضاء رياضي، زيادة على توفير تجهيزات مكتبية تحتاجها مرافق وظيفية، والتعاطي أيضا مع الحاجة إلى قناطر وسيارات إسعاف وغيرها.
“مثل هذه التدخلات، مع مجموعة من الغيورين المنتمين إلى الجالية، تمتد إلى مناطق أخرى بإقليمَي الناظور والحسيمة، كما تطال سلا وميسور والجديدة، وتصل إلى عمليات مثل توزيع ملابس ومعدات على معوزين، وتوفير مستلزماتهم خلال الأعياد، كما حصلت تدخلات تضامنية مع متضررين من الأزمة الوبائية خلال فترة الحجر الصحي”، يقول الطيبي.
ويؤكد المتحدث أن مثل هذا التعاطي المستدام، الذي يرتفع إيقاعه خلال وقوع أحداث ظرفية، ينطلق من الواجبات الملقاة على أفراد الجالية باعتبارهم مواطنين مغاربة، أولا، ويلقى السند من فعاليات المجتمع المدني المستقرة في الوطن الأم، ويمكن أن يتطور أكثر ببذل الإدارة جهودا في تيسير الإجراءات وإتاحة الحصول على المعلومات.
الحماس والخبرة
يرى الطيبي أن الشباب المغربي المتواجد في الدنمارك، سواء المولود هناك أو الوافد، بحاجة إلى الاستفادة من خبرات المجربين بعدما صارت الأوضاع معقدة في هذه العشرية من الألفية الثالثة.
يقول مصطفى: “أدعم تطور الفئة الشابة بمنحها الفرصة لإثبات قدراتها على تحمل المسؤولية، لكن التنظيمات الجمعوية للجالية المغربية مدعوة إلى القيام بمهامها في التأطير عبر التحسيس والتوعية ونقل المعرفة الحياتية بكل جدية”.
“لا أمارس الوصاية إذا دعوت إلى اختصار الزمن، فالجالية المغربية راكمت مجموعة من الخبرات التي تتيح للجيل الجديد أن يتطور بسرعة فائقة إذا استفاد من تجارب الذين سبقوه، كما يتوفر لدي اليقين بأن من لا يعرف ثقافته لا يمكن أن يدرك ثقافات الغير، وبالتالي يجب أن يحضر التعاون للحصول على نحاجات فردية تساهم في إعطاء صورة لامعة عن المغرب والمغاربة”، يختم مصطفى الطيبي.
